عن الواقعية والحتمية ووهم السلام
نيسان ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 00:00
أثار طرح «خيار ثالث» في لبنان، في موقع «ميغافون» الإلكتروني، سجالات وردوداً بعضها رصين ومُحفّز على التفكير، وبعضها الآخر يرتبط بثقافة ثنائيات مقفلة لا تقبل الاختلاف، ولا تُعنى أصلاً بالنقاش السياسي بقدر ما يعنيها التموضع والتسليم بمنطق التخوين الذي صار أداة الاستقطاب الأبرز في البلد.
و»الخيار الثالث» المُشار إليه هو ذاك الذي يدعو إلى البحث في سبل الخروج داخلياً في لبنان من حلقة مفرغة بين خيار حزب الله الحربي ربطاً بتحالفه مع إيران وخيار بعض الأطراف المعارضة للحزب، التي تتباين وجهات نظرها حول الكثير من المسائل، لكنها تُجمع على ما يُشبه سحرية الحلول الآتية من واشنطن ومن التفاوض مع إسرائيل.
والتفكير بسبل الخروج من هذه الحلقة يفترض إضافة إلى القول بضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومثله قرارات الحرب والسلم ورفض منطق ربط الجنوب اللبناني باستراتيجيات طهران، قولاً آخر حول سبُل تحقيق ذلك، وسُبل التعامل مع المفاوضات، وضرورة التمييز بين كل تفاوض مشروع وواجب على الدولة اللبنانية للوصول إلى وقف نهائي للنار ولعمليات تفجير القرى الحدودية وإنهاء الاحتلال، وبين اتفاقيات سلام ثم تطبيع مع إسرائيل، يُمنّي بعض القوى السياسية النفس بها، ولنا عودة إلى ذلك.
ادّعاء واقعية لا واقع لها
ذهبت معظم الردود على هذا الطرح إلى القول بلا واقعيّته، أو بهروبه من الواقع نحو «الأخلاق». في حين ذهبت ردود أخرى إلى القول بحتميّات لا مفرّ منها هي ما يُواجه لبنان بمعزل عن الخيارات المعتمدة أو المُتخيَّلة فيه.
ويمكن التذكير في ما خصّ المأخذ الأول، الذي يُعيب غياب الواقعية، إلى أن الجهد السياسي أو محاولة الخروج من انسدادات أفق سياسي هي في تعريفها سعي لتخطّي واقع لا يبدو أن «الواقعيين» من مدبّري شؤونه ناجحون في التعامل معه. فلا «واقعية» حزب الله تُفضي إلى وقف العدوان الإسرائيلي والتدمير والاحتلال، ولا «واقعية» خصومه قادرة على نزع سلاحه وبسط سلطة الدولة أو على وقف الحرب الإسرائيلية بمجرّد القبول بوساطة واشنطن وشروطها. أما الحكي عن غياب قوى منظمة تحمل «الخيار الثالث» فهو بالطبع صحيح، وهو يُحيل إلى أزمة العمل السياسي غير الطائفي في لبنان منذ عقود، ويُصحّ بالتأكيد أيضاً على جميع الأفراد والمستقلّين من خصوم حزب الله الذين يصنّفون أنفسهم ضمن «الخيار الثاني» أو ما يقولون إنه «خيار الدولة»، في حين أن جميع القوى المنظّمة والقوية فيه هي قوى طائفية قابعة في السلطة منذ أكثر من عقدين، ولم يُشهد لها مرّة توق لبناء دولة واحترام مؤسسات ومكافحة فساد، إضافة إلى أن معظمها يتحمّل إلى هذا القدر أو ذاك مسؤولية النكبة المالية التي حلّت بلبنان، قبل أن تحلّ به النكبة الحربية الحالية الأشدّ فتكاً.
البحث عن أفكار ومبادرات وفتح نقاش ليس شرطه «الواقعية» بمفهومها اللبناني إذاً، وإلا لَبات سقف كل فكرة وكل مطلب هو بمقدار قبولها من القوى «الواقعية»، وفي طليعتها حزب الله وخصومه من الأحزاب الطائفية الكبرى.
وفي ما يخصّ ما بدا ميلاً عند كتّابٍ لاعتبار لبنان واقعاً أمام حتميّات هي في جميع الحالات كارثية، بمعزل عن نقاش الخيارات ومزاعمها، فما يمكن إيراده رداً على ذلك هو أن الاكتفاء بهذا الاعتبار، المفهوم في ظلّ الحرب المستمرة والخراب المعمّم ووجود القرارات الفعلية بشأنها في تل أبيب وواشنطن وطهران، يكاد يُعفي من كل مسؤولية داخلية ويُلغي السياسة ذاتها إذ تصبح انتظاراً للآتي بلا محاولات لمجابهته.
