النوستالجيا والعصامية في سردية صبري إربيحات وكأنّي لا زلت هناك

نيسان ـ نشر في 2026/05/15 الساعة 00:00
الدكتور مجد الدين خمش*
في هذه النوستالجيا المشوّقة تتبدى العصامية في أبهى صورها، ويتربع المكان في قلب المشاعر الجميلة الغامرة بالحب، والانتماء، والوفاء والتي تعطّر جميعها صفحات هذه السردية. من « عيمة» القرية الأردنية الوادعة في أقصى الجنوب إلى الطفيلة، والكرك، وعمان، وإربد، وغيرها من الأماكن، ومن خلال تجاربه الشخصية، والناس الذين ارتبطوا به وارتبط بهم يوثّق الكاتب لجيل كامل من أبناء وبنات الوطن، الأردن الغالي. كما يوثّق لنمو وتطور عدد كبير من المؤسسات الأكاديمية والسياسية، والأمنية. وكان « حي الطفايلة» في عمان ومواطنوه الطيبون المكافحون في بيئة مدينة عمان، المستمرة في النمو والتمدد مصدر إلهام له بحيث أنه، وهو على مقاعد الدراسة في الجامعة الأردنية في منتصف السبعينيات من القرن الماضي وثّق ارتباطه بهذا الحي، وما يمثله من تاريخ، وذكريات، وعلاقات اجتماعية، وهُوية حين اختاره موضوعا لمشروعه البحثي في قسم علم الاجتماع في الجامعة الأردنية. وبالشغف الذي ميّز مسيرته المهنية أكاديميّا وسياسيّا، وحب الإنجاز الذي لا فتىء يطبع شخصيته تناقش معي حول الموضوع، وضرورة تواصل علم الاجتماع مع المجتمع، وجماعاته وقضاياه الحياتية. والذي ربما كان من أوائل الأبحاث الاجتماعية عن حي من أحياء مدينة عمان الشعبية؛ مدينة الفرص والنمو الشخصي والاجتماعي. مدينة التنوع والتعددية؛ التي تجمع ولا تفرّق «من شتى المنابت والأصول»، كما كان الراحل العظيم الملك الحسين بن طلال، يرحمه الله يردد في كلماته وتوجيهاته، ومقابلاته. وكما يؤكد الملك عبد الله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه وهو يرسّخ بنيان المواطنة المتساوية، ومؤسساتها التنفيذية في توجيهاته، وكلماته وسلوكه اليومي. إضافة إلى الأوراق الملكية السبع التي نشرها جلالته تباعا، والتي أصبحت نبراس عمل، ومصدر وعي وإلهام للشباب وقادة الرأي، وأصحاب القرار. كما يرسّخ سمو ولي العهد، الأمير الحسين بن عبد الله سرديات، وقيم، وسلوكيات الريادة والابتكار في نفوس وعقول الشباب الأردني المقبل على المهارات الإلكترونية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تمهد للدخول في الثورة الصناعية الرابعة.
كيف نصنّف سردية صبري اربيحات؛ هل هي سيرة ذاتية؟ أم رواية عن الناس والأمكنة والتفاعلات مع تحوّلات الزمان؟ أم مجموعة من الملاحظات والتحليلات الاجتماعية- النفسية؟ قدمت بأسلوب قصصي، وبلغة روائية مبسطة لكن مفاجئة، وجذابة مفعمة بالأمل، والحنين، وشغف الانتماء.. أم هي مجموعة من الملاحظات والتحليلات الاجتماعية والتاريخية؟ قدمت بأسلوب روائي جذاب، ودُعمت بحبكة، أو حبكات مبسّطة مفعمة بالعصامية، والحنين، والعلاقات الاجتماعية الإيجابية. هي في الواقع ذلك كلُه؛ فهي سيرة عصامي ناجح، وسيرة حي من الأحياء الشعبية في مدينة عمان، وسيرة جيل من العصاميين الذين ارتبطوا بالكاتب، أو ارتبط بهم في مراحل حياتية متنوعة. وهي أيضا، وأولاَ سيرة مدينة طيبة فتحت أمامهم جميعا قلبها بالمودة والمؤازرة، والاهتمام، ومهدت لهم الفرص المناسبة للعمل والحياة والصعود الاجتماعي- الاقتصادي، بل والسياسي في العديد من الحالات. وهو ما وثّقه أيضا محمد داودية في سرديته الموسومة ب «من الكسارة إلى الوزارة»، مبرزا الأمكنة الأردنية، والأزمنة وشروطها في تفاعلها جميعا مع العصامية النبيلة. وما وثّقه الإعلامي أحمد سلامة في سرديته الجذابة « آل.. عمان».
