النازية في العالم العربي… التفاعل الأيديولوجي والانبهار السياسي

صادق الطائي
نيسان ـ نشر في 2026/05/11 الساعة 00:00
لم تكن النازية والفاشية في العالم العربي مجرد صدى بعيد لتحولات أوروبا السياسية في النصف الأول من القرن العشرين، بل تحوّلتا، في بعض البيئات العربية، إلى موضوع جدل فكري وسياسي ارتبط بالسؤال الاستعماري، وأزمة الدولة، وصعود القومية، وتراجع الليبرالية التقليدية.
وقد ساهمت الحرب العالمية الثانية في توسيع هذا التفاعل، خصوصا مع النشاط الدعائي الألماني في المنطقة العربية، واستثمار برلين للعداء العربي للاستعمار البريطاني والفرنسي، فضلاً عن توظيف القضية الفلسطينية بوصفها أداة تعبئة سياسية. غير أن هذا التفاعل لم يكن متجانساً؛ إذ ظهرت في المقابل أصوات عربية ليبرالية ويسارية وإسلامية، رفضت النازية بوصفها مشروعاً عنصرياً وشمولياً، ولذلك فإن الحديث عن «الفاشية العربية» بوصفها ظاهرة موحدة يمثل تبسيطاً تاريخياً مخلاً، لا ينسجم مع تعقيد التجربة العربية نفسها.
أشار كتاب «عميان عن التاريخ؟ العرب وألمانيا النازية واليهود» لبيتر فين ورينيه فيلدنغل، إلى خطورة اختزال العلاقات العربية الألمانية في سردية واحدة تقوم على فكرة «الانجذاب العربي الطبيعي للفاشية»، مؤكدا أن هذه العلاقة كانت نتاج سياقات استعمارية وسياسية متشابكة، أكثر من كونها تطابقاً أيديولوجياً كاملاً. لقد ظهر التفاعل العربي مع الفاشية الأوروبية في سياق أزمة تاريخية عاشتها المجتمعات العربية بعد الحرب العالمية الأولى، فقد أدى سقوط الدولة العثمانية إلى فراغ سياسي واسع، بينما فرضت بريطانيا وفرنسا نظام الانتداب على المشرق العربي، كما كانت فرنسا في الوقت ذاته تحتل أغلب دول المغرب العربي، الأمر الذي ولّد شعورا عميقا بالإهانة الوطنية لدى قطاعات واسعة من النخب السياسية والشبابية، إذ بدت الديمقراطيات الغربية مرتبطة بالاستعمار والتقسيم والتبعية. وقد ساهمت الأزمة الاقتصادية العالمية نهاية العشرينيات، في تعزيز جاذبية النماذج السلطوية؛ إذ بدا أن الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية قادرتان على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتعبئة القومية والانضباط الاجتماعي. ويشير فرانز ليوبولد نويان في كتابه «البهيموت: بنية الاشتراكية القومية وممارساتها» إلى أن النازية لم تكن مجرد حركة سياسية، بل نظاماً شاملاً أعاد تنظيم الدولة والمجتمع والاقتصاد ضمن بنية سلطوية مركزية. وقد أثارت هذه البنية إعجاب بعض الحركات القومية العربية، التي كانت تبحث عن نموذج للدولة المركزية القوية.
دراسة التيارات الفاشية والنازية في العالم العربي تكشف عن أزمة الحداثة السياسية العربية في مرحلة ما بين الحربين، أكثر مما تكشف عن «نازية عربية» متكاملة
في العراق، برزت نزعات قومية متشددة داخل الجيش والوسط الطلابي، خلال الثلاثينيات، خصوصا بعد تصاعد النفوذ البريطاني وتفاقم أزمة فلسطين. ويشير كتاب «عميان عن التاريخ» إلى أن جيل الثلاثينيات العراقي تأثر بخطابات تشيد بدور «القائد» والتنظيم الجماهيري والنزعة التعبوية ذات الطابع الشمولي. وقد انعكس ذلك لاحقا في حركة رشيد عالي الكيلاني سنة 1941، التي مثلت ذروة الرهان العربي على ألمانيا النازية، باعتبارها قوة قادرة على كسر الهيمنة البريطانية. أما في بلاد الشام، فقد وجدت بعض التيارات القومية في التجربة الفاشية نموذجا للتعبئة القومية الحديثة، وبرز ذلك في أوضح صوره في الحزب السوري القومي الاجتماعي بقيادة أنطون سعادة. وقد ناقش كريستوفر شومان في دراسته عن «قومية أنطون سعادة المتطرفة في الحقبة الفاشية»، أوجه التشابه بين الحزب السوري القومي وبعض التنظيمات الفاشية الأوروبية، خصوصا في ما يتعلق بالرموز والطقوس والتنظيم شبه العسكري وفكرة الأمة العضوية.
وفي مصر، ظهرت تنظيمات شبابية ذات طابع شبه فاشي مثل حزب «مصر الفتاة» الذي تأسس باسم جمعية مصر الفتاة عام 1933 بقيادة أحمد حسين، وتحول في الأربعينيات إلى حزب سياسي، وقد تبنى بعض المظاهر التعبوية الأوروبية كالقميص الأخضر والتنظيم الشبابي المركزي. واستلهم هذا الحزب فكرة «البعث القومي» والانضباط الجماعي، لكنه ظل مرتبطاً بالسياق المصري المحلي، خصوصا بمعاداة الاحتلال البريطاني. ومن جانب آخر شهدت مصر تعاطفا محدودًا مع ألمانيا النازية، داخل بعض الأوساط الملكية والسياسية، وهو ما تناوله كتاب «الملك فاروق وعلاقته بألمانيا النازية.. خمس سنوات من العلاقات السرية»، لوجيه عتيق، الذي أشار إلى وجود قنوات اتصال سرية بين القاهرة وبرلين خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.
وفي المغرب العربي، ارتبط الاهتمام بالنازية أساساً بالعداء للاستعمار الفرنسي والإسباني، أكثر من الارتباط بالعقيدة النازية ذاتها. وقد تناولت الصحافة المغربية أخبار ألمانيا النازية بوصفها قوة تناهض الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية، في وقت كانت فيه الحركات الوطنية تبحث عن أي قوة دولية يمكن أن تضعف فرنسا. غير أن هذا التفاعل ظل انتقائيا؛ إذ إن غالبية الحركات العربية لم تتبنَّ الأسس العنصرية البيولوجية للنازية، بل تعاملت معها من زاوية سياسية مرتبطة بالصراع مع الاستعمار الغربي. ولهذا فإن الفاشية العربية بقيت في معظمها «فاشية وظيفية»، إن جاز التعبير، لا نسخة مطابقة للنازية الألمانية.
اتسمت الأحزاب العربية المتأثرة بالفاشية بعدد من الخصائص المشتركة، أبرزها تمجيد الدولة المركزية، وتقديس القائد، والتنظيم شبه العسكري، والعداء للأحزاب الليبرالية التقليدية، والنزعة القومية التعبوية. غير أن هذه السمات لم تكن متطابقة في جميع الحالات، بل اختلفت تبعًا للسياقات المحلية.
في العراق، تشكلت جماعات شبابية قومية تأثرت بالنموذج الألماني والإيطالي، خصوصا في عملية عسكرة المدارس والجامعة. وقد ساهمت إذاعة برلين العربية والدعاية الألمانية في تعزيز صورة هتلر بوصفه «عدو الإمبراطورية البريطانية». كما لعب مفتي القدس الحاج أمين الحسيني، دورا مهما في ربط القضية الفلسطينية بالمحور الألماني خلال الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذا التقارب لم يكن نابعا من تبنٍ كامل للأيديولوجيا النازية، بل من اعتقاد سياسي بأن ألمانيا قد تساعد العرب في التخلص من الاستعمار البريطاني ومنع المشروع الصهيوني في فلسطين. ويشير ديفيد معتدل في كتابه «في سبيل الله والفوهرر.. النازيون والإسلام في الحرب العالمية الثانية» إلى أن النازيين تعاملوا مع الإسلام والعالم الإسلامي من منظور براغماتي، فحاولوا استثمار العداء للاستعمار البريطاني والفرنسي في تعبئة المسلمين ضد الحلفاء. ولذلك ركزت الدعاية الألمانية على فكرة «تحرير الشعوب الإسلامية»، أكثر من تركيزها على العقيدة العنصرية النازية.
في المقابل، ظهرت أصوات عربية نقدية رفضت النازية والفاشية بصورة صريحة. ويُعد نجاتي صدقي من أبرز هؤلاء، إذ أصدر سنة 1940 كتابه «التقاليد الإسلامية والمبادئ النازية هل تتفقان؟»، الذي سعى فيه إلى تفكيك الادعاء بوجود انسجام بين الإسلام والنازية، مؤكدا أن المبادئ العنصرية والشمولية النازية تتناقض مع القيم الإسلامية. وقد مثّل هذا الكتاب محاولة مبكرة لمواجهة الانبهار العربي بالنازية من داخل المجال الثقافي العربي نفسه. ويشير لوكاز هيرزويز في كتابه «ألمانيا الهتلرية والمشرق العربي» إلى أن السياسة الألمانية تجاه المنطقة لم تكن قائمة على مشروع تحرري حقيقي للعرب، بل على توظيف التناقضات الاستعمارية لخدمة المصالح الألمانية في الحرب العالمية الثانية. فقد ركزت برلين على اختراق المجال الإعلامي العربي عبر الإذاعات والمنشورات والدعاية السياسية، خصوصا إذاعة «برلين العربية» التي خاطبت العرب بلغة قومية ودينية معادية للاستعمار ولليهود. كما احتلت القضية الفلسطينية موقعا مركزيا في هذا الخطاب الدعائي. لقد حاولت ألمانيا تقديم نفسها بوصفها الداعم الوحيد للعرب في مواجهة المشروع الصهيوني، خصوصا بعد تصاعد الهجرة اليهودية إلى فلسطين في الثلاثينيات. إلا أن هذا التحالف ظل محكوما بحدود واضحة؛ فالنازية لم تنظر إلى العرب باعتبارهم شركاء متساوين، بل بوصفهم أدوات محتملة في الحرب ضد بريطانيا وفرنسا. كما أن القيادة النازية لم تضع تحرير العالم العربي ضمن أولوياتها الاستراتيجية الفعلية، وقد كشف كتاب «العرب في المحرقة النازية: ضحايا منسيون؟» لغرهرد هب عن وجود عرب وقعوا ضحايا للسياسات النازية نفسها، سواء عبر الاعتقال أو العمل القسري أو التمييز العنصري.
وبذلك فإن دراسة التيارات الفاشية والنازية في العالم العربي تكشف عن أزمة الحداثة السياسية العربية في مرحلة ما بين الحربين، أكثر مما تكشف عن «نازية عربية» متكاملة. فقد كانت هذه التيارات، في معظمها، نتاجا لأزمة الاستعمار، وضعف الدولة الوطنية، وصعود النزعات القومية الراديكالية، لا مجرد انعكاس مباشر للفاشية الأوروبية. إن إعادة دراسة هذه المرحلة بعيدا عن الأحكام التبسيطية والسرديات الأيديولوجية، تمثل ضرورة لفهم تطور الفكر السياسي العربي الحديث، كما تساعد على تفكيك الأساطير المتبادلة التي تشكلت لاحقا حول العلاقة بين العرب والنازية. فالتاريخ هنا لا يكشف فقط عن لحظة انجذاب إلى «القوة»، بل عن أزمة عميقة عاشتها المجتمعات العربية في مواجهة الاستعمار والحداثة والدولة الحديثة.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/11 الساعة 00:00