حين أصبح “الترند” أقوى من المنبر

د. هيفاء ابوغزالة
نيسان ـ نشر في 2026/05/07 الساعة 00:00
في زمنٍ لم تعد فيه الجموع تتجمّع في الساحات بقدر ما تتجمّع حول الشاشات، تغيّرت ملامح السلطة في العالم العربي بصمتٍ مخيف. لم يعد السياسي وحده من يوجّه الرأي العام، ولم تعد الخطب الرسمية قادرة على احتكار الوعي الجمعي كما كان يحدث لعقود طويلة. هناك لاعب جديد اقتحم المشهد بقوة، لا يرتدي بدلة رسمية، ولا يجلس خلف منصة حكومية، ولا يحتاج إلى حزب أو برنامج انتخابي. يكفيه هاتف ذكي، وإضاءة جيدة، وجملة مثيرة للجدل، ليصبح خلال ساعات أكثر تأثيرًا من وزير، وأكثر حضورًا من مؤسسة كاملة.
الشارع العربي اليوم يعيش حالة انتقال غير مسبوقة من سلطة السياسة إلى سلطة “الترند”. فالمؤثر الإلكتروني لم يعد مجرد شخص يقدم محتوى ترفيهيًا أو يوميات عابرة، بل أصبح صانع رأي، ومحرّك مزاج عام، وأحيانًا قاضيًا شعبيًا يصدر الأحكام قبل أن تبدأ المؤسسات الرسمية بالكلام. بضغطة زر يمكنه أن يرفع قضية إلى قمة الاهتمام، أو يدفن قضية أخرى في قاع النسيان، ويمكنه أن يصنع بطلًا في الصباح ويحوّله إلى متهم قبل المساء.
المشكلة ليست في وجود المؤثرين بحد ذاته، فكل عصر يصنع أدواته وأصواته، لكن الخطورة تكمن حين يصبح التأثير بلا مسؤولية، وحين تتحول الشهرة الرقمية إلى بديل عن المعرفة والخبرة والوعي. عندها يصبح عدد المتابعين أهم من جودة الفكرة، وتصبح الإثارة أسرع طريق إلى الزعامة الإلكترونية، ويصبح الصراخ أكثر إقناعًا من الحقيقة.
السياسي العربي التقليدي لم يدرك حتى الآن أن الشارع تغيّر. ما زال يعتقد أن البيانات الرسمية كافية، وأن المؤتمرات الصحفية تصنع القناعة، بينما الحقيقة أن ملايين الشباب لم يعودوا ينتظرون التصريح الرسمي، بل ينتظرون “الستوري” و”البث المباشر” و”الفيديو القصير” الذي يشرح لهم الحدث بطريقة ساخرة أو غاضبة أو مستفزة. لقد انتقلت السياسة من قاعات الاجتماعات إلى خوارزميات المنصات الرقمية.
ولأن الفراغ لا يبقى فارغًا، فقد ملأ المؤثر الإلكتروني مساحة ضخمة تركتها المؤسسات السياسية والإعلامية التقليدية. المواطن العربي الذي فقد ثقته بالخطاب الرسمي وجد نفسه أقرب إلى شخص يتحدث بلغته اليومية، ويشاركه غضبه وإحباطه وهمومه، حتى وإن كان ذلك الشخص يفتقر إلى أبسط قواعد المعرفة السياسية أو المهنية الإعلامية.
الأخطر أن بعض الحكومات بدأت تتعامل مع المؤثرين كما كانت تتعامل سابقًا مع الزعامات التقليدية. صار لبعضهم نفوذ يفوق نفوذ أحزاب، وقدرة على تحريك الرأي العام أسرع من مؤسسات كاملة. وأصبح السياسي نفسه يسعى أحيانًا إلى رضا المؤثر الإلكتروني أكثر من سعيه إلى رضا المواطن، لأن “الترند” قد يرفع شعبيته أو يحطمها خلال ساعات.
لكن السؤال الأهم ليس: من الأقوى؟ السياسي أم المؤثر الإلكتروني؟ بل السؤال الحقيقي: ماذا يحدث لمجتمع تصبح فيه صناعة الوعي خاضعة لخوارزميات تبحث عن المشاهدات أكثر مما تبحث عن الحقيقة؟
حين تصبح القضايا الوطنية مادة للترفيه، والأزمات الإنسانية فرصة لزيادة المتابعين، والنقاشات السياسية سباقًا في الشتائم والانفعالات، فإننا لا نكون أمام تطور إعلامي، بل أمام إعادة تشكيل خطيرة للعقل الجمعي العربي.
المؤثر الإلكتروني ليس دائمًا عدوًا للدولة، والسياسي ليس دائمًا حاميًا للوعي، لكن المجتمعات التي تترك الرأي العام نهبًا للفوضى الرقمية، دون بناء إعلام مهني قوي، وتعليم نقدي حقيقي، ومؤسسات تملك المصداقية، ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا أمام شارع تحكمه الخوارزمية أكثر مما يحكمه العقل.
لقد تغيّر العالم العربي فعلًا… لم يعد السؤال: ماذا قال السياسي؟
بل أصبح: ماذا قال صاحب “الترند” اليوم
    نيسان ـ نشر في 2026/05/07 الساعة 00:00