عملية الثماني والأربعين ساعة
نيسان ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 00:00
التهديدات التي لا تُنفَّذ تُضعف هيبة الأمير أكثر مما تقوّيها ميكافيلي.
لعلّها كانت واحدة من أقصر العمليات العسكرية في التاريخ؛ إذ لم تتجاوز ثمانياً وأربعين ساعة.
ففي يوم الاثنين الماضي، أطلقت الولايات المتحدة ما سمّته «عملية الحرية»، بمشاركة خمسة عشر ألف جندي، وأكثر من مائة طائرة، ومدمّرات محمّلة بالصواريخ، معلنةً أن هدفها الإنساني يتمثّل في حماية السفن التجارية وتأمين عبورها عبر مضيق هرمز، وسط ضجّة إعلامية واسعة.
كان انطلاق العملية مفهوماً بعد شهرين من سيطرة إيران على المضيق، غير أنّ المفاجأة لم تكن في بدايتها، بل في إيقافها السريع يوم الثلاثاء التالي.
تمثّلت الفكرة الأمريكية في مرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بواسطة القوات الأمريكية، وأطلقت واشنطن على ذلك وصف «إرشاد السفن». وقد بدا اختيار المصطلح دقيقاً للغاية؛ إذ أرادت الولايات المتحدة أن تظهر بمظهر القوة والحضور، من دون أن تُلزم نفسها بتعهدات مباشرة أو انخراط كامل في مواجهة مفتوحة.
لكنّ الرد الإيراني جاء سريعاً وشرساً؛ إذ أعلنت طهران أن أيّ قوة أجنبية تقترب من المضيق ستكون هدفاً مباشراً للضرب.
وسرعان ما تصاعد الموقف، كما كان متوقّعاً؛ إذ استهدفت طائرات مسيّرة وصواريخ كروز إيرانية مدمراتٍ أمريكية، فردّت الولايات المتحدة بإغراق سبعة زوارق إيرانية. غير أنّ التصعيد الأخطر جاء لاحقاً، عندما استُهدف مجمّع صناعي في الفجيرة باثني عشر صاروخاً باليستياً، وثلاثة صواريخ كروز، وأربع طائرات مسيّرة. ولم يكن اختيار الهدف عشوائياً؛ فالمجمّع يمثّل نهاية خط أنابيب حبشان–الفجيرة، الذي شيّدته الإمارات الشقيقة لتصدير النفط متجاوزةً مضيق هرمز. فكانت الرسالة الإيرانية واضحة وصريحة: ممنوع الالتفاف على المضيق.
وفي يوم الثلاثاء، غرّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته «تروث سوشال» معلناً تأجيل «عملية الحرية»، مبرّراً ذلك بوجود تقدّم كبير في المفاوضات مع إيران. وعلى الفور، انخفضت أسعار الطاقة، وقفزت البورصات العالمية، وساد العالم شعور واسع بالارتياح.
لقد أصبحت تصرّفات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضحة خلال هذه المواجهة وما سبقها؛ فهو يعتمد سياسة تقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط، ثم تنفيذ تراجع تكتيكي يُقدَّم لاحقاً بوصفه نجاحاً دبلوماسياً. وقد ظهر هذا النهج سابقاً في ملف الرسوم الجمركية، وكذلك في قضية غرينلاند؛ حيث يُستخدم التصعيد والضغط المكثّف بوصفهما أداة تفاوض للوصول إلى الهدف النهائي.
غير أنّ أخطر ما كشفته هذه المواجهة كان تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن الهجمات التي استهدفت الإمارات الشقيقة نُفِّذت من دون علمه، واصفاً إياها بأنها «غير مسؤولة». فحين تتبرأ الحكومة من عمليات عسكرية نفذتها قواتٌ تتبع لها، فإن ذلك يفتح الباب أمام تفسير بالغ الخطورة: أن الحرس الثوري بات يعمل بمعزل عن القيادة السياسية.
وبحسب هذا التصور، أصبح الحرس الثوري دولةً داخل الدولة؛ يسيطر على عائدات النفط، وينسّق مع حلفائه، ويطلق الصواريخ من دون الرجوع إلى القيادة السياسية الرسمية. ولعلّ هذه هي أخطر وأهم خلاصة خرجت بها واحدة من أقصر العمليات العسكرية في التاريخ: أن إيران أصبحت «إيرانَين»، وأن القرار الحقيقي بات في يد الحرس الثوري.