وحين يتحدث عن ذكريات الجامعة الأردنية، ويتناولها فصلا دراسيّا تلو فصل، مستذكرا أسماء الأساتذة وخصائصهم المميزة لهم، يوثّق الاندماج الكبير في الحياة الجامعية أكاديميّا، ونشاطات مصاحبة للمنهاج، وأعمال تطوعية في خدمة المجتمع مع أستاذنا الكبير الدكتور سري ناصر، الذي أعطى دورّا جديدا للشباب الجامعي من الجنسين في خدمة الوطن من خلال مراكز التنمية الاجتماعية في «شرق صويلح»، وفي «حي نزال» التي أنشأها طلبة الجامعة من الجنسين في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. ما يجعلنا نعيش من جديد جمال وحيوية السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. متفقّا في ذلك مع الإعلامي والكاتب أحمد سلامة، خصوصا في سرديته المشوّقة (آل.. عمان) الذي أعاد فيها تصوير الحياة الطلابية في الجامعة الأردنية، وحولها، والحياة الاجتماعية والسياسية في عمان والأردن بشكل عام. بما في هذين العقدين من حيوية، وآمال، ونمو شخصي ومجتمعي واكب نمو الجامعة وتطورها، وجهود الدولة في التطوير والتنمية في المدن، والبادية، والأرياف. « من لم يعش السبعينيات في عمان فاته الكثير» يردد الأديب والإعلامي أحمد سلامة، خصوصّا في رحاب الجامعة الأردنية الليبرالية الأسرية. وفي رواية « الحافر» الصادرة حديثا يقرأ سلامة التاريخ ليعيد تشكيل الوعي الوطني، ودعم مسيرة التحرر والتقدم الاقتصادي والاجتماعي. معلنّا أن الكلمة الوطنية الصادقة تترك أثرها في النفوس كما الحافر يترك أثره في الأرض الصلبة.
ويضع الروائي والكاتب رمضان الرواشدة تجاربه الحياتية في محاور أعماله السردية العديدة، متناولاّ مراحل من حياته ودراسته في جامعة اليرموك في إربد، وخبراته السياسية والمهنية في الإعلام والإدارة مؤكدّا على الإنجاز، والعصامية، والتمسك بالانتماء. مستثمرا تقنيات سردية حداثية، خصوصَا تقنية « الفلاش باك»، وتقنية « التداعيات الحرّة»، خصوصا في روايته « النهر لن يفصلني عنك» حين تتداعى إلى ذهنه وهو واقف في باب الواد في القدس صور الشهداء الأردنيين الذين ضحوا دفاعا عن عروبة فلسطين مؤكدا أن جسرا خشبيا لن يفصل بين الشعبين. موثقّا الوحدة والاندماج والتوافق بين الأردن وفلسطين، ودعم الأردن للقضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني على ترابه الوطني الفلسطيني.
وفي روايته الأحدث « حكي القرايا»، يستثمر الروايات الشفوية القروية، والخيال الأدبي لتقديم سردية تخيّلية تستند إلى التاريخ الشفهي عبر مسارات تتواصل فيها خطوط الصدع مع السلطات العثمانية، وأذرعها في المنطقة، ومسارات الصدع بين العشائر الأردنية المستقرة حول قلعة الشوبك ومحيطها وبين مجموعات خارجة على القانون، والأعراف العشائرية المتبعة في تلك الفترة التاريخية.
بينما يتتبع الكاتب المسرحي، والروائي مفلح العدوان السرديات التاريخية والأنثروبولوجية في «عمان.. الذاكرة»، مركزّا على القرية الأردنية في تحولاتها في «العتبات»، كجزء من مشروعه الطموح « بوح القرى». حيث يستخدم تقنية « الفلاش باك»- وهي التقنية التي استثمرها اربيحات، وسلامة، والرواشدة أيضا- لربط الشخصيات بالتحولات المتعاقبة العمرانية والاجتماعية دون أن يهمل تطلع القرى للمستقبل. مستحضرّا إرث الأجداد وإنجازاتهم، وسردياتهم وهم يطلُّ على المعنى الجمعي في تشكلاته الإيكولوجية والاجتماعية، مبرزّا آمالهم بما سيأتي من تطور وتقدم، وخير يعمّ الجميع.
صبري اربيحات قريب من الناس، كما كان دوما ولا يزال هنا في الآن وهناك في الأمكنة والأزمنة الماضية، يحب الناس ويحبونه، يكتب عنهم ولهم، مهما تزايد العدد، وبُعدت الأمكنة حتى وصلت حدود الصين. ويكتب عن عشرات الأحياء والقرى والمواