هل يحمي الكارتيل النفطي مصالح المنتجين؟

سعيد الشهابي
نيسان ـ نشر في 2026/05/11 الساعة 00:00
غالبا ما تتحول القرارات الاستراتيجية التي تتخذها الدول إلى محطات كبرى في تاريخ الأمم، وتشكل جانبا من تاريخها. كما تضفي على الدولة التي تقوم بها قدرا من الهيبة والقيمة الوطنية المتميزة. وحتى لو لم تُستكمل تلك القرارات، فإن آثارها النفسية على الفرقاء لا يمكن التقليل منها.
فقبل سبعين عاما مثلا أعلن الرئيس المصري الأسبق، جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس كشركة مساهمة مصرية، خلال خطابه في الإسكندرية، ردًا على سحب تمويل السد العالي. كان ذلك القرار التاريخي لحظة فارقة أدت إلى العدوان الثلاثي على مصر، لكنه عزز سيادة مصر الوطنية واستقلالها الاقتصادي، وخرج ناصر منه بانتصار سياسي ارتبط باسمه. وتسبب العدوان الثلاثي (1956) في إغلاق قناة السويس أمام الملاحة الدولية نتيجة غرق السفن وتدمير المنشآت. وقد تم إعادة فتح القناة للملاحة في مارس/أبريل 1957 بعد انسحاب القوات المعتدية، في حين تم إعادة فتحها نهائياً بعد حرب 1967 بثمانية اعوام، وتحديدا في 5 يونيو 1975. ولا شك أن لقناة السويس أهمية قصوى في تسهيل الملاحة الدولية، ويمثل إغلاقها أزمة دولية كبرى أيضا. وتكفي الإشارة إلى أن قرار تأميمها من قبل عبد الناصر أدى إلى الحرب المذكورة التي كادت تتحول إلى حرب عالمية. فبرغم صعود الإنسان إلى الفضاء وسيطرته على الأجواء بالأقمار الصناعية والطائرات وربما الصواريخ أحيانا، تبقى الممرات المائية ضرورة لا غنى عنها للنقل، خصوصا النفط الذي لا يمكن نقله بطرق أخرى.
إن من الصعب المقارنة بين غلق مضيق هرمز وغلق قناة السويس، بلحاظ تغير الظروف الإقليمية والدولية. ومما لا شك فيه أن غلق ملف هرمز تحوّل إلى أزمة دولية تنطوي على أخطار غير قليلة إذا لم يتم التوصل إلى صيغة مقبولة لدى الأطراف المعنيّة لإعادة فتحه بشكل عاجل. فاستمرار غلق المضيق يعني خسارة العالم الغربي خمس احتياجاته من النفط، وهي نسبة كبيرة تنعكس على الرأي العام الغربي الذي بدأ يتململ من تصاعد أسعاره في الأسابيع الاخيرة. ويعلم الكثير من الغربيين أن الأزمة إنما هي من صنع أمريكا التي تسعى لبسط نفوذها في العالم بأي ثمن، ومن المؤكد أن تكون لتلك السياسة تبعات على الآخرين. فإذا كان الغربيون مترددين في رفع أصواتهم ضد السياسات التي يفرضها الرئيس الأمريكي على العالم وينجم عنها متاعب للبشر، فعليهم تحمّل تبعات ذلك التردد. وما لم ينهض الغرب بقدر من المبدئية والإرادة فسوف تستمر تداعيات السياسات الأمريكية في الضغط على حياة البشر. فأمريكا تملك أحدث الأسلحة وأشدها فتكا، ولكنها لا تستطيع تحديد مآل العالم ومصير الشعوب الراغبة في الحياة. فالمضائق المائية تحظى بأهمية قصوى لتسهيل الملاحة الدولية المرتبطة بالبضائع التجارية وكذلك بنقل النفط إلى الغرب. ويُفترض أن تدفع حاجة الغربيين لهذا النفط نحو سياسات أقل تزمّتا واستعلاء، وأن تشاطر شعوب المنطقة حاجتها للعيش بأمن وحرّيّة وقدر من الرخاء. كما يكفي الحكومات الغربية أن تستعيد شطرا من ذاكرتها لكي تستوعب معنى التعدّي على الإنسانية عندما مارست العبودية، وبشكل لا يقل أهمية عندما تتعامل مع الدول المصدّرة للنفط. فالمعاملة يجب أن تكون متماثلة ومتساوية ومنطلقة على أسس الاعتراف المتبادل بإنسانية الإنسان وحق العيش في سلام. كما تقتضي العدالة أن تكون أسعار النفط منسجمة مع مستويات المعيشة في العالم، وأن لا تظل جامدة لعشرات السنين. فالسعر الحالي للنفط، ما بين 75 و 100 دولار للبرميل، أقل قيمة (من الناحية الواقعية) من قيمته قبل خمسين عاما عندما كان ما بين 60 و 80 دولارا.
لقد قام هذا العالم، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية، على أساس العيش المتساوي وإحلال التفاهم محل النزاعات المسلّحة، خصوصا بعد أن عرفت الإنسانية الطعم المرّ للحرب والخسائر البشرية والمادّيّة غير المسبوقة. كما يُفترض أن يكون ذلك التعايش قائما على أسس ضمان حق الحياة للجميع، وقداسة النفس الإنسانية، وحقها في التمتع بما وفّره الله من نِعم على ظهر هذا الكوكب. ولذلك تُعتبر الحقبة الاستعمارية نقطة سوداء في التاريخ المعاصر، مهما اتخذت من أشكال. ومن المؤكد أن سياسات الاستغلال والنهب والإكراه لا تحقق ما يتطلع له الإنسان من حرّيّة في العيش والتصرّف بما يملك. صحيح أن الاقتصاد الحديث قائم على أسس عديدة من بينها الأسواق المفتوحة التي يُفترض أن تقرّر أسعار ما يُعرض فيها من سلع، وعدم تدخل الدولة في توجيهها، أو استخدام المبرّرات السياسية للتأثير على مساراتها. ولكن في السوق النفطية، يُفترض كذلك أن تكون معادلات العرض والطلب هي التي تحكم السلع الأساسية ومن بينها النفط الذي أصبح العالم لا يستطيع العيش بدونه. والواضح أن هناك ضغوطا متواصلة من الدول الغربية التي تستورد النفط للسيطرة على سوقه. وقد كان من أهم منجزات ما بعد الحرب الباردة تأسيس الكارتيل النفطي (أوبيك) في العام 1960 للمساهمة في تنظيم سوق هذه السلعة الاستراتيجية. وما أكثر محاولات الدول الغربية لحرف مسار المنظمة أو التأثير على قراراتها، خصوصا بعد ما حدث في منتصف السبعينيات، عندما لعبت دورا محوريا في توجيه السوق وأسعارها بعد حرب 1973 بين العرب و «إسرائيل». ولم تكن أوبيك يوما محبوبة لدى الدول الغربية التي لم تُخف أطماعها في النفط والتاثير على مساراته.
قد لا يكون انسحاب الإمارات من أوبك وأوابك نهاية المطاف لهاتين المنظمتين الهادفتين لتنسيق جهود الدول الأعضاء، ولكنه مؤشر سلبي لمدى الرغبة في العمل المشترك
وتجدر الإشارة إلى أن سياسة أبوظبي النفطية تشهد تحولاً جذرياً نحو زيادة الإنتاج والاستقلالية، وتهدف لرفع القدرة الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول 2030. وتقود شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) هذا التوجه عبر جذب الاستثمارات وتطوير الحقول وخصخصة أجزاء من عملياتها. وفي الأسبوع الماضي أعلنت أبوظبي انسحابها من منظمة «أوابك» التي تضم الدول العربية المصدّرة للنفط، والتي تأسست في 1968 بهدف تعزيز التعاون بين الدول العربية المصدرة للبترول. وشدّدت الأمانة العامة للمنظمة «حرصها على مواصلة جهودها في تعزيز التعاون والتكامل بين دولها الأعضاء، بما يدعم المصالح المشتركة من خلال تنفيذ برامجها ومبادراتها الاستراتيجية». ويؤدي انسحاب الإمارات إلى تراجع عدد أعضائها إلى 9 دول. وكانت الإمارات قد أعلنت في 28 أبريل/نيسان الماضي انسحابها من منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، وتحالف أوبك بلس، مطلع مايو/أيار الحالي، في خطوة تقول إنها سوف تمنحها مرونة أكبر في إدارة إنتاجها.
قد لا يكون انسحاب الإمارات من أوبك وأوابك نهاية المطاف لهاتين المنظمتين الهادفتين لتنسيق جهود الدول الأعضاء، ولكنه، بدون شك، مؤشر سلبي لمدى الرغبة في العمل المشترك في المجالين الاقتصادي والسياسي. وفي هذه الفترة العصيبة التي تتجه الأمور فيها نحو المزيد من الاضطراب، فإن أيّ انسحاب من المنظمات الإقليمية يساهم في إضعاف العمل المشترك. ومع الاعتراف بصعوبة معرفة دوافع الانسحاب، فإن شيئا من التخمين قد يساهم في توضيح ما يجري وراء الستار أحيانا، أو في نفوس حكام الدول التي تتطلع لأدوار أوسع في مجالات عملها المختلفة. وفي العادة يتجه زعماء الدول للتقارب والائتلاف مع الدول الأخرى بهدف حماية المصالح وتقوية المواقف التفاوضية، وتحسين أداء عمل المجموع. وليس سرّا القول إن الانسحاب من العمل المشترك يضعف الطرفين، العضو المنسحب، والجسد الباقي. وفي أوضاع الخليج الحالية تقتضي الحكمة تضافر الجهود لحماية المنطقة أمنيا واقتصاديا خصوصا مع وجود نزعة إسرائيلية لبسط النفوذ والهيمنة الإقليمية. يضاف إلى ذلك، فإن النزعة للعمل الأحادي (يونيلاتيراليزم) يفتّ في عضد المجموع. فأمريكا تهدد، على لسان رئيسها، بالانسحاب من حلف الناتو، كما فعل مع المنظمات الدولية الأخرى. هذه الانسحابات تنسجم مع سياسة «أمريكا أولاً» التي تبنتها إدارة الرئيس دونالد ترامب، وتحديداً مع مطلع عام 2026. لذلك وقّعت الولايات المتحدة مذكرة للانسحاب من 66 منظمة وهيئة دولية (31 منظمة أممية و35 غير أممية). أبرزها اتفاقية باريس للمناخ، اتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، بالإضافة إلى لجان اقتصادية إقليمية والاتفاق النووي الإيراني. وفي يونيو 2018 أعلنت الولايات المتحدة انسحابها رسميًا من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة مبرّرة ذلك بـ»الانحياز ضد إسرائيل».
والسؤال هنا: ما قيمة الشعوب حين تكون بدون قرار أو قيمة؟ وما مصير إنسانيتها في عالم يؤسس مواقفه على المال والثروة والقوّة المادّيّة متجاهلا القيم الإنسانية والأخلاقية؟
    نيسان ـ نشر في 2026/05/11 الساعة 00:00