مشكلة إلاقليمية وغياب الضوابط الأخلاقية
نيسان ـ نشر في 2026/05/07 الساعة 00:00
لنتابع ما كتبناه في مقال الأسبوع الماضي عن أمراض الغمز واللمز في حياة العرب والمسلمين، ليس فقط في ما بين الحكومات إذن لهان الأمر، وإنما بصور أشنع وأقسى ما بين المجتمعات ومؤسساتها والجماعات والأفراد. ولقد أكدنا أن لا مشكلة مع خلافات في وجهات النظر، تعالج بالحوار الأخوي المتسامح وبالحكمة التي تأخذ بعين الاعتبار التزامات هوية العروبة القومية المشتركة والتزامات الأخوة الإسلامية.
فالمشاكل تكمن في أمكنة أخرى.
فاذا كان الإسلام جزءاً أساسياً من الثقافة المجتمعية العامة، ذات التأثير التاريخي الكبير، والحضور القومي في الحاضر الشعبي، فلماذا لا يحكم ويوازن مشهد الغمز واللمز، الذي وصفنا، مع حث الدين الإنسان على قول الحق وبالأهمية التي أعطاها رسول الإسلام في قوله: «ما أنفق مؤمن نفقة هي أحب إلى الله عز وجل من قول حق في الرضا والغضب»؟ وهل يوجد حق من دون ضوابط أخلاقية وقيمية تحكم التعبير عن الحق وممارسته؟ وليس كما يريد البعض عن طريق ممارسة الحرية في التعبير بلا قيد أو شرط وبطرق المشاحنات اللاتسامحية والعبثية؟ بل هل يوجد الحق في غياب شرط مهم آخر هو شرط العلم وضوابطه، خصوصاً عندما تكون الخلافات حول مواضيع ومواقف بالغة التعقيد والتشابك، كما هو الحال بالنسبة للأوضاع العربية الحالية التي يكثر الغمز واللمز عند التعامل معها من قبل المجتمعات والشعوب والأفراد بصور عبثية وجاهلة؟
لا مشكلة مع خلافات في وجهات النظر، تعالج بالحوار الأخوي المتسامح وبالحكمة التي تأخذ بعين الاعتبار التزامات هوية العروبة القومية المشتركة والتزامات الأخوة الإسلامية
وفي جميع الأحوال أين ذهبت القاعدة الفقهية الشهيرة في الثقافة العربية الإسلامية القائلة: «لا ضرر ولا ضرار»؟ التي تعطي أهمية لظروف الواقع الحياتي ومتغيراته، وهي الظروف التي يتلاعب بها مع الأسف كيفما يشاء المركّب الصهيو ـ أمريكي ويثير بالتالي المشاحنات؟ وهكذا فالمشكلة الأولى التي نواجهها تكمن في تجاهل أو تناسي قيم هذه الأمة الأخلاقية والتواصلية للتعامل مع خلافاتنا. ومع ذلك تبقى هذه المشكلة في عوالم التجريد الشعوري والفكري. ولذا دعنا نضيف إليها مشكلة تفعل في الواقع العربي منذ زمن طويل، وما زالت تشكل جزءاً من صورة الواقع الحالي. وهي مشكلة أفضل من عبر عنها ورفع راية تأثيراتها السلبية المفكر الراحل العروبي والمؤرخ ساطع الحصري، تحت مسمى «مشكلة الإقليمية» بشتى أنواع تجلياتها الشعورية والمسلكية ومواقفها من فكرة ومحاولات وحدة الأمة العربية ووحدة الوطن العربي، سواء الجزئية أو الشاملة. لقد تتبع الحصري منبع الإقليمية فوجدها في تعدد الاستعمار، الذي «أنشب مخالبه في مختلف أجزاء البلاد العربية، في أزمنة مختلفة وظروف متباينة»، فلما هزم أمام القوى العربية التحررية، ترك وراءه أوطاناً مستقلة متعددة، بنت عبر السنين ولاءاتها ومصالحها وأهدافها الخاصة بها، التي بدورها أصبحت جزءاً من الثقافة الجمعية الوطنية الخاصة بكل قطر. ومع الوقت تكونت في كل دولة قطرية طوائف من الزعماء والحكام والساسة الرافضين لفكرة زوال كيان الدولة القطرية. ووجدت هذه الطوائف في الخارج أشكالاً من السند لها، ومن محاربة فكرة ومشاريع الوحدة العربية، كما حدث المرة تلو المرة خلال القرن العشرين لكل المحاولات الوحدوية. ويخلص ساطع الحصري إلى الطلب من الفرد العربي أن يكافح الإقليمية كما كان يكافح الاستعمار، بل ويطالب باقتلاع جذور الإقليمية من أعماق النفس العربية. وهنا بيت القصيد، إذ يضعنا الحصري أمام مهمة تثقيفية ومعالجة نفسية كبرى إن أردنا أن ننتقل إلى عوالم توحيد الأمة، أي بمعنى زرع فكر ومشاعر جديدة محل القديمة، وإجراء تعديلات كبرى في فكر وأهداف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية القطرية.
