سفير الصهيونية لدى إسرائيل وحصانته الإعلامية!
نيسان ـ نشر في 2026/05/09 الساعة 00:00
لم تعد الصحافة في الولايات المتحدة مهنة يسيرة الممارسة أو مأمونة العواقب، بدليل أن البلاد التي كانت تفخر بتقديسها لحرية التعبير، قد تدنّت، عامَ عودة ترامب للحكم، إلى الدرجة السابعة والخمسين في الترتيب العالمي لحرية الصحافة، وها هي تتدحرج هذا العام إلى المرتبة الرابعة والستين (!) بتأخر ملحوظ عن بلدان إفريقية فقيرة ومحدودة التأسيس سياسيا، مثل موريتانيا وبوتسوانا وليبيريا.
فقد اتخذ ترامب من الصحافيين أعداء واستقر به المُقام الخطابي شبه اليومي في عادة التهجم عليهم، وفي روتين تسمية كل وسائل الإعلام (باستثناء المواقع والقنوات القليلة التي تتملّقه وتصفق له) بـ»وسائل الإعلام الزائف». أما على صعيد السياسات فقد حوّل كراهيته للإعلام المستقل إلى عقيدة سياسية، بل إلى عُقدة تظلُّمية، تتغذى من كراهية جمهوره الانتخابي لما يسمى، بتعميم فضفاض، بـ»النخب». كما جعل ترامب من استهداف الصحافة ومهاجمة الصحافيين، مثلما قالت منظمة مراسلون بلا حدود، «ممارسة ممنهجة» تتجلى في ألوان شتى من التهديدات والمضايقات والملاحقات القضائية.
ولهذا فإن جوائز بولتزر المرموقة للصحافة قد اكتست هذا العام دلالات سياسية مخصوصة تتجاوز دلالات التقدير والتكريم الاعتيادية التي ظلت تتضمنها على مدى أكثر من قرن من تاريخ الصحافة الأمريكية. ولعل أوضح هذه الدلالات السياسية وأقربها لمعنى المقاومة أو النضال أن جائزة تقارير الشؤون القومية قد أسندت إلى فريق من صحافيي وكالة رويترز عن توثيقهم لكيفية استخدام ترامب لأجهزة الحكومة الفدرالية ولنفوذ كبار مؤيديه من أجل توسيع صلاحيات الرئاسة والتشفي في أعدائه. كما أن جائزة الخدمة العامة قد أسندت إلى الواشنطن بوست عن اختراقها حجاب السرية الذي يخفي الإجراءات العشوائية التي اتخذتها إدارة ترامب في سياق إعادة هيكلة الوكالات الفدرالية وتقليص ميزانياتها.
تدنّت الصحافة عامَ عودة ترامب، إلى الدرجة السابعة والخمسين في الترتيب العالمي لحرية الصحافة، وها هي تتدحرج هذا العام إلى المرتبة الرابعة والستين
أما جائزة الصحافة الاستقصائية فقد منحت للنيويورك تايمز عن تقاريرها المعمقة التي كشفت كيف أن ترامب «هشم» الضوابط التي كانت تمنع تضارب المصالح، وانتهز فرص الإثراء التي توفرها ممارسة السلطة لإغناء أقربائه وحلفائه. ومن المعتاد طبعا أن تُكرَّم النيويورك تايمز كل عام. إلا أن هذه الصحيفة المرجعية الممتازة لا تزال أسيرة عاداتها الذهنية وتحيزاتها الإيديولوجية كلما تعلق الأمر بدولة إسرائيل. وقد أتى أحدث الأمثلة في الحوار المطول الذي أجرته صحافية النيويورك تايمز لولو غارسيا-نافارو مع المذيع الشهير تاكر كارلسون الذي كان أبرز أنصار ترامب إعلاميا ثم أصبح أقوى منتقديه منذ أن اقتحم مغامرة العدوان على إيران. ولكن ما يحيّر صحافية النيويورك تايمز ويقلق راحتها ليس أن كارلسون صار أقوى منتقدي ترامب، بل أنه صار أقوى نقاد إسرائيل.
