حرية التعبير في حياتنا الاجتماعية

د. نورالدين ثنيو
نيسان ـ نشر في 2026/05/14 الساعة 00:00
عالمنا الحديث والمعاصر هو الذي تَشَكَّلت فيه السياسة كمفهوم إجرائي، أي عملي، اتسع للدول والأمم والناس جميعا، لأن الجامعات والمؤسسات العلمية وفَّرت لأكثر من قرن الإمكان الفكري والثقافي والاجتماعي، من أجل نمارس حياتنا السياسية والأخلاقية، بعيدا عن السلطة والحكم وأجهزة الأمن والقمع.
عندما تصبح السياسة شأنا عاماً، في اللحظة ذاتها يجب على كل فرد أن يتولّى أمره، ويبدأ يحاسب نفسه على أنه جزء من الدولة في مدلولها النبيل، حتى لو لم يكن في أحد أجهزتها، لأن الوعي المعاصر يؤكِّد العلاقة بين الفرد والمجتمع في صلته بالمؤسسات والخدمات والهيئات، أي أنه في كل الأحوال يشكل وعيه وضميره وحياته الثقافية، من خلال هذا التواصل، الذي لا يعفيه إطلاقا من نقد الدولة كسلطة ونظام حكم مهما كانت درجتها في سلّم الديمقراطية والحكامة الراشدة، ويعفي نفسه تلقائيا من المظاهر الفاسدة والآثمة التي تصدر منه.
وإذا كان الأمر يحتاج الى توضيح، فيجب ألا نندد بالمظاهر والسلوكيات والأعمال التي نراها فاسدة، ونحن نأتي مثلها وربّما أكثر. وهذا ليس درساً أو مبدأ في الأخلاق كما تعودنا عليه، عندما نريد أن نُعَظّم أعمال بعض الأفراد، وننصح بها غيرنا من أجل السلوك الحسن، أي مجاله الأخلاق والسياسة في اللحظة الواحدة، وليس الفصل بينهما، على غرار ما فعلنا في مبدأ فصل الدين عن الدولة، وأعطينا الأولوية للدولة التي تحتكر السياسة لتصل الى الظلم «الشرعي»، على النحو الذي تفعل إدارة دونالد ترامب حاليا، والأنظمة الاستعمارية والإمبريالية في السابق، ولعلّ أبغض نظام وأشنعه هو تحويل السياسة الى أجهزة أمنية وعسكرية عدوانية على ما يجري في الكيان الصهيوني الراهن، الذي تبيّن في التحليل النهائي والمطاف الأخير، أن إسرائيل كيان مُكَثَّف من كل الظُّلم السياسي، الذي حلّ بالعالم عندما يخترق مفهوم السياسة لفائدة الاستبداد والاحتلال والطغيان، كما يشهد العالم كله هذه اللحظة بالذات في طيش ورعونة الكيان اليهودي في المنطقة العربية وتأثيره على كل العالم، والقادم ربما أفظع.
عندما تصبح السياسة شأنا عاماً، في اللحظة ذاتها يجب على كل فرد أن يتولّى أمره، ويبدأ يحاسب نفسه على أنه جزء من الدولة في مدلولها النبيل، حتى لو لم يكن في أحد أجهزتها
غير أن موضوع هذا المقال ليس كيف يمكن لمفهوم معين أن يتحَوّل ويُسْتغل إلى أن يصبح أمرا آخر قد يناقضه تماما، على ما هي العِصابة الحاكمة في كل من إسرائيل وأمريكا حاليا، بل موضوع المقال هو حرية التعبير في حياتنا الاجتماعية والسؤال الذي يخترقه، لماذا نحرص على حرية التعبير حيال الدولة، في وقت يلح فيه الضمير والوعي على عدم شرعية المطلب، لأننا أول من لا يحترم حرية التعبير، عندما يتعلق بالشخص والفرد، الذي يدعي أنه يعيش في المدينة والبادية وبالإمكان أن ينتقل الى العيش في الخارج. جميعُنا يشهد ويشاهد ألوانا من السَّرقات وأنواعا من التجاوزات الفردية والاغتصاب والنَّهب، تتم على صعيد الأفراد وفي ما بينهم، وليس فقط حيال أموال الدولة ومؤسساتها العمومية، التي اسْتُبيحت في المطلق، خاصة في البلدان التي لا تزال تعاني نقصا فادحا في تطبيق الديمقراطية عندما تعني مزيدا من الشفافية والصراحة والصدق في المعاملات. ما أريد أن أؤكد عليه، أن حرية التعبير في حياتنا الاجتماعية تُجْبرنا على ألا نُغامر بها إزاء مؤسسات الدولة، لأن الأغلبية الساحقة ليس لها حق المطالبة بها، ما دامت ليست قادرة على احترامها على الصعيد الشخصي. ولا يستطيع أحدنا أن ينفي درجة الرِّياء والمُراءات والنفاق التي يتكَلّفها الإنسان المسلم أمام الله عندما يتظاهر بالصلاة من أجل تصفية محرمات وتزكية سرقات وتطهير آثام وخروقات، فضلا عن مطامع أخرى مبيَّتة، صار يتحلى بها أمام الناس، ولا يهمه مرضاة الله.
اليوم، في مجتمعاتنا العربية نستطيع التأكد لدرجة اليقين أن الغالب فينا لا يملك الحق في المطالبة بحرية التعبير لأننا نقول ما لا نفعل، وهي حقيقة واجه بها الله عباده غير الصالحين، وأضحت في الزمن المعاصر حقيقة متجلية تماما في حياتنا الاجتماعية، عندما نُقابلها ونُجاورها ونُوصلها مع أبعاد أخرى سياسية واقتصادية وأخلاقية.
العلاقات البينية في حياتنا المعاصرة، كلها تتزامن في لحظة واحدة تكثف الفعل وتظهره على حقيقته، لمن يريد أن يدرك ذلك. فالسارق والآثم والمجرم الذي ينتهك قوانين الدولة ولوائحها، لا يمكنه أن يطالب بحرية التعبير، لأنه لا يملك خطاب الصدق والنزاهة والأمانة في المعاشرة والمعاملة. فقد سبق له أن زكّى مخالفاته أمام الله زورا ونفاقا، وافتقد الأمر نفسه أمام المجتمع والدولة، وكثيرا ما كان يحرص على البحث عن الغنى من دون غُرم، وبأسرع الوسائل وأشنَعها، أو ما يعرف بالكسب الخائب الذي يلتمس أجهزة الدولة وأموالها من أجل أغراضه، دونما اعتبار ولو للحظة أنه يتوَجَّه الى الله بصلاته ودعائه ليجنبه السلوكيات التي يتعطاها عن وعي كبير مع أقرب الناس إليه وأبعدهم، ومع الدولة ومؤسساتها العمومية.
المسلم الفاسد الذي استكبر بالله ليواجه الدولة، شرّع لنفسه ولم ينتظر تزكية منه أو رخصة، بل اعتبر الدعاء والصلاة كافية من أجل ممارسة حياته الاجتماعية من خلال النَّهب والغش والنفاق، وإظهار ما يخالف الحقيقة، والتواصل مع الفساد كأمر واقع لا محيد عنه، وذلك هو الكفر الصُّراح على ما جاء في وشم وزير الحرب، وليس الدِّفاع الأمريكي بيت هيغسيث، الذي لم يخجل من قول «إنني لا أشعر بالعار من إيماني بالمسيح»، وعلى ما نحضر للرئيس الأمريكي وهو يريد أن يحل محل الله، مغتنما حالة عدم تدخّله المباشر والآلي، لكي يدَّعي الحظوة الإلهية والعناية الربانية، ليس من أجل الخير والسَّعادة والحكمة والرزانة، بل من أجل الطيش والإثم والعدوان.
المقصد من حرية التعبير في حياتنا الاجتماعية هو الصفقات المشبوهة التي تتم بين المسلم والله، ويعتقد صاحبها أنه حاز رخصة السطو على أموال وحياة الآخرين هي عين البلاء الذي جعلنا في حالة من التخلف والتراجع ودونية القيمة والاعتبار بين الأمم والدول والمجتمعات في سائر العالم. حقيقة الحقائق، أن حياتنا الاجتماعية تعقدت وتطورت وتكثفت، بالقدر الذي لم يعد الاجتماعي في مواجهة السياسي، بل أساس الدولة أنها عقد اجتماعي على ما جاء في النظريات السياسية وفلسفة الحكم وأنظمة الشورى والديمقراطية، القديمة منها والحديثة.. بينما في الأنظمة المعاصرة نحتاج إلى دراية كيف نفكك الأواصر والعلاقات بين الديني والسياسي والأخلاقي والاجتماعي، ليظهر الإنسان على حقيقته ولا يتوارى خلف السياسة أو الدولة التي تُواري وتخفي الفساد والظّلم والعِيب.
نريد أن نَخْلص الى أن التَّمادي في القول بما لا نعمل ولا نفعل هو الذي يُوصلنا الى ما هي عليه إسرائيل وعصابة ترامب في البيت الأبيض.. لأن الاجتماعي يُكَثّف السياسي.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/14 الساعة 00:00