وقد تبنى الكثير من الأحزاب العربية القومية والوطنية المحلية هذه الأفكار وحاول تطبيقها في الواقع، ولكن فشلت في مساعيها تلك. لكن هل هناك طريق آخر لسلوكه؟ والجواب هو كلا. فهذا الطريق هو الذي سارت عليه كل أمة أرادت أن تستبدل تأسيس وحدتها القومية، التي تقويها وتبنيها وتحافظ على سلامتها، تستبدلها مكان التجزئة والتفتيت، الذي يضعفها ويجعلها خلف مسيرة هذا العالم في كل شيء، كما هو الحال بالنسبة لنا، نحن العرب.
السؤال: من سيقوم بمواجهة المشكلتين: مشكلة غياب القيمة الحاكمة لنقاشاتنا، ومشكلة فكر وممارسة الإقليمية التي أثبتت عجزها وفشلها في الدولة العربية الوطنية منذ استقلالها وإلى يومنا هذا؟ وكيف سيقوم بذلك من سينبري للقيام بهذه الأمة؟
الجواب على السؤالين سيكون هو الجواب على بلادات وسخافات ظاهرة الغمز واللمز التي حاولنا تبيان مخاطر التلاعب بها.
فالمشاكل تكمن في أمكنة أخرى.
فاذا كان الإسلام جزءاً أساسياً من الثقافة المجتمعية العامة، ذات التأثير التاريخي الكبير، والحضور القومي في الحاضر الشعبي، فلماذا لا يحكم ويوازن مشهد الغمز واللمز، الذي وصفنا، مع حث الدين الإنسان على قول الحق وبالأهمية التي أعطاها رسول الإسلام في قوله: «ما أنفق مؤمن نفقة هي أحب إلى الله عز وجل من قول حق في الرضا والغضب»؟ وهل يوجد حق من دون ضوابط أخلاقية وقيمية تحكم التعبير عن الحق وممارسته؟ وليس كما يريد البعض عن طريق ممارسة الحرية في التعبير بلا قيد أو شرط وبطرق المشاحنات اللاتسامحية والعبثية؟ بل هل يوجد الحق في غياب شرط مهم آخر هو شرط العلم وضوابطه، خصوصاً عندما تكون الخلافات حول مواضيع ومواقف بالغة التعقيد والتشابك، كما هو الحال بالنسبة للأوضاع العربية الحالية التي يكثر الغمز واللمز عند التعامل معها من قبل المجتمعات والشعوب والأفراد بصور عبثية وجاهلة؟
لا مشكلة مع خلافات في وجهات النظر، تعالج بالحوار الأخوي المتسامح وبالحكمة التي تأخذ بعين الاعتبار التزامات هوية العروبة القومية المشتركة والتزامات الأخوة الإسلامية
وفي جميع الأحوال أين ذهبت القاعدة الفقهية الشهيرة في الثقافة العربية الإسلامية القائلة: «لا ضرر ولا ضرار»؟ التي تعطي أهمية لظروف الواقع الحياتي ومتغيراته، وهي الظروف التي يتلاعب بها مع الأسف كيفما يشاء المركّب الصهيو ـ أمريكي ويثير بالتالي المشاحنات؟ وهكذا فالمشكلة الأولى التي نواجهها تكمن في تجاهل أو تناسي قيم هذه الأمة الأخلاقية والتواصلية للتعامل مع خلافاتنا. ومع ذلك تبقى هذه المشكلة في عوالم التجريد الشعوري والفكري. ولذا دعنا نضيف إليها مشكلة تفعل في الواقع العربي منذ زمن طويل، وما زالت تشكل جزءاً من صورة الواقع الحالي. وهي مشكلة أفضل من عبر عنها ورفع راية تأثيراتها السلبية المفكر الراحل العروبي والمؤرخ ساطع الحصري، تحت مسمى «مشكلة الإقليمية» بشتى أنواع تجلياتها الشعورية والمسلكية ومواقفها من فكرة ومحاولات وحدة الأمة العربية ووحدة الوطن العربي، سواء الجزئية أو الشاملة. لقد تتبع الحصري منبع الإقليمية فوجدها في تعدد الاستعمار، الذي «أنشب مخالبه في مختلف أجزاء البلاد العربية، في أزمنة مختلفة وظروف متباينة»، فلما هزم أمام القوى العربية التحررية، ترك وراءه أوطاناً مستقلة متعددة، بنت عبر السنين ولاءاتها ومصالحها وأهدافها الخاصة بها، التي بدورها أصبحت جزءاً من الثقافة الجمعية الوطنية الخاصة بكل قطر. ومع الوقت تكونت في كل دولة قطرية طوائف من الزعماء والحكام والساسة الرافضين لفكرة زوال كيان الدولة القطرية. ووجدت هذه الطوائف في الخارج أشكالاً من السند لها، ومن محاربة فكرة ومشاريع الوحدة العربية، كما حدث المرة تلو المرة خلال القرن العشرين لكل المحاولات الوحدوية. ويخلص ساطع الحصري إلى الطلب من الفرد العربي أن يكافح الإقليمية كما كان يكافح الاستعمار، بل ويطالب باقتلاع جذور الإقليمية من أعماق النفس العربية. وهنا بيت القصيد، إذ يضعنا الحصري أمام مهمة تثقيفية ومعالجة نفسية كبرى إن أردنا أن ننتقل إلى عوالم توحيد الأمة، أي بمعنى زرع فكر ومشاعر جديدة محل القديمة، وإجراء تعديلات كبرى في فكر وأهداف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية القطرية.
وقد تبنى الكثير من الأحزاب العربية القومية والوطنية المحلية هذه الأفكار وحاول تطبيقها في الواقع، ولكن فشلت في مساعيها تلك. لكن هل هناك طريق آخر لسلوكه؟ والجواب هو كلا. فهذا الطريق هو الذي سارت عليه كل أمة أرادت أن تستبدل تأسيس وحدتها القومية، التي تقويها وتبنيها وتحافظ على سلامتها، تستبدلها مكان التجزئة والتفتيت، الذي يضعفها ويجعلها خلف مسيرة هذا العالم في كل شيء، كما هو الحال بالنسبة لنا، نحن العرب.
السؤال: من سيقوم بمواجهة المشكلتين: مشكلة غياب القيمة الحاكمة لنقاشاتنا، ومشكلة فكر وممارسة الإقليمية التي أثبتت عجزها وفشلها في الدولة العربية الوطنية منذ استقلالها وإلى يومنا هذا؟ وكيف سيقوم بذلك من سينبري للقيام بهذه الأمة؟
الجواب على السؤالين سيكون هو الجواب على بلادات وسخافات ظاهرة الغمز واللمز التي حاولنا تبيان مخاطر التلاعب بها.
نيسان ـ نشر في 2026/05/07 الساعة 00:00