جذور الإبادة: إسرائيل، الغرب، العرب
نيسان ـ نشر في 2026/05/14 الساعة 00:00
«إسرائيل، ما الذي حاد عن الصواب؟» هو عنوان كتاب صدر تواً لعومير بارتوف، الأكاديمي الإسرائيلي، المختص بدراسات الهولوكوست والإبادة، الذي يدرس في جامعة براون الأمريكية. بارتوف خدم في الجيش الإسرائيلي، وشارك في حرب أكتوبر 1973 على جبهة الجولان السوري المحتل. وكان قد كتب مقالاً في نيويورك تايمز بعد شهر من حرب إسرائيل على غزة، إثر هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، نفى فيه أن ما كان يجري هو جينوسايد بحق الشعب الفلسطيني، لكنه غير رأيه لاحقاً، وكتب في المنبر نفسه يثبت تهمة الإبادة، المثبتة اليوم على نطاق واسع بين باحثي الجينوسايد والمنظمات الحقوقية الدولية، بما فيها بعض وكالات الأمم المتحدة.
وكتاب بارتوف الأحدث يبني على إقراره المتأخر للإبادة، ويحاول تبين ما الذي انحرف في فكرة إسرائيل التي قامت إثر إبادة تعرض لها اليهود الأوروبيون على يد النازيين حتى صارت قوة إبادية، وهذا بعد تعهد إعلان قيام الدولة الصهوينة بـ»المساواة الاجتماعية السياسية الكاملة بين مواطني إسرائيل بصرف النظر عن العرق والجنس والمعتقد». والتساؤل البديهي الذي يثار بخصوص كتاب بارتوف، وقد سأله بالفعل جدعون ليفي في تعليق له على الكتاب في صحيفة هآرتس الإسرائيلية، يتصل بما إذا كان الأمر يتعلق بحيود عن الصواب، أم أن إسرائيل بنيت دوماً على أساس إبادي. ليفي أقرب إلى مضمون هذه العبارة الأخيرة، ويشاركه الموقف المؤرخ اليهودي المعادي للصهيونية آفي شلايم في تعليق له كذلك على كتاب بارتوف.
هذه المناقشة الوجيزة ليست مبنية على قراءة كتاب بارتوف (لم أحصل عليه بعد)، لكنها في الذكرى الثامنة والسبعين لإقامة إسرائيل في فلسطين تنطلق من عنوان الكتاب بغرض التركيز على تفاعل بدئي ومستمر لثلاثة عناصر، هي ما أسست التحول الإبادي لإسرائيل أو يسّرته، وجعلتها قوة حرب دائمة في المجال العربي والشرق أوسطي. العنصر الأول ينتمي إلى مجال تقاطع السيكولوجيا الجمعية والثقافة السياسية الصهيونية. السيكولوجيا من حيث أنها متشكلة حول اضطهاد وتمييز قديمين، بلغا الثورة في الإبادة النازية التي استهدفت القضاء النهائي على جميع يهود أوروبا، وأبادت بالفعل نحو ستة ملايين منهم، وأورثتهم شعوراً عميقاً بعدم الأمان؛ وما يتصل بالثقافة السياسية هو ما قام على هذا الفعل القرباني المهول من ديانة جديدة، تقارب عبادة إسرائيل في الغرب، أو تجعل منها التزاماً غربياً ثابتاً، يعبر عنه بلغة «الدين المدني» أحياناً، وتستخدم عبارة مبرر وجود الدولة في ألمانيا لوصف هذا الالتزام. والعنصر الثاني هو ما قام على هذا الالتزام الحضاري الفريد من ضمان فارق قوة مريح لإسرائيل يضمن انتصارها على الدول العربية مجتمعة، مثلما كان يتكرر جهاراً وطقسياً على ألسنة المسؤولين الأمريكيين، وما كرره للتو المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية. وبمجموعهما يشكل هذه العنصران ضماناً وجودياً لإسرائيل، وإبادياً لأعدائها المحتملين. ومن المفهوم أن تقع الإبادة على الشعب الفلسطيني اليوم لأن وجوده بالذات هو المشكلة، لأنه نفي لإسرائيل التي قامت تكوينيا على نفيه.
أما العنصر الثالث فهو تركيب مديد من الضعف والفساد والتخاذل والتبعية من الأطراف الفلسطينية والعربية، سهل أن تمر العدوانية الإسرائيلية بلا عواقب، وعجز في آن عن كسب الاحترام من الأقوياء والتعاطف من الضعفاء.
وطوال عقود قاربت الثمانية، وفر العنصر الأول، السيكولوجي الثقافي، شعوراً قوياً بالحقّية واستعداداً قوياً بالمثل للتطهير العرقي والإبادة، شكل حجر الأساس لقيام إسرائيل بالذات، وانحفر بالتالي في جيناتها. صحيح أن الجينوسايد كحدث وقع بعد 7 أكتوبر، لكن البنية الجينوسايدية تكوينية، نشأت مع نشوء الكيان. والعنصر الثاني، الغربي، وفر العتاد العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، والبشري أحياناً، الكافي لإلحاق الهزيمة المبينة بأية أطراف تواجه إسرائيل، وهو ما تكرر حيال مصر (1956، 1967، 1973) وسوريا (1967، 1973، 1982)، ومنظمة التحرير (1978، 1982)، ومقاومات الشعب الفلسطيني المتنوعة في الداخل. وفي هذا ما يكفل الإبادة السياسة للشعب الفلسطيني، التي كانت مفتوحة على الدوام لدرجات من الإبادة الفيزيائية لا تقتصر على قتل المئات والألوف وعشرات الألوف في جولات الصراع المتواصلة، بل وتقويض أسس الوجود البشري السوي في الحد الأدنى.
من أين يأتي السلام؟ لا يأتي. تأتي الحرب لأن الانتصار فيها مضمون، والعواقب معدومة، بما في ذلك الإعفاء من اللوم الفعال. هنا الشرط البنيوي لامتناع السلام مع إسرائيل. وهنا شرط التطرف الإسرائيلي المتصاعد الذي يبدو تحقيقاً لغريزة تطرف، يغذيها الشعور الدفين بعدم الأمن، وتقويها الحماية المضمونة في كل حال والسلاح المتفوق.
فإذا كان هذا قريباً من الصواب، فإن حيود إسرائيل عن الصواب حتمية بنيوية وليس انحرافاً عارضاً. وإن كان يعني كذلك مشاركة غربية تأسيسية في النزعة الإبادية الإسرائيلية، تتجاوز ما هو مكتوب سلفاً في الفكرة الصهيونية والمؤسسة الصهيونية. وهذه الملاحظة سياسية وراهنة، لأنه لا يزال صحيحاً أن القوى الغربية، والولايات المتحدة بخاصة، تستطيع فرض السياسة والحلول السياسية على إسرائيل، ومنع كوامنها الإبادية من التحقق. عتبة المخاطر الوجودية منخفضة إسرائيلياً لأن فرص الرد العدمي، أي الإبادي، عليها ميسورة وبلا عواقب بفعل الدعم الأمريكي والأوروبي.
ما تلام عليه أي قوى فلسطينية وعربية ليس أنها لا تنتصر على إسرائيل أو تهزم في مواجهتها عسكرياً، بل على أنها لا تحاول شق دروب مغايرة لحياة تعاش في بلداننا
ثم إنه إذا كان ما سبق قريباً من الصواب، فإنه يحكم على أدبيات الهزيمة العربية بعدم المطابقة، بالنظر إلى أن هذه الهزيمة محتومة على يد قوى متفوقة تفوقاً حاسماً ومتعدد المستويات، أياً يكن مستوى أداء الأطراف العربية. والواقع أن عقيدة الهزيمة تستمر لأنها خضعت لتحول وظيفي، فلم تعد تحليلاً نزيهاً وعقلانياً لواقع الحال، ولا منطلقاً في مسعى لتغيير هذا الواقع، بل هي دال عائم، يساعد مستخدميه في التموضع في صراعات اليوم، حتى أنه صار ينسى في الغالب في أي صراعات هزمنا وأمام أي أعداء. تبدو الهزيمة تعريفاً لازماً للذات، وليس شيئاً متعدياً وعلائقياً، يوجب تحليلات علائقية، تنظر في لوحة قوى متعددة متفاعلة.
المسلك المعقول من أي أطراف عربية في مثل هذه الحال هو تجنب الحرب التي هي خيار إسرائيل المفضل دوماً لأنها متفوقة في ميادينها، والعمل بالمقابل على نهوض الدول والمجتمعات. ما تلام عليه أي قوى فلسطينية وعربية ليس أنها لا تنتصر على إسرائيل أو تهزم في مواجهتها عسكرياً، بل على أنها لا تحاول شق دروب مغايرة لحياة تعاش في بلداننا. وهذا في بعض الحالات لأن خطاب المواجهة والحرب خضع لتحول وظيفي هو الآخر، فلم يعد يتعلق باستراتيجية مقاومة حقيقية، بل بعوائد محتملة من شرعية مخادعة لا تنال بسبل أخرى، أو في إطار منازعات على الدور والنفوذ في المجال العربي مثلما كانت تفعل إيران وأتباعها.
في ذكرى احتلال فلسطين وتهجير ثلاثة أرباع شعبها، ظاهر أن التفاعل مع سؤال إسرائيلي عما انحرف عن جادة الصواب لا بد أن يحيل إلى سؤال فلسطيني وعربي عما ضل سواء السبيل من طرفنا. فإذا أمكن أن يكتب يوماً كتاب يتساءل عما حاد عن الصواب عربياً بخصوص قضية فلسطين، فلعله يبدأ بنقد أدبيات الهزيمة التي صارت مملة ولا تضيف شيئاً، ويمضي إلى إظهار الرهانات الفئوية وراء تبني خطابات حربية تؤول المرة وراء المرة إلى الكارثة. ولا بد أن متن كتاب كهذا سيحيل إلى أوضاع التعفن والتبعية والطغيان والتطرف في مجالنا، العنصر الثالث المشار إليه فوق في تيسير أمر الإبادة الإسرائيلية.
يعتقد بارتوف أن إسرائيل لا يمكن أن تستمر ككيان عنصري حربي، وأن مصيرها لن يكون مختلفاً عن مصير جنوب أفريقيا. يمكن لشيئين أن يسرِّعا في هذا المآل المأمول. رفع المظلة الأمريكية والغربية الحامية لإسرائيل (رفع المظلة الغربية قرب نهاية الحرب الباردة خلق الضرورة التي دفعت قيادات الأقلية البيضاء للتفاوض على إنهاء نظام الفصل العنصري)، ثم أمثلة أكثر إيجابية من الأطراف العربية، تقنع مواطنيها قبل غيرهم بإمكانية حياة لا تستباح فيها. أحد أهم مصادر قوة إسرائيل وشرعيتها هو أنها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط». ليست كذلك بحال، فهي كيان قومي إثني عنصري وحربي، لكن الصحيح هو أنه ليس هناك أي ديمقراطية في المجال العربي، وأن بلداننا جحيم لغير المحميين، ومن سكانها قبل غيرهم.
وكتاب بارتوف الأحدث يبني على إقراره المتأخر للإبادة، ويحاول تبين ما الذي انحرف في فكرة إسرائيل التي قامت إثر إبادة تعرض لها اليهود الأوروبيون على يد النازيين حتى صارت قوة إبادية، وهذا بعد تعهد إعلان قيام الدولة الصهوينة بـ»المساواة الاجتماعية السياسية الكاملة بين مواطني إسرائيل بصرف النظر عن العرق والجنس والمعتقد». والتساؤل البديهي الذي يثار بخصوص كتاب بارتوف، وقد سأله بالفعل جدعون ليفي في تعليق له على الكتاب في صحيفة هآرتس الإسرائيلية، يتصل بما إذا كان الأمر يتعلق بحيود عن الصواب، أم أن إسرائيل بنيت دوماً على أساس إبادي. ليفي أقرب إلى مضمون هذه العبارة الأخيرة، ويشاركه الموقف المؤرخ اليهودي المعادي للصهيونية آفي شلايم في تعليق له كذلك على كتاب بارتوف.
هذه المناقشة الوجيزة ليست مبنية على قراءة كتاب بارتوف (لم أحصل عليه بعد)، لكنها في الذكرى الثامنة والسبعين لإقامة إسرائيل في فلسطين تنطلق من عنوان الكتاب بغرض التركيز على تفاعل بدئي ومستمر لثلاثة عناصر، هي ما أسست التحول الإبادي لإسرائيل أو يسّرته، وجعلتها قوة حرب دائمة في المجال العربي والشرق أوسطي. العنصر الأول ينتمي إلى مجال تقاطع السيكولوجيا الجمعية والثقافة السياسية الصهيونية. السيكولوجيا من حيث أنها متشكلة حول اضطهاد وتمييز قديمين، بلغا الثورة في الإبادة النازية التي استهدفت القضاء النهائي على جميع يهود أوروبا، وأبادت بالفعل نحو ستة ملايين منهم، وأورثتهم شعوراً عميقاً بعدم الأمان؛ وما يتصل بالثقافة السياسية هو ما قام على هذا الفعل القرباني المهول من ديانة جديدة، تقارب عبادة إسرائيل في الغرب، أو تجعل منها التزاماً غربياً ثابتاً، يعبر عنه بلغة «الدين المدني» أحياناً، وتستخدم عبارة مبرر وجود الدولة في ألمانيا لوصف هذا الالتزام. والعنصر الثاني هو ما قام على هذا الالتزام الحضاري الفريد من ضمان فارق قوة مريح لإسرائيل يضمن انتصارها على الدول العربية مجتمعة، مثلما كان يتكرر جهاراً وطقسياً على ألسنة المسؤولين الأمريكيين، وما كرره للتو المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية. وبمجموعهما يشكل هذه العنصران ضماناً وجودياً لإسرائيل، وإبادياً لأعدائها المحتملين. ومن المفهوم أن تقع الإبادة على الشعب الفلسطيني اليوم لأن وجوده بالذات هو المشكلة، لأنه نفي لإسرائيل التي قامت تكوينيا على نفيه.
أما العنصر الثالث فهو تركيب مديد من الضعف والفساد والتخاذل والتبعية من الأطراف الفلسطينية والعربية، سهل أن تمر العدوانية الإسرائيلية بلا عواقب، وعجز في آن عن كسب الاحترام من الأقوياء والتعاطف من الضعفاء.
وطوال عقود قاربت الثمانية، وفر العنصر الأول، السيكولوجي الثقافي، شعوراً قوياً بالحقّية واستعداداً قوياً بالمثل للتطهير العرقي والإبادة، شكل حجر الأساس لقيام إسرائيل بالذات، وانحفر بالتالي في جيناتها. صحيح أن الجينوسايد كحدث وقع بعد 7 أكتوبر، لكن البنية الجينوسايدية تكوينية، نشأت مع نشوء الكيان. والعنصر الثاني، الغربي، وفر العتاد العسكري والتكنولوجي والاقتصادي، والبشري أحياناً، الكافي لإلحاق الهزيمة المبينة بأية أطراف تواجه إسرائيل، وهو ما تكرر حيال مصر (1956، 1967، 1973) وسوريا (1967، 1973، 1982)، ومنظمة التحرير (1978، 1982)، ومقاومات الشعب الفلسطيني المتنوعة في الداخل. وفي هذا ما يكفل الإبادة السياسة للشعب الفلسطيني، التي كانت مفتوحة على الدوام لدرجات من الإبادة الفيزيائية لا تقتصر على قتل المئات والألوف وعشرات الألوف في جولات الصراع المتواصلة، بل وتقويض أسس الوجود البشري السوي في الحد الأدنى.
من أين يأتي السلام؟ لا يأتي. تأتي الحرب لأن الانتصار فيها مضمون، والعواقب معدومة، بما في ذلك الإعفاء من اللوم الفعال. هنا الشرط البنيوي لامتناع السلام مع إسرائيل. وهنا شرط التطرف الإسرائيلي المتصاعد الذي يبدو تحقيقاً لغريزة تطرف، يغذيها الشعور الدفين بعدم الأمن، وتقويها الحماية المضمونة في كل حال والسلاح المتفوق.
فإذا كان هذا قريباً من الصواب، فإن حيود إسرائيل عن الصواب حتمية بنيوية وليس انحرافاً عارضاً. وإن كان يعني كذلك مشاركة غربية تأسيسية في النزعة الإبادية الإسرائيلية، تتجاوز ما هو مكتوب سلفاً في الفكرة الصهيونية والمؤسسة الصهيونية. وهذه الملاحظة سياسية وراهنة، لأنه لا يزال صحيحاً أن القوى الغربية، والولايات المتحدة بخاصة، تستطيع فرض السياسة والحلول السياسية على إسرائيل، ومنع كوامنها الإبادية من التحقق. عتبة المخاطر الوجودية منخفضة إسرائيلياً لأن فرص الرد العدمي، أي الإبادي، عليها ميسورة وبلا عواقب بفعل الدعم الأمريكي والأوروبي.