لعلّها كانت واحدة من أقصر العمليات العسكرية في التاريخ؛ إذ لم تتجاوز ثمانياً وأربعين ساعة.
ففي يوم الاثنين الماضي، أطلقت الولايات المتحدة ما سمّته «عملية الحرية»، بمشاركة خمسة عشر ألف جندي، وأكثر من مائة طائرة، ومدمّرات محمّلة بالصواريخ، معلنةً أن هدفها الإنساني يتمثّل في حماية السفن التجارية وتأمين عبورها عبر مضيق هرمز، وسط ضجّة إعلامية واسعة.
كان انطلاق العملية مفهوماً بعد شهرين من سيطرة إيران على المضيق، غير أنّ المفاجأة لم تكن في بدايتها، بل في إيقافها السريع يوم الثلاثاء التالي.
تمثّلت الفكرة الأمريكية في مرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز بواسطة القوات الأمريكية، وأطلقت واشنطن على ذلك وصف «إرشاد السفن». وقد بدا اختيار المصطلح دقيقاً للغاية؛ إذ أرادت الولايات المتحدة أن تظهر بمظهر القوة والحضور، من دون أن تُلزم نفسها بتعهدات مباشرة أو انخراط كامل في مواجهة مفتوحة.
لكنّ الرد الإيراني جاء سريعاً وشرساً؛ إذ أعلنت طهران أن أيّ قوة أجنبية تقترب من المضيق ستكون هدفاً مباشراً للضرب.
وسرعان ما تصاعد الموقف، كما كان متوقّعاً؛ إذ استهدفت طائرات مسيّرة وصواريخ كروز إيرانية مدمراتٍ أمريكية، فردّت الولايات المتحدة بإغراق سبعة زوارق إيرانية. غير أنّ التصعيد الأخطر جاء لاحقاً، عندما استُهدف مجمّع صناعي في الفجيرة باثني عشر صاروخاً باليستياً، وثلاثة صواريخ كروز، وأربع طائرات مسيّرة. ولم يكن اختيار الهدف عشوائياً؛ فالمجمّع يمثّل نهاية خط أنابيب حبشان–الفجيرة، الذي شيّدته الإمارات الشقيقة لتصدير النفط متجاوزةً مضيق هرمز. فكانت الرسالة الإيرانية واضحة وصريحة: ممنوع الالتفاف على المضيق.
وفي يوم الثلاثاء، غرّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته «تروث سوشال» معلناً تأجيل «عملية الحرية»، مبرّراً ذلك بوجود تقدّم كبير في المفاوضات مع إيران. وعلى الفور، انخفضت أسعار الطاقة، وقفزت البورصات العالمية، وساد العالم شعور واسع بالارتياح.
لقد أصبحت تصرّفات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضحة خلال هذه المواجهة وما سبقها؛ فهو يعتمد سياسة تقوم على ممارسة أقصى درجات الضغط، ثم تنفيذ تراجع تكتيكي يُقدَّم لاحقاً بوصفه نجاحاً دبلوماسياً. وقد ظهر هذا النهج سابقاً في ملف الرسوم الجمركية، وكذلك في قضية غرينلاند؛ حيث يُستخدم التصعيد والضغط المكثّف بوصفهما أداة تفاوض للوصول إلى الهدف النهائي.
غير أنّ أخطر ما كشفته هذه المواجهة كان تصريح الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن الهجمات التي استهدفت الإمارات الشقيقة نُفِّذت من دون علمه، واصفاً إياها بأنها «غير مسؤولة». فحين تتبرأ الحكومة من عمليات عسكرية نفذتها قواتٌ تتبع لها، فإن ذلك يفتح الباب أمام تفسير بالغ الخطورة: أن الحرس الثوري بات يعمل بمعزل عن القيادة السياسية.
وبحسب هذا التصور، أصبح الحرس الثوري دولةً داخل الدولة؛ يسيطر على عائدات النفط، وينسّق مع حلفائه، ويطلق الصواريخ من دون الرجوع إلى القيادة السياسية الرسمية. ولعلّ هذه هي أخطر وأهم خلاصة خرجت بها واحدة من أقصر العمليات العسكرية في التاريخ: أن إيران أصبحت «إيرانَين»، وأن القرار الحقيقي بات في يد الحرس الثوري.
نيسان ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 00:00