ومعروف أن كارلسون ما ينفك يندد في أشرطته الجماهيرية بسقوط ترامب في الفخ الذي نصبه له نتنياهو عندما أغراه بشن الحرب على إيران، وأنه قال ذات مرة إن ترامب أصبح «خادما لدى نتنياهو». كما صار من دأب كارلسون أن يفضح هيمنة الجماعات المؤيدة لإسرائيل على الحياة العامة الأمريكية وتحكّمها في النخبة السياسية بالترغيب المالي الفاحش والترهيب الإعلامي الفتّاك. ولكن هذه الحقائق لا تثير اهتمام الصحافيّة، بل كل ما يثير اهتمامها هو: هل يتفهم كارلسون أنه أورد نفسه موارد التهمة المهلكة: أي العداء للسامية؟ كما أن قتل إسرائيل لعشرات آلاف النساء والأطفال في غزة لا يثير اهتمامها، بل إن ما يثير اهتمامها هو: هل يتفهم كارلسون كيف أنه يجرح حساسية الصهاينة عندما يؤكد أن إسرائيل اقترفت جريمة إبادة في غزة؟
أما فيما يتعلق بمقابلة كارلسون الشهيرة مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، فإن ما يثير دهشة نافارو ليس أن هذا المسيحي الصهيوني (الذي ما هو في الحقيقة إلا السفير الإسرائيلي لدى إسرائيل!) قال لكارلسون إن من «حق» إسرائيل أن تتوسع وتضم جميع أراضي الدول المجاورة، وإذا فعلت ذلك فإنه ناظر إليه بعين الرضا. بل إن ما يثير دهشتها هو أن كارلسون أدى واجبه الإعلامي (بعكس الصحافة الأمريكية التي أخلّت كلها بهذا الواجب) فسأل هاكابي عن مدى معقولية التحجّج بـ»الوعد الإلهي»، وأنه استغرب أن يبلغ الأمر بشخص عاقل حد أن يزعم أن من «حق» دولة إسرائيل أن تبتلع الشرق العربي بأسره. لم تر الصحافية في هذيان هاكابي هذا أي شيء يستوقف السمع أو يستفز الوعي، لهذا سألت كارلسون وبراءة الأطفال في عينيها: قُل لي إلامَ ترمي بإثارتك كل هذه الأسئلة؟!
فقد اتخذ ترامب من الصحافيين أعداء واستقر به المُقام الخطابي شبه اليومي في عادة التهجم عليهم، وفي روتين تسمية كل وسائل الإعلام (باستثناء المواقع والقنوات القليلة التي تتملّقه وتصفق له) بـ»وسائل الإعلام الزائف». أما على صعيد السياسات فقد حوّل كراهيته للإعلام المستقل إلى عقيدة سياسية، بل إلى عُقدة تظلُّمية، تتغذى من كراهية جمهوره الانتخابي لما يسمى، بتعميم فضفاض، بـ»النخب». كما جعل ترامب من استهداف الصحافة ومهاجمة الصحافيين، مثلما قالت منظمة مراسلون بلا حدود، «ممارسة ممنهجة» تتجلى في ألوان شتى من التهديدات والمضايقات والملاحقات القضائية.
ولهذا فإن جوائز بولتزر المرموقة للصحافة قد اكتست هذا العام دلالات سياسية مخصوصة تتجاوز دلالات التقدير والتكريم الاعتيادية التي ظلت تتضمنها على مدى أكثر من قرن من تاريخ الصحافة الأمريكية. ولعل أوضح هذه الدلالات السياسية وأقربها لمعنى المقاومة أو النضال أن جائزة تقارير الشؤون القومية قد أسندت إلى فريق من صحافيي وكالة رويترز عن توثيقهم لكيفية استخدام ترامب لأجهزة الحكومة الفدرالية ولنفوذ كبار مؤيديه من أجل توسيع صلاحيات الرئاسة والتشفي في أعدائه. كما أن جائزة الخدمة العامة قد أسندت إلى الواشنطن بوست عن اختراقها حجاب السرية الذي يخفي الإجراءات العشوائية التي اتخذتها إدارة ترامب في سياق إعادة هيكلة الوكالات الفدرالية وتقليص ميزانياتها.
تدنّت الصحافة عامَ عودة ترامب، إلى الدرجة السابعة والخمسين في الترتيب العالمي لحرية الصحافة، وها هي تتدحرج هذا العام إلى المرتبة الرابعة والستين
أما جائزة الصحافة الاستقصائية فقد منحت للنيويورك تايمز عن تقاريرها المعمقة التي كشفت كيف أن ترامب «هشم» الضوابط التي كانت تمنع تضارب المصالح، وانتهز فرص الإثراء التي توفرها ممارسة السلطة لإغناء أقربائه وحلفائه. ومن المعتاد طبعا أن تُكرَّم النيويورك تايمز كل عام. إلا أن هذه الصحيفة المرجعية الممتازة لا تزال أسيرة عاداتها الذهنية وتحيزاتها الإيديولوجية كلما تعلق الأمر بدولة إسرائيل. وقد أتى أحدث الأمثلة في الحوار المطول الذي أجرته صحافية النيويورك تايمز لولو غارسيا-نافارو مع المذيع الشهير تاكر كارلسون الذي كان أبرز أنصار ترامب إعلاميا ثم أصبح أقوى منتقديه منذ أن اقتحم مغامرة العدوان على إيران. ولكن ما يحيّر صحافية النيويورك تايمز ويقلق راحتها ليس أن كارلسون صار أقوى منتقدي ترامب، بل أنه صار أقوى نقاد إسرائيل.
ومعروف أن كارلسون ما ينفك يندد في أشرطته الجماهيرية بسقوط ترامب في الفخ الذي نصبه له نتنياهو عندما أغراه بشن الحرب على إيران، وأنه قال ذات مرة إن ترامب أصبح «خادما لدى نتنياهو». كما صار من دأب كارلسون أن يفضح هيمنة الجماعات المؤيدة لإسرائيل على الحياة العامة الأمريكية وتحكّمها في النخبة السياسية بالترغيب المالي الفاحش والترهيب الإعلامي الفتّاك. ولكن هذه الحقائق لا تثير اهتمام الصحافيّة، بل كل ما يثير اهتمامها هو: هل يتفهم كارلسون أنه أورد نفسه موارد التهمة المهلكة: أي العداء للسامية؟ كما أن قتل إسرائيل لعشرات آلاف النساء والأطفال في غزة لا يثير اهتمامها، بل إن ما يثير اهتمامها هو: هل يتفهم كارلسون كيف أنه يجرح حساسية الصهاينة عندما يؤكد أن إسرائيل اقترفت جريمة إبادة في غزة؟
أما فيما يتعلق بمقابلة كارلسون الشهيرة مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، فإن ما يثير دهشة نافارو ليس أن هذا المسيحي الصهيوني (الذي ما هو في الحقيقة إلا السفير الإسرائيلي لدى إسرائيل!) قال لكارلسون إن من «حق» إسرائيل أن تتوسع وتضم جميع أراضي الدول المجاورة، وإذا فعلت ذلك فإنه ناظر إليه بعين الرضا. بل إن ما يثير دهشتها هو أن كارلسون أدى واجبه الإعلامي (بعكس الصحافة الأمريكية التي أخلّت كلها بهذا الواجب) فسأل هاكابي عن مدى معقولية التحجّج بـ»الوعد الإلهي»، وأنه استغرب أن يبلغ الأمر بشخص عاقل حد أن يزعم أن من «حق» دولة إسرائيل أن تبتلع الشرق العربي بأسره. لم تر الصحافية في هذيان هاكابي هذا أي شيء يستوقف السمع أو يستفز الوعي، لهذا سألت كارلسون وبراءة الأطفال في عينيها: قُل لي إلامَ ترمي بإثارتك كل هذه الأسئلة؟!
نيسان ـ نشر في 2026/05/09 الساعة 00:00