أن تتكلم بالعربية في سلوفينيا
نيسان ـ نشر في 2026/05/09 الساعة 00:00
جلست في مقهى، في وسط ليوبليانا، وعرض عليّ النادل أنواع القهوة. ولأنني كنت على عجلة من أمري، اخترت واحدة من غير تحديد، فانصرف ثم عاد وهو يحمل صينية يعلوها فنجان من فخار وإبريق من نحاس نصف مملوء بالقهوة. سألته عن اسم الإبريق فأجاب: جزوة. بينما أنا برقت عيني، بحكم أنها كلمة عربية. يسود اعتقاد أنها مشتقة من التركية، لكن الأصل فيها أنها عربية تسللت إلى اللغة التركية. أخبرت النادل الشاب أن كلمة (جزوة) أصلها عربي، وأن العديد من المقاهي في الجزائر، تحمل هذا الاسم، فشعر بأنني أدخلته في محادثة لا تعنيه، يهمه أن الكلمة تستخدم في لغته السلوفينية فحسب، يهمه أن أدفع الحساب وينصرف إلى زبائن آخرين. وأنا كذلك لم أشأ أن أدخل في نقاشات لسانية، لأن تناول القهوة ترافقه سكينة في البال وفي اللسان. وتخيلت أن أول كلمة سلوفينية بوسع عربي أن يتعلمها هي: جزوة. ثم صرت مهووسا في الأيام التالية في التنقيب عن الكلمات العربية في هذه اللغة.
وفي واحدة من المرات، بينما كنت أداوم على دروس اللغة في الجامعة، صادفت في الكتاب كلمة سلوفينية، يطابق نطقها كلمة: جيب. سألتُ عن معناها، فأدخلت الأستاذة يدها في جيب البنطلون. شعرت بأنني لم أفهم القصد، ويجب أن أتأكد. قبل أن تكرر حركتها، مما يعني أن الكلمة تعني بالفعل: الجيب. وهذه كلمة عربية أخرى عثرت عليها في لغة كنت أظن أنني أجهلها. كنت كلما عثرت على كلمة من أصول عربية شعرت كمن أحرز هدفا في مباراة كرة. وتوالى قاموس الكلمات العربية في اللغة السلوفينية: الكيمياء، سيفرة (شيفرة)، ياسمين، سيروب (شراب)، زعفران، ليمون، غزالة، سكر، إلخ. من المتعارف عليه أن العرب لا يسافرون إلى بلد صغير مثل سلوفينيا، بالكاد يظهر على الخريطة، لكن لغتهم سبقتهم إليه.
وفي واحدة من المرات، كنت مدعوا إلى مهرجان أدبي، في بلدة على الحدود مع إيطاليا. في الطريق صادفت لافتة تشير إلى متحف «Aleksanderinke»، قدرت أن الكلمة تحيل إلى كلمة ألكسندر، لكن تخميني لم يكن في محله، وقد اعتدت أن أخطىء في التخمين. في المساء سألت مديرة المهرجان عن ذلك المتحف، فنظرت إليّ مثل من نطق كفرا: ألست تعرف؟ كدت أن أتراجع عن سؤالي، فقد لمحت حيرة في عينيها، قبل أن تخبرني عن قصة المكان وأن الكلمة تحيل إلى الإسكندرية في مصر. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وإلى منتصف القرن العشرين، تعودت نساء من سلوفينيا على العمل أو الاستقرار في مصر، لاسيما في الإسكندرية، في العمل حاضنات أطفال أو في التكفل بشؤون العائلات الميسورة، بل منهن من قضين حياتهن في الإسكندرية ودفن هناك، بينما أخريات عدن إلى وطنهن. ولأن الأمر تحول إلى ظاهرة، والظاهرة صارت جزءا من تاريخ البلد، فقد أقيم لهن متحف، بل صدرت كتب عن سيرهن وحكاياتهن، منها كتابا «المصريات» أو «ريح الجنوب»، بل صورت أفلام تسجيلية عنهن، آخرها فيلم «رسائل مصرية» 2010. كيف يعقل أن بيننا وبين هذا البلد تاريخ عريق ونحن نجهله؟ مثلما تجهل الأجيال الجديدة من السلوفينيين علاقات أجدادهم بالعرب؟
في اليوم التالي من المهرجان، كنت في نقاش مع الجمهور، تلته قراءة نص لي مترجم إلى السلوفينية، عندما باغتتني مديرة المهرجان وهمست في أذني: «هل يمكنك إعادة قراءة النص، ولكن بالعربية». كنت على علم أن الناس لن يفهموا لغتي، وهي كذلك تعلم بالأمر، فاستغربت طلبها، لكنني امتثلت. ولحظت أن الحاضرين كانوا في أعلى درجات التركيز، عندما قرأت بالعربية. أعجبهم الأمر أكثر مما كان عليه عندما ورد النص مترجما إلى لغتهم الأم. وقبل المغادرة تقدمت إليّ سيدة، في أواسط العمر، وأخبرتني أن ما يهمها في سماع العربية هو، موسيقى اللغة، فهي لغة ذات لحن. لم يسبق لي أن فكرت في هذا الأمر. لكن في طريق العودة إلى البيت، انشغلت بالتفكير في كلامها؛ فمن المحتمل أن الأجانب لا يفهمون لغتنا، لكنهم يصغون إليها في انتشاء. فالعربية ليست مجرد جمل وكلمات، بل هي إيقاع، هي لحن يقع على طبلة الأذن.