ما تلام عليه أي قوى فلسطينية وعربية ليس أنها لا تنتصر على إسرائيل أو تهزم في مواجهتها عسكرياً، بل على أنها لا تحاول شق دروب مغايرة لحياة تعاش في بلداننا
ثم إنه إذا كان ما سبق قريباً من الصواب، فإنه يحكم على أدبيات الهزيمة العربية بعدم المطابقة، بالنظر إلى أن هذه الهزيمة محتومة على يد قوى متفوقة تفوقاً حاسماً ومتعدد المستويات، أياً يكن مستوى أداء الأطراف العربية. والواقع أن عقيدة الهزيمة تستمر لأنها خضعت لتحول وظيفي، فلم تعد تحليلاً نزيهاً وعقلانياً لواقع الحال، ولا منطلقاً في مسعى لتغيير هذا الواقع، بل هي دال عائم، يساعد مستخدميه في التموضع في صراعات اليوم، حتى أنه صار ينسى في الغالب في أي صراعات هزمنا وأمام أي أعداء. تبدو الهزيمة تعريفاً لازماً للذات، وليس شيئاً متعدياً وعلائقياً، يوجب تحليلات علائقية، تنظر في لوحة قوى متعددة متفاعلة.
المسلك المعقول من أي أطراف عربية في مثل هذه الحال هو تجنب الحرب التي هي خيار إسرائيل المفضل دوماً لأنها متفوقة في ميادينها، والعمل بالمقابل على نهوض الدول والمجتمعات. ما تلام عليه أي قوى فلسطينية وعربية ليس أنها لا تنتصر على إسرائيل أو تهزم في مواجهتها عسكرياً، بل على أنها لا تحاول شق دروب مغايرة لحياة تعاش في بلداننا. وهذا في بعض الحالات لأن خطاب المواجهة والحرب خضع لتحول وظيفي هو الآخر، فلم يعد يتعلق باستراتيجية مقاومة حقيقية، بل بعوائد محتملة من شرعية مخادعة لا تنال بسبل أخرى، أو في إطار منازعات على الدور والنفوذ في المجال العربي مثلما كانت تفعل إيران وأتباعها.
في ذكرى احتلال فلسطين وتهجير ثلاثة أرباع شعبها، ظاهر أن التفاعل مع سؤال إسرائيلي عما انحرف عن جادة الصواب لا بد أن يحيل إلى سؤال فلسطيني وعربي عما ضل سواء السبيل من طرفنا. فإذا أمكن أن يكتب يوماً كتاب يتساءل عما حاد عن الصواب عربياً بخصوص قضية فلسطين، فلعله يبدأ بنقد أدبيات الهزيمة التي صارت مملة ولا تضيف شيئاً، ويمضي إلى إظهار الرهانات الفئوية وراء تبني خطابات حربية تؤول المرة وراء المرة إلى الكارثة. ولا بد أن متن كتاب كهذا سيحيل إلى أوضاع التعفن والتبعية والطغيان والتطرف في مجالنا، العنصر الثالث المشار إليه فوق في تيسير أمر الإبادة الإسرائيلية.
يعتقد بارتوف أن إسرائيل لا يمكن أن تستمر ككيان عنصري حربي، وأن مصيرها لن يكون مختلفاً عن مصير جنوب أفريقيا. يمكن لشيئين أن يسرِّعا في هذا المآل المأمول. رفع المظلة الأمريكية والغربية الحامية لإسرائيل (رفع المظلة الغربية قرب نهاية الحرب الباردة خلق الضرورة التي دفعت قيادات الأقلية البيضاء للتفاوض على إنهاء نظام الفصل العنصري)، ثم أمثلة أكثر إيجابية من الأطراف العربية، تقنع مواطنيها قبل غيرهم بإمكانية حياة لا تستباح فيها. أحد أهم مصادر قوة إسرائيل وشرعيتها هو أنها «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط». ليست كذلك بحال، فهي كيان قومي إثني عنصري وحربي، لكن الصحيح هو أنه ليس هناك أي ديمقراطية في المجال العربي، وأن بلداننا جحيم لغير المحميين، ومن سكانها قبل غيرهم.
نيسان ـ نشر في 2026/05/14 الساعة 00:00