فإذا كان صحيحاً أن اقتصاد الدم والمعاناة هو في حالة الحرب الأولوية الوحيدة حين يكون وقفها التام متعذّراً، فإن الأمر يُعيدنا إلى البحث عما يمكن أن يُفضي داخلياً وخارجياً إلى ذلك. وهذا يعني العودة إلى التفكير في خياراتنا الداخلية، وفي أهداف التفاوض الآن مع إسرائيل برعاية دونالد ترامب، وفي ضرورة اقتصاد الدم والمعاناة أهلياً، أي بين اللبنانيين أنفسهم،وليس خارجياً فقط.
السلاح والسلام
ليس صعباً القول اليوم إن المفاوضات في إسلام أباد بين طهران وواشنطن هي ما قد يحسم الأمور في المنطقة وجبهاتها، رغم جهود إسرائيل لعرقلتها، إن بالضغط لتنفيذ ضربات ضد مواقع نفطية إيرانية أو بتوسيع الحرب والاحتلال في لبنان لاستدراج تصعيد يعطّل إمكانيات الاتفاق.
وليس صعباً القول كذلك إن مصير سلاح حزب الله يرتبط بالقرار الإيراني في تلك المفاوضات، رغم أنه لم يعد أولوية في مرحلتها الراهنة بعد أن تراجع الكلام عن «أذرع إيران» وعن برنامجها البالستي لصالح التركيزعلى مضيق هرمز والبرنامج النووي. لكنه سيعود ليصبح شأناً مركزياً في مرحلة ثانية، إن نجح تثبيت وقف العمليات العسكرية في الخليج.
وهذا يطرح من جديد مسألة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن. فأن تفاوض السلطات الرسمية اللبنانية لوقف الحرب والإبادة العمرانية ونهاية الاحتلال مقابل ترتيبات أمنية تشمل انتشار الجيش وترسيم الحدود وقوات فصل أممية وتسلّم أسلحة حزب الله وتنفيذ القرارات الدولية وقرارات مجلس الوزراء، فهذا واجبها ودورها ولا قبول بأي تخوين لها إذ تضطلع بمسؤولياتها.
الخلاف السياسي يبدأ بعد هذا. فالفارق كبيرٌ بين وقف الأعمال العدائية وتطبيق قرارات الأمم المتحدة وبين اتفاقية السلام والحكي عن التطبيع ولقاء رئيس الجمهورية اللبنانية ببنيامين نتنياهو، المنبوذ من معظم المسؤولين (الغربيين تحديداً) والمطلوب من العدالة الدولية لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.
والفارق أكبر بين الحوار الداخلي اللبناني، أو التفاوض الداخلي على ما قال رئيس الحكومة نواف سلام، لحصر السلاح وتملّك الدولة وحدها قرارات الحرب والسلم، وبين «نزع السلاح» بالقوة الذي تريده إسرائيل وتقول به واشنطن، والذي تعلم الأولى على الأقل أنه غير ممكن «واقعياً»، مما يمنحها ذريعة للاستمرار بالحرب أو الزعم باستعدادها لمساعدة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، ليُصار إلى نقل الضغط بأكمله نحو الداخل اللبناني المصدّع.
ويفيد التأكيد هنا أن الخلاف الداخلي يصبح أكبر، والحاجة للوضوح التي يزعم «الخيار الثالث» بلورتها تصبح أشد، إذ يتعلّق الأمر بالموقف من استعداد بعض القوى السياسية اللبنانية للتعامل مع إسرائيل بحجّة السلام أو التطبيع أو إنهاء نفوذ إيران لبنانياً. ولا نتحدّث هنا عن أتباع إسرائيل من بعض لبنانيي واشنطن. نتحدّث عن قوى سياسية مشاركة في الحكومة، هي نفسها من يطرح «الحياد» اللبناني، لكنها في الوقت نفسه مع الولايات المتحدة (وإسرائيل) ضد إيران، وبعضها لا يخفي مراهنة على الحرب للخلاص من غريمه اللبناني، الحليف لإيران.
هل هذا يعني، على ما حاول البعض ادّعاءه، أن «الخيار الثالث» يريد أن يُغطّي على مسؤولية سلاح حزب الله عبر إثارة الشكوك حول نوايا بعض خصومه؟ بالطبع لا. فمن لا يملك السلاح ليس كمن يملكه ويستخدمه ويهدّد معارضيه به. لكن خطاب الكراهية والاستعداد للسلام والتطبيع مع من يدمّر بيوت مئات ألوف اللبنانيين وحقولهم وأعمالهم ويحتلّ أرضهم ويهجّرهم ويقتل الآلاف منهم هو خطاب حرب أهلية. وهنا تكمن المسؤولية في رفض هذا الخطاب وإعلان ذلك بوضوح.
والزعم بيُسر الاتفاق مع إسرائيل من دون أوراق ضغط مثل الدعاوى أمام المحاكم الدولية أو إعداد الملفات المطالبة بالتعويضات، ومن دون النشاط الدبلوماسي في دول العالم بأسره مطالبة بدعم الموقف اللبناني، هو قول ساذج أو مزوّر للحقائق، خاصة إذ يأتي بأمثلة مثل الأردن ومصر لا تمتّ بصلة إلى الحالة اللبنانية وتعقيداتها، ولا إلى أوضاع الحدود اللبنانية الإسرائيلية القائمة منذ ستينات القرن الماضي، أي قبل ربع قرن من تأسيس حزب الله. والمقارنة غير جائزة في أي حال بين الأردن (حيث جرى «توطين» جميع الفلسطينيين الذين وفدوا المملكة قبل قيامها وبعده، أي بعد النكبة، وحيث «السلام» جاء في عهد مفاوضاته الإقليمية) ومصر (التي وفّر سلامها مع تل أبيب في عزّ الحرب الباردة تبدلاً استراتيجياً في المنطقة لصالح واشنطن وأنهى الصراع العسكري بين الدول العربية وإسرائيل مقابل استعادة سيناء)، ناهيكم بالفوارق في الحجم والموقع والاقتصاد والدور بين البلدين (وبينهما وبين لبنان).
يبقى القول، بعد التوضيحات الأخيرة والمسؤولة لرئيسي الجمهورية والحكومة وتمنّع الأول عن القبول بلقاء نتنياهو وتأكيد الثاني على أن لا تطبيع مع إسرائيل وعلى أن التفاوض الخارجي والداخلي هو الطريق السليم للخروج من الحرب التدميرية، إن الموقف الرسمي اللبناني تحسّن، ولَو أنه مطالب بجهود دبلوماسية وحقوقية وإعلامية مضاعفة، وباتصالات مكثّفة مع باكستان وتركيا والسعودية، ومع كل دولة يمكن أن تحصّن الموقع التفاوضي اللبناني لوقف الحرب الهمجية على أرضه وناسه.
و»الخيار الثالث» المُشار إليه هو ذاك الذي يدعو إلى البحث في سبل الخروج داخلياً في لبنان من حلقة مفرغة بين خيار حزب الله الحربي ربطاً بتحالفه مع إيران وخيار بعض الأطراف المعارضة للحزب، التي تتباين وجهات نظرها حول الكثير من المسائل، لكنها تُجمع على ما يُشبه سحرية الحلول الآتية من واشنطن ومن التفاوض مع إسرائيل.
والتفكير بسبل الخروج من هذه الحلقة يفترض إضافة إلى القول بضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومثله قرارات الحرب والسلم ورفض منطق ربط الجنوب اللبناني باستراتيجيات طهران، قولاً آخر حول سبُل تحقيق ذلك، وسُبل التعامل مع المفاوضات، وضرورة التمييز بين كل تفاوض مشروع وواجب على الدولة اللبنانية للوصول إلى وقف نهائي للنار ولعمليات تفجير القرى الحدودية وإنهاء الاحتلال، وبين اتفاقيات سلام ثم تطبيع مع إسرائيل، يُمنّي بعض القوى السياسية النفس بها، ولنا عودة إلى ذلك.
ادّعاء واقعية لا واقع لها
ذهبت معظم الردود على هذا الطرح إلى القول بلا واقعيّته، أو بهروبه من الواقع نحو «الأخلاق». في حين ذهبت ردود أخرى إلى القول بحتميّات لا مفرّ منها هي ما يُواجه لبنان بمعزل عن الخيارات المعتمدة أو المُتخيَّلة فيه.
ويمكن التذكير في ما خصّ المأخذ الأول، الذي يُعيب غياب الواقعية، إلى أن الجهد السياسي أو محاولة الخروج من انسدادات أفق سياسي هي في تعريفها سعي لتخطّي واقع لا يبدو أن «الواقعيين» من مدبّري شؤونه ناجحون في التعامل معه. فلا «واقعية» حزب الله تُفضي إلى وقف العدوان الإسرائيلي والتدمير والاحتلال، ولا «واقعية» خصومه قادرة على نزع سلاحه وبسط سلطة الدولة أو على وقف الحرب الإسرائيلية بمجرّد القبول بوساطة واشنطن وشروطها. أما الحكي عن غياب قوى منظمة تحمل «الخيار الثالث» فهو بالطبع صحيح، وهو يُحيل إلى أزمة العمل السياسي غير الطائفي في لبنان منذ عقود، ويُصحّ بالتأكيد أيضاً على جميع الأفراد والمستقلّين من خصوم حزب الله الذين يصنّفون أنفسهم ضمن «الخيار الثاني» أو ما يقولون إنه «خيار الدولة»، في حين أن جميع القوى المنظّمة والقوية فيه هي قوى طائفية قابعة في السلطة منذ أكثر من عقدين، ولم يُشهد لها مرّة توق لبناء دولة واحترام مؤسسات ومكافحة فساد، إضافة إلى أن معظمها يتحمّل إلى هذا القدر أو ذاك مسؤولية النكبة المالية التي حلّت بلبنان، قبل أن تحلّ به النكبة الحربية الحالية الأشدّ فتكاً.
البحث عن أفكار ومبادرات وفتح نقاش ليس شرطه «الواقعية» بمفهومها اللبناني إذاً، وإلا لَبات سقف كل فكرة وكل مطلب هو بمقدار قبولها من القوى «الواقعية»، وفي طليعتها حزب الله وخصومه من الأحزاب الطائفية الكبرى.
وفي ما يخصّ ما بدا ميلاً عند كتّابٍ لاعتبار لبنان واقعاً أمام حتميّات هي في جميع الحالات كارثية، بمعزل عن نقاش الخيارات ومزاعمها، فما يمكن إيراده رداً على ذلك هو أن الاكتفاء بهذا الاعتبار، المفهوم في ظلّ الحرب المستمرة والخراب المعمّم ووجود القرارات الفعلية بشأنها في تل أبيب وواشنطن وطهران، يكاد يُعفي من كل مسؤولية داخلية ويُلغي السياسة ذاتها إذ تصبح انتظاراً للآتي بلا محاولات لمجابهته.
فإذا كان صحيحاً أن اقتصاد الدم والمعاناة هو في حالة الحرب الأولوية الوحيدة حين يكون وقفها التام متعذّراً، فإن الأمر يُعيدنا إلى البحث عما يمكن أن يُفضي داخلياً وخارجياً إلى ذلك. وهذا يعني العودة إلى التفكير في خياراتنا الداخلية، وفي أهداف التفاوض الآن مع إسرائيل برعاية دونالد ترامب، وفي ضرورة اقتصاد الدم والمعاناة أهلياً، أي بين اللبنانيين أنفسهم،وليس خارجياً فقط.
السلاح والسلام
ليس صعباً القول اليوم إن المفاوضات في إسلام أباد بين طهران وواشنطن هي ما قد يحسم الأمور في المنطقة وجبهاتها، رغم جهود إسرائيل لعرقلتها، إن بالضغط لتنفيذ ضربات ضد مواقع نفطية إيرانية أو بتوسيع الحرب والاحتلال في لبنان لاستدراج تصعيد يعطّل إمكانيات الاتفاق.
وليس صعباً القول كذلك إن مصير سلاح حزب الله يرتبط بالقرار الإيراني في تلك المفاوضات، رغم أنه لم يعد أولوية في مرحلتها الراهنة بعد أن تراجع الكلام عن «أذرع إيران» وعن برنامجها البالستي لصالح التركيزعلى مضيق هرمز والبرنامج النووي. لكنه سيعود ليصبح شأناً مركزياً في مرحلة ثانية، إن نجح تثبيت وقف العمليات العسكرية في الخليج.
وهذا يطرح من جديد مسألة المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن. فأن تفاوض السلطات الرسمية اللبنانية لوقف الحرب والإبادة العمرانية ونهاية الاحتلال مقابل ترتيبات أمنية تشمل انتشار الجيش وترسيم الحدود وقوات فصل أممية وتسلّم أسلحة حزب الله وتنفيذ القرارات الدولية وقرارات مجلس الوزراء، فهذا واجبها ودورها ولا قبول بأي تخوين لها إذ تضطلع بمسؤولياتها.
الخلاف السياسي يبدأ بعد هذا. فالفارق كبيرٌ بين وقف الأعمال العدائية وتطبيق قرارات الأمم المتحدة وبين اتفاقية السلام والحكي عن التطبيع ولقاء رئيس الجمهورية اللبنانية ببنيامين نتنياهو، المنبوذ من معظم المسؤولين (الغربيين تحديداً) والمطلوب من العدالة الدولية لارتكابه جرائم ضد الإنسانية.
والفارق أكبر بين الحوار الداخلي اللبناني، أو التفاوض الداخلي على ما قال رئيس الحكومة نواف سلام، لحصر السلاح وتملّك الدولة وحدها قرارات الحرب والسلم، وبين «نزع السلاح» بالقوة الذي تريده إسرائيل وتقول به واشنطن، والذي تعلم الأولى على الأقل أنه غير ممكن «واقعياً»، مما يمنحها ذريعة للاستمرار بالحرب أو الزعم باستعدادها لمساعدة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، ليُصار إلى نقل الضغط بأكمله نحو الداخل اللبناني المصدّع.
ويفيد التأكيد هنا أن الخلاف الداخلي يصبح أكبر، والحاجة للوضوح التي يزعم «الخيار الثالث» بلورتها تصبح أشد، إذ يتعلّق الأمر بالموقف من استعداد بعض القوى السياسية اللبنانية للتعامل مع إسرائيل بحجّة السلام أو التطبيع أو إنهاء نفوذ إيران لبنانياً. ولا نتحدّث هنا عن أتباع إسرائيل من بعض لبنانيي واشنطن. نتحدّث عن قوى سياسية مشاركة في الحكومة، هي نفسها من يطرح «الحياد» اللبناني، لكنها في الوقت نفسه مع الولايات المتحدة (وإسرائيل) ضد إيران، وبعضها لا يخفي مراهنة على الحرب للخلاص من غريمه اللبناني، الحليف لإيران.
هل هذا يعني، على ما حاول البعض ادّعاءه، أن «الخيار الثالث» يريد أن يُغطّي على مسؤولية سلاح حزب الله عبر إثارة الشكوك حول نوايا بعض خصومه؟ بالطبع لا. فمن لا يملك السلاح ليس كمن يملكه ويستخدمه ويهدّد معارضيه به. لكن خطاب الكراهية والاستعداد للسلام والتطبيع مع من يدمّر بيوت مئات ألوف اللبنانيين وحقولهم وأعمالهم ويحتلّ أرضهم ويهجّرهم ويقتل الآلاف منهم هو خطاب حرب أهلية. وهنا تكمن المسؤولية في رفض هذا الخطاب وإعلان ذلك بوضوح.
والزعم بيُسر الاتفاق مع إسرائيل من دون أوراق ضغط مثل الدعاوى أمام المحاكم الدولية أو إعداد الملفات المطالبة بالتعويضات، ومن دون النشاط الدبلوماسي في دول العالم بأسره مطالبة بدعم الموقف اللبناني، هو قول ساذج أو مزوّر للحقائق، خاصة إذ يأتي بأمثلة مثل الأردن ومصر لا تمتّ بصلة إلى الحالة اللبنانية وتعقيداتها، ولا إلى أوضاع الحدود اللبنانية الإسرائيلية القائمة منذ ستينات القرن الماضي، أي قبل ربع قرن من تأسيس حزب الله. والمقارنة غير جائزة في أي حال بين الأردن (حيث جرى «توطين» جميع الفلسطينيين الذين وفدوا المملكة قبل قيامها وبعده، أي بعد النكبة، وحيث «السلام» جاء في عهد مفاوضاته الإقليمية) ومصر (التي وفّر سلامها مع تل أبيب في عزّ الحرب الباردة تبدلاً استراتيجياً في المنطقة لصالح واشنطن وأنهى الصراع العسكري بين الدول العربية وإسرائيل مقابل استعادة سيناء)، ناهيكم بالفوارق في الحجم والموقع والاقتصاد والدور بين البلدين (وبينهما وبين لبنان).
يبقى القول، بعد التوضيحات الأخيرة والمسؤولة لرئيسي الجمهورية والحكومة وتمنّع الأول عن القبول بلقاء نتنياهو وتأكيد الثاني على أن لا تطبيع مع إسرائيل وعلى أن التفاوض الخارجي والداخلي هو الطريق السليم للخروج من الحرب التدميرية، إن الموقف الرسمي اللبناني تحسّن، ولَو أنه مطالب بجهود دبلوماسية وحقوقية وإعلامية مضاعفة، وباتصالات مكثّفة مع باكستان وتركيا والسعودية، ومع كل دولة يمكن أن تحصّن الموقع التفاوضي اللبناني لوقف الحرب الهمجية على أرضه وناسه.
نيسان ـ نشر في 2026/05/10 الساعة 00:00