وبعدما كنت متوجسا، في أيامي الأولى، في سلوفينيا، بدأت الطمأنينة تتسرب إلى قلبي، صرت أتكلم لغتهم، لكنهم يريدون مني أن أتكلم لغتي. وأذكر عندما دخلت صالون حلاقة، وكنت حينها ما أزال أرتكب أخطاء، في النحو والصرف، عندما أتحدث بالسلوفينية. سألتني الحلاقة عن موطني، وعندما أجبتها، ردت: «لماذا لا تتكلم بالعربية؟». خلت أنها تمزح أو أنها تود أن تجعلني أشعر بألفة مع المكان أو تود ملاطفتي كي تضمن زبونا في الصالون. لكنها أصرت، وكلمتها بعربية مثلما أرادت، لم تفهم كلامي لكنها ابتسمت، فشعرت بأنني كسبت نقطة أخرى. ليس جمهور الأدب وحده من يستسيغ سماع العربية، بل عامة الناس كذلك، ومن يومها تعلمت لعبة: عندما يتعسر عليّ العثور على كلمة بالسلوفينية، أنطقها بالعربية، محملا المتلقي مسؤولية عدم فهمي. ولأن جاري الذي أتم السبعين يسعده أن يثرثر في شؤون السياسة، وفيما يجري من حروب، ولأني مجبر على مسايرته في الكلام، فقد اضطر بدوره إلى مسايرتي في لغتي، وصار يتمتم بالعربية من حين لآخر (سلام، لا بأس). لكنني عجزت عن إقناعه أن يستبدل كلمة كسكس بكسكسي، لأنه تعود عليها بتلك الصيغة. وأصعب شيء يواجهني هو العثور على مرادفات في تسمية الأكلات، لذلك أحافظ عليها كما هي (شكشوكة، مثلا).
عندما كنت طالبا في باريس، أتذكر الغربة اللسانية التي عشتها. فقد كانت الدهشة تعم المكان، عندما يسمع جزائري مواطنا له يتكلم العربية، في عاصمة فرنسا. من يتكلم بالعربية يُظن جهله بالفرنسية، هكذا يفكرون. يمكن أن نقنع جزائريا أن مارادونا لم يسجل هدفا بيده، لكن يستحيل أن يقتنع أن مواطنا له يقيم في فرنسا ولا يتكلم لغتها. فعلاقة الجزائريين بالفرنسية شائكة، لها تاريخ وجذور، وهي لغة العلم وسوق العمل، مثلما يسود في مخيلتهم. وأتذكر مطعما يقع في حي (بارباس)، في الدائرة الثامنة عشرة، حيث يشكل المغاربيون غالبية السكان. تعلو المطعم لافتة كتبت بالعربية: طاجين. وعندما نلج إلى الداخل لا يصح كلام سوى بالفرنسية، لأن صاحبه (القادم من هضاب الجزائر) لا يتكلم سواها. فمن يتكلم بالعربية في باريس، فلا بد أن يخفض صوته، أو يشعر كمن ارتكب حماقة ويتحتم عليه تدارك الأمر.
في سلوفينيا لم أشعر بهذه الغربة في اللسان، فهل يمكن أن نسميها مهجرا؟ أشعر بأن كلمة «مهجر» مستوردة من أزمنة قديمة. تذكرني بجبران خليل جبران والرابطة القلمية، بينما نحن نعيش في عالم مغاير، كل شيء بات قريبا في زمن السوشيال ميديا. أقضي يومي وأن أكلم أهل هذه البلاد بلغتهم السلوفينية، وعندنا أنام أرى نفسي وقد عدت إلى الجزائر وأنني أتكلم بالعربية مثلما تعلمتها في صغري.
وفي واحدة من المرات، بينما كنت أداوم على دروس اللغة في الجامعة، صادفت في الكتاب كلمة سلوفينية، يطابق نطقها كلمة: جيب. سألتُ عن معناها، فأدخلت الأستاذة يدها في جيب البنطلون. شعرت بأنني لم أفهم القصد، ويجب أن أتأكد. قبل أن تكرر حركتها، مما يعني أن الكلمة تعني بالفعل: الجيب. وهذه كلمة عربية أخرى عثرت عليها في لغة كنت أظن أنني أجهلها. كنت كلما عثرت على كلمة من أصول عربية شعرت كمن أحرز هدفا في مباراة كرة. وتوالى قاموس الكلمات العربية في اللغة السلوفينية: الكيمياء، سيفرة (شيفرة)، ياسمين، سيروب (شراب)، زعفران، ليمون، غزالة، سكر، إلخ. من المتعارف عليه أن العرب لا يسافرون إلى بلد صغير مثل سلوفينيا، بالكاد يظهر على الخريطة، لكن لغتهم سبقتهم إليه.
وفي واحدة من المرات، كنت مدعوا إلى مهرجان أدبي، في بلدة على الحدود مع إيطاليا. في الطريق صادفت لافتة تشير إلى متحف «Aleksanderinke»، قدرت أن الكلمة تحيل إلى كلمة ألكسندر، لكن تخميني لم يكن في محله، وقد اعتدت أن أخطىء في التخمين. في المساء سألت مديرة المهرجان عن ذلك المتحف، فنظرت إليّ مثل من نطق كفرا: ألست تعرف؟ كدت أن أتراجع عن سؤالي، فقد لمحت حيرة في عينيها، قبل أن تخبرني عن قصة المكان وأن الكلمة تحيل إلى الإسكندرية في مصر. فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وإلى منتصف القرن العشرين، تعودت نساء من سلوفينيا على العمل أو الاستقرار في مصر، لاسيما في الإسكندرية، في العمل حاضنات أطفال أو في التكفل بشؤون العائلات الميسورة، بل منهن من قضين حياتهن في الإسكندرية ودفن هناك، بينما أخريات عدن إلى وطنهن. ولأن الأمر تحول إلى ظاهرة، والظاهرة صارت جزءا من تاريخ البلد، فقد أقيم لهن متحف، بل صدرت كتب عن سيرهن وحكاياتهن، منها كتابا «المصريات» أو «ريح الجنوب»، بل صورت أفلام تسجيلية عنهن، آخرها فيلم «رسائل مصرية» 2010. كيف يعقل أن بيننا وبين هذا البلد تاريخ عريق ونحن نجهله؟ مثلما تجهل الأجيال الجديدة من السلوفينيين علاقات أجدادهم بالعرب؟
في اليوم التالي من المهرجان، كنت في نقاش مع الجمهور، تلته قراءة نص لي مترجم إلى السلوفينية، عندما باغتتني مديرة المهرجان وهمست في أذني: «هل يمكنك إعادة قراءة النص، ولكن بالعربية». كنت على علم أن الناس لن يفهموا لغتي، وهي كذلك تعلم بالأمر، فاستغربت طلبها، لكنني امتثلت. ولحظت أن الحاضرين كانوا في أعلى درجات التركيز، عندما قرأت بالعربية. أعجبهم الأمر أكثر مما كان عليه عندما ورد النص مترجما إلى لغتهم الأم. وقبل المغادرة تقدمت إليّ سيدة، في أواسط العمر، وأخبرتني أن ما يهمها في سماع العربية هو، موسيقى اللغة، فهي لغة ذات لحن. لم يسبق لي أن فكرت في هذا الأمر. لكن في طريق العودة إلى البيت، انشغلت بالتفكير في كلامها؛ فمن المحتمل أن الأجانب لا يفهمون لغتنا، لكنهم يصغون إليها في انتشاء. فالعربية ليست مجرد جمل وكلمات، بل هي إيقاع، هي لحن يقع على طبلة الأذن.
وبعدما كنت متوجسا، في أيامي الأولى، في سلوفينيا، بدأت الطمأنينة تتسرب إلى قلبي، صرت أتكلم لغتهم، لكنهم يريدون مني أن أتكلم لغتي. وأذكر عندما دخلت صالون حلاقة، وكنت حينها ما أزال أرتكب أخطاء، في النحو والصرف، عندما أتحدث بالسلوفينية. سألتني الحلاقة عن موطني، وعندما أجبتها، ردت: «لماذا لا تتكلم بالعربية؟». خلت أنها تمزح أو أنها تود أن تجعلني أشعر بألفة مع المكان أو تود ملاطفتي كي تضمن زبونا في الصالون. لكنها أصرت، وكلمتها بعربية مثلما أرادت، لم تفهم كلامي لكنها ابتسمت، فشعرت بأنني كسبت نقطة أخرى. ليس جمهور الأدب وحده من يستسيغ سماع العربية، بل عامة الناس كذلك، ومن يومها تعلمت لعبة: عندما يتعسر عليّ العثور على كلمة بالسلوفينية، أنطقها بالعربية، محملا المتلقي مسؤولية عدم فهمي. ولأن جاري الذي أتم السبعين يسعده أن يثرثر في شؤون السياسة، وفيما يجري من حروب، ولأني مجبر على مسايرته في الكلام، فقد اضطر بدوره إلى مسايرتي في لغتي، وصار يتمتم بالعربية من حين لآخر (سلام، لا بأس). لكنني عجزت عن إقناعه أن يستبدل كلمة كسكس بكسكسي، لأنه تعود عليها بتلك الصيغة. وأصعب شيء يواجهني هو العثور على مرادفات في تسمية الأكلات، لذلك أحافظ عليها كما هي (شكشوكة، مثلا).
عندما كنت طالبا في باريس، أتذكر الغربة اللسانية التي عشتها. فقد كانت الدهشة تعم المكان، عندما يسمع جزائري مواطنا له يتكلم العربية، في عاصمة فرنسا. من يتكلم بالعربية يُظن جهله بالفرنسية، هكذا يفكرون. يمكن أن نقنع جزائريا أن مارادونا لم يسجل هدفا بيده، لكن يستحيل أن يقتنع أن مواطنا له يقيم في فرنسا ولا يتكلم لغتها. فعلاقة الجزائريين بالفرنسية شائكة، لها تاريخ وجذور، وهي لغة العلم وسوق العمل، مثلما يسود في مخيلتهم. وأتذكر مطعما يقع في حي (بارباس)، في الدائرة الثامنة عشرة، حيث يشكل المغاربيون غالبية السكان. تعلو المطعم لافتة كتبت بالعربية: طاجين. وعندما نلج إلى الداخل لا يصح كلام سوى بالفرنسية، لأن صاحبه (القادم من هضاب الجزائر) لا يتكلم سواها. فمن يتكلم بالعربية في باريس، فلا بد أن يخفض صوته، أو يشعر كمن ارتكب حماقة ويتحتم عليه تدارك الأمر.
في سلوفينيا لم أشعر بهذه الغربة في اللسان، فهل يمكن أن نسميها مهجرا؟ أشعر بأن كلمة «مهجر» مستوردة من أزمنة قديمة. تذكرني بجبران خليل جبران والرابطة القلمية، بينما نحن نعيش في عالم مغاير، كل شيء بات قريبا في زمن السوشيال ميديا. أقضي يومي وأن أكلم أهل هذه البلاد بلغتهم السلوفينية، وعندنا أنام أرى نفسي وقد عدت إلى الجزائر وأنني أتكلم بالعربية مثلما تعلمتها في صغري.
نيسان ـ نشر في 2026/05/09 الساعة 00:00