اختبار بكين: هل تنقذ الصين ترامب من مأزق إيران؟

إبراهيم نوار
نيسان ـ نشر في 2026/05/13 الساعة 00:00
يغادر دونالد ترامب للقاء شي جين بينغ في بكين، تاركا وراءه مجتمعا يعاني انقساما حادا بشأن الموقف من حرب إيران. ورغم أن الحرب ليست الشاغل الأكبر للصين في علاقتها مع الولايات المتحدة، إلا أنها بلا شك أحد أكثر الموضوعات سخونة بعد الوضع في تايوان، والعقوبات الأمريكية على الشركات الصينية في مجال تكنولوجيا الرقائق الإلكترونية فائقة السرعة.
ورغم أهمية تايوان وحرية الوصول إلى التكنولوجيا الأحدث في العالم، إلا أن الصين تعلمت كيف تتعامل مع مثل تلك القضايا، ولديها يقين لا يهتز بأن تايوان ستسقط تفاحة ناضجة بين قدميها، كما حدث من قبل مع هونغ كونغ، التي استمرت تحت السيطرة البريطانية لمدة 156 عاما ثم عادت إلى الوطن الأم، من دون طلقة رصاص، وأيضا مع جزيرة ماكاو التي خضعت للحكم البرتغالي لمدة تزيد على 400 عام، وعادت باتفاقية مع حكومة البرتغال تشبه تلك التي وقعتها الصين مع بريطانيا.
وكانت الزيارة التي قامت بها زعيمة المعارضة التايوانية تشينغ لي – وين الشهر الماضي للصين، رسالة قوية إلى كل من تايبيه وواشنطن، بأن عودة الجزيرة إلى حضن البر الرئيسي هي مسألة وقت لا أكثر، وأن الصين وإن كانت لا تريد أن تخوض حربا لاستعادة تايوان، إلا أنها تملك الكثير من القدرات لتحقيق ذلك.
إن مساحة المناورة المتاحة فعليا أمام الرئيس الأمريكي في ما يتعلق بتايوان محدودة جدا، وهي محدودة أيضا في ما يتعلق بالعقوبات والقيود التجارية والتكنولوجية، حيث بدأت الصين في اتخاذ إجراءات عقابية مضادة سوف تترك بصمة مختلفة على مسار العلاقات الاقتصادية بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، مقارنة بالمسار الذي اتخذته منذ بدأ ترامب حربه التجارية على الصين والعالم في فترة رئاسته الأولى. الصين هذه المرة سوف تثبت أن لها أسنانا حادة يمكن أن تعض وتؤلم، بما في ذلك سيطرتها على أكبر مخزون للمواد النادرة في العالم، وقدرة شركاتها على ابتكار تكنولوجيا أكثر تقدما، وتطبيقات صناعية أكثر نفعا، في مجالات الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والمفاعلات النووية ذات الحجم الصغير جدا، وأجهزة الكمبيوتر الفائقة السرعة، والاتصالات الدقيقة في الأرض والفضاء.
المعضلة الأكبر التي تواجه ترامب في قمة بكين هي، كيفية إقناع القيادة الصينية بالتدخل في حرب إيران بما يؤدي إلى احتواء ما تعتبره الولايات المتحدة تهديدا لمصالحها في الشرق الأوسط. واشنطن في حاجة أكيدة للمساعدة الصينية، بعد أن فشلت في حسم الحرب، التي كانت قد أخطأت في تقدير تداعياتها، ما جعلها قضية تقود إلى زيادة حدة الاستقطاب بين تيارين رئيسيين يمثلان أساس القاعدة السياسية لحكم ترامب، تيار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى – MAGA»، وهو تيار يشكك في جدوى حرب إيران، ويدعو إلى إعادة تحديد أهدافها والتركيز على ما يهم تحقيق المصالح الأمريكية المباشرة. يضم هذا التيار عددا من أقطاب الإدارة الأمريكية، وعلى رأسهم نائب الرئيس جي دي فانس. الثاني هو التيار الإنجيلي- الصهيوني الذي يمثل المصالح الإسرائيلية في السياسة الأمريكية، ويعتبر سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي واحدا من أقطابه، إلى جانب قيادات المنظمات الصهيونية الأمريكية، ويدعو هذا التيار إلى إعادة تأكيد الأهداف المعلنة للحرب، وهي تغيير نظام الحكم واجتثاث البرنامج النووي والقوة الصاروخية وإنهاء نفوذ إيران الإقليمي.
المعضلة التي تواجه ترامب في قمة بكين هي، كيفية إقناع القيادة الصينية بالتدخل في حرب إيران بما يؤدي إلى احتواء ما تعتبره الولايات المتحدة تهديدا لمصالحها في الشرق الأوسط
ويشير التقدير الأخير لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية إلى أن إيران تقف حاليا عند المسافة الزمنية اللازمة لإنتاج سلاح نووي، التي كانت عليها قبل حرب يونيو من العام الماضي. ما يعني أن العمليات العسكرية التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو من العام الماضي، ومنذ نهاية فبراير من العام الحالي حتى الآن لم تحقق أي تغيير استراتيجي نوعي على طريق اجتثاث البرنامج. ويطالب أقطاب (ماغا) مثل تاكر كارلسون وستيف بانون بعدم التورط في حروب خارجية بلا نهاية (بلا مخرج)، والكف عن سياسة إسقاط الأنظمة السياسية في دول أخرى بالقوة، والتوسع في استخدام عناصر القوة غير العسكرية للضغط فقط، وليس لتحقيق انتصار شامل على الخصوم، ما يعني التخلي عن أهداف مثل إسقاط النظام واحتلال جزر إيرانية، وتفضيل الوسائل الدبلوماسية للتوصل إلى اتفاق نووي جديد، على العكس مما يدعو إليه التيار الإنجيلي – الصهيوني، ومنه قيادات في الكونغرس مثل تيد كروز وليندسي غراهام وقيادات في المنظمات الصهيونية مثل مارك دوبويتز (رابطة الدفاع عن الديمقراطيات) ومورتون كلاين (المنظمة الصهيونية الأمريكية). في هذا السياق فإن المأزق الذي يواجهه ترامب عند مناقشة الموضوع الإيراني في بكين، يتمثل في السعي للتوصل إلى اتفاق يمنحه القدرة على إرضاء الطرفين، ويستطيع تسويقه شعبيا على أنه انتصار للولايات المتحدة في حربها مع إيران. ولا شك في أنه أيضا في حاجة إلى نوع من التعزيز السياسي وهو مقبل على انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. في الوقت نفسه فإن الموقف الإيراني المعلن هو إنهاء الحرب أولا، والحصول على ضمانات دولية، تشترك فيها الصين، بعدم العودة إليها مجددا، وهو ما رفضه ترامب.
ويعتقد بعض دارسي السياسة الخارجية الأمريكية أن ترامب، عن طريق تصريحاته المتناقضة على منصات السوشيال ميديا، بين الحرب واللاحرب، يسعى إلى خلق حالة من «الغموض الاستراتيجي» بالنسبة لموقف الولايات المتحدة، ما يربك الخصم ويشتت قوته ويجعله غير قادر على تحديد مصدر الضربة التي سيتلقاها. لكن ما يفعله ترامب من بدء عملية عسكرية ثم إنهائها، لدرجة أنه قد يفعل ذلك في 24 ساعة، مثلما حدث في عملية «مشروع الحرية» لإخراج السفن العالقة في مضيق هرمز، أدى، ليس إلى إرباك الخصم، ولكن إرباك الولايات المتحدة نفسها وإضعاف مصداقية سياستها على مسرح العمليات وفي القنوات الدبلوماسية. ولا يستطيع ترامب أن يقول لشي جين بينغ «إذا لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، فلن تضطروا إلى معرفة ذلك. ستضطرون فقط إلى النظر إلى وهج كبير ينبعث من إيران. ومن الأفضل لهم أن يوقعوا اتفاقهم بسرعة»، كما قال للصحافيين في الأسبوع الماضي! هو أيضا قال ذلك أكثر من مرة، ولم يَصْدُق. مأزق ترامب أنه يواجه قيودا على استخدام القوة يتعمد محاولة إنكارها، مثل نقص الذخائر، كما أنه يدير دبلوماسية عاجزة عن إدراك الحقائق على الأرض، ومنها خسارة الولايات المتحدة تأييد أوروبا ودول حلف الناتو لعمل عسكري جماعي يهدف إلى فتح مضيق هرمز بالقوة. الجديد في الخسائر الدبلوماسية والعسكرية للولايات المتحدة في الحرب مع إيران هو، رفض السعودية استخدام مجالها الجوي في تنفيذ هجمات على إيران. وربما كان ذلك هو السبب الرئيسي وراء قرار وقف عملية «مشروع الحرية» والعودة إلى ما كان الوضع عليه قبلها، ثم ما تلى ذلك من اشتباكات بين البحرية الأمريكية والحرس الثوري الإيراني، أثبتت أن أيا من الطرفين لن يستطيع تحقيق انتصار حاسم على الآخر، مع زيادة أعباء التكلفة على الولايات المتحدة رغم قوتها مقارنة بإيران.
لن ينفع إذن «الغموض الاستراتيجي» المزعوم، لأن ترامب يجب أن يضع أمام الرئيس الصيني، خريطة طريق واضحة لإنهاء الحرب في إيران، إذا كان يريد الحصول على مساعدة الصين في ذلك.
وبينما يخضع الرئيس لتناقض احتياجات إرضاء التيارين الرئيسيين لقاعدته السياسية في الولايات المتحدة، فإنه يخضع أيضا لضغوط الشارع الأمريكي، الذي يعاني من تأثير الحرب على أسعار الوقود والسلع الغذائية. وبالنسبة للوقود على وجه الخصوص فإن الأسعار تتحرك الآن داخل حيز 5 – 6 دولارات للغالون في الساحل الغربي، مثلما هو الحال في كاليفورنيا، وليس من المستبعد أن تتجاوز 5 دولارات في المتوسط في عموم الولايات المتحدة، عندما يبدأ موسم العطلات الصيفية. بالنسبة للصين لا تمثل إيران الشاغل الأكبر على جدول أعمال قمة جين بينغ- ترامب، لكنها تمثل الشغل الشاغل للولايات المتحدة، بل إن بعض خبراء السياسة الأمريكية ينظرون إلى موقفها من حرب إيران من نافذة صراعها مع الصين، وهي نظرة ضيقة عديمة الجدوى، لأنها تعني في المحصلة النهائية تشتيت المجهود الاستراتيجي الرئيسي للولايات المتحدة على محور طويل ومضطرب، يمتد من مضيق هرمز غربا إلى مضيق تايوان شرقا، وهو ما يضمن للولايات المتحدة هزيمة مؤكدة. وليس أمام الرئيس الأمريكي خلال قمة بكين إلا أن يقرر من يرضي في الولايات المتحدة: تيار (ماغا) القومي الأمريكي الذي لا يمانع في إنهاء الحرب، أو التيار الإنجيلي- الصهيوني الذي يقدم المصالح الإسرائيلية على غيرها ويتمسك بمواصلة الحرب على طريقة نتنياهو.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/13 الساعة 00:00