الفلسطينيون أمام طبخة توريث متعجلة

سامح المحاريق
نيسان ـ نشر في 2026/05/14 الساعة 00:00
في لقاء صحفي نشرته أحد المجلات اللندنية في التسعينيات أو بداية الألفية يتحدث محمد داود عودة أحد قيادي حركة فتح والرجل الذي أشرف على تحضير وتنفيذ عملية أولمبياد ميونخ 1972 عن أحد الدوافع التي كانت تقف وراء العملية التي استقطبت اهتمام العالم بأسره، ويقول: أردنا أن نثبت للإسرائيليين أننا شجعان مثلهم.
لم تتغيب هذه العبارة عن ذهني أبدًا لأنني مثل عشرات الملايين من الشباب العرب الذين نشأوا على البرمجة التربوية لفكرة تقدم اليهود بوصفهم جبناء ويحتمون بالآخرين.
عمومًا وخلال أكثر من نصف قرن تمكن الفلسطينيون أن يثبوا لإسرائيل وللعالم بأسره أنهم يتحلون بالجرأة والشجاعة، وأنهم شعب بطولي تكرست في تكوينه الجيني فكرة تقديس التضحية.
كان لياسر عرفات منهج يعتمد على التناقضات العربية، وعلى إبقاء الفلسطينيين في حالة من المرونة اللازمة للارتداد تجاه المساحات التي يمكن أن تظهر داخل هذه التناقضات
في الفترة ذاتها ظهرت على الساحة الفلسطينية مصطلحات متزامنة تتحدث عن المرحلة (مرحلة ما بعد حرب 1973 وترتيباتها، وتقسيم مهمة التحرير إلى مراحل)، وعن التكتيك (بوصفه تحررًا تدريجيًا من الوعود التي كانت طرحت قبل نكسة يونيو 1967). وبدأ ياسر عرفات والقيادات الثورية تتحدث مشروع لدولة فلسطينية تستطيع أن تثبت للعالم أن الفلسطينيين يمكنهم أن يؤسسوا دولة ديمقراطية ومتمدنة تقوم على سيادة القانون في رسالة ضمنية أنهم لا يقلون تحضرًا ولا حداثةً عن دولة إسرائيل التي عملت طويلًا على تسويق فكرة واحة الديمقراطية وسط الديكتاتوريات العربية.
ويفشل الفلسطينيون في ذلك. ربما لم يفشلوا كشعب ومجتمع ولكنهم بالتأكيد فشلوا أو تعرضوا لإفشال مؤسسي وتنظيمي عميق.
بقيت السلطة تحاول أن تظهر بالصورة الديمقراطية في ممارساتها، فواظبت على الفعل الديمقراطي في السنوات الأولى بعد اتفاقية أوسلو على ألا تمتد الديمقراطية لياسر عرفات والمجموعة المقربة منه، وبقيت ورقة المنظمة وعلاقتها الملتبسة مع السلطة، مع المكانة التاريخية لعرفات، تمكن السلطة في رام الله من المحافظة عليه وإبقاء لعبة الديمقراطية على مسافة آمنة بالنسبة له.
بعد الانقسام الفلسطيني توطنت حالة من الفشل في إدارة علاقة صحية وواقعية مع حركة حماس وبقية الأطر التنظيمية ومعهم المجتمع المدني الذي تمكن من قيادة الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية في مرحلة ما قبل الانتفاضة الأولى وأثناءها، وكان الانقسام يقدم للسلطة الذريعة الكاملة لتسويف وتفويت فرص تجديد شرعيتها من خلال انتخابات تشريعية ورئاسية تستطيع أن تنتج فرزًا يحتاجه الفلسطينيون بعد حالة الجمود الطويلة جعلت الرئيس عباس ينفرد عمليًا بجميع أوراق اللعبة.
في المقابل، تحول الرئيس عباس إلى انكفاء كامل ترافق مع تفكيك لمنظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتها
بالتوازي مع ذلك، وأمام الأبواب المغلقة في السلطة تراجعت علاقة رام الله ببقية الدول العربية، وبقيت الأردن وحدها لأسباب تاريخية وأخرى عملية تتعلق بالضفة الغربية وعلاقتها العضوية بالدولة والمجتمع في الأردن، ومع ذلك، كان الملك عبد الله الثاني وقبل أيام من السابع من أكتوبر يذكر السلطة بضرورة تقديم جيل جديد من القادة، وأبدى ما يمكن أن يفهم عتبًا تجاه التباطؤ محذرًا – بصورة ضمنية – أن يؤدي ذلك إلى تجاوز الفلسطينيين مستقبلًا.
السلوك الأردني تغير بعد السابع من أكتوبر تجاه دعم مفتوح للسلطة الوطنية، وتمكين رئيسها وممثليها من التحرك حتى في ظل توجهات عالمية أظهرت أنها اكتفت من السلبية التي تعيشها السلطة وأنها لم تعد قادرة على بناء أي توصل إيجابي معها، بالإضافة إلى مواقف عربية تتراوح بين الإحباط واليأس وحتى النفور من الخطاب الذي تنتهجه السلطة.
بينما كان العالم يتخوف من خطوة إسرائيلية لتقويض السلطة الوطنية يقرر الرئيس والحلقة الضيقة من حوله، أن يطلقوا رصاصة الرحمة على القضية ككل
كان لياسر عرفات منهج آخر يعتمد على التناقضات العربية، وعلى إبقاء الفلسطينيين في حالة من المرونة اللازمة للارتداد تجاه المساحات التي يمكن أن تظهر داخل هذه التناقضات، إلا أن وصوله إلى رام الله جعله يفتقد القدرة على التواصل المفتوح، وأبقاه تحت ضغط التفاصيل اليومية، ومع ذلك، بقيت بعض القنوات مفتوحة بصورة أو بأخرى، وبقي الفلسطينيون حاضرون حتى لو تحولوا من ملف سياسي إلى أمني في بعض العواصم العربية المؤثرة.
في المقابل، تحول الرئيس عباس إلى انكفاء كامل ترافق مع تفكيك لمنظمة التحرير الفلسطينية وأجهزتها، وبدلًا من بناء هامش بين مشروع السلطة الوطنية وبين القضية الفلسطينية يمكن من خلاله خدمة القضية ككل، تجمعت كل الخيوط لدى الرئيس وتحولت إلى ملفات متزاحمة على مكتبه الذي لا ينتج سوى مزيد من التعطل والسيطرة غير ذات المعنى بينما تتقوض حيوية المجتمع الفلسطيني وقدرته على الاستعداد لمرحلة جديدة من الصراع بمختلف معانيه.
الصراع كان يتطلب تقديم الفلسطيني بوصفه ندًا كاملًا للإسرائيلي، وهذه طموحات فلسطينية مشروعة وذكية في الوقت ذاته، ولكن اليوم يبدو كل شيء مهددًا وبصورة جذرية مع الزفة التي يجري تحضيرها للدفع بياسر محمود عباس إلى القيادة الفلسطينية في خلافة والده محمود عباس!
مجرد الدفع بياسر عباس في التوقيت الراهن ضربة لأي محاولة إصلاحية يمكن أن يطرحها الفلسطينيون للخروج من المأزق الذي يضيق حولهم
من بين ملايين الشباب الفلسطيني وفي أكثر الشعوب العربية تحزبًا وانخراطًا في السياسة، وبعد مناشدات طويلة وكثيرة بالتجديد والدفع بتيارات جديدة، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام طبخة توريث متعجلة وغير مبررة ولا ترقى حتى إلى الطبخة التي أعدت لجمال مبارك وتواصلت على مدار عشرين عامًا، بينما لا يمتلك الوريث في نسخته الفلسطينية أية مؤهلات مقبولة سوى غزواته التجارية والعقارية، والمفارقة أن المهمة التي بدأ يقترب منها هي التخلص من أصول متعلقة بالمنظمة وأنشطتها في بعض الدول العربية.
بينما كان العالم يتخوف من خطوة إسرائيلية لتقويض السلطة الوطنية يقرر الرئيس والحلقة الضيقة من حوله، ولم يعد أحد يعرف حدودها أو تفاصيلها، أن يطلقوا رصاصة الرحمة على القضية ككل، وأن يعيدوا الفلسطينيين إلى نقطة الصفر، ويترحموا على أيام صراعات العائلات على بلديات المدن والقرى.
مجرد الدفع بياسر عباس في التوقيت الراهن وضمن الملابسات الحرجة والواضحة ضربة لأي محاولة إصلاحية يمكن أن يطرحها الفلسطينيون للخروج من المأزق الذي يضيق حولهم ويترجم نفسه لوضع قابل للانفجار في الضفة الغربية، وفي الحد الأدنى التقاط الأنفاس وتحديد الاتجاه الذي يريدونه بصورة حقيقية وبعيدًا عن الوكالات السياسية التي استطاعت أن تتقاسم الصوت الفلسطيني لأن الصوت الذي يمسك بقماشة الشرعية البالية لم يعد لديه ما يقوله لأنه لم يعد يسمع أحدًا منذ سنوات طويلة.
الفلسطينيون يريدون رجالًا يمكنهم العبور على حجارة متناثرة من التاريخ لتجاوز المستنقع الذي يواجهون، وذلك لا يتوفر مطلقًا في السيد ياسر الذي تعد أهم شهادة في حياته هي شهادة ميلاده وبقية مسيرته تفريعات وتنويعات على تفصيلة أساسية تتعلق بعلاقته البيولوجية مع السيد الرئيس.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/14 الساعة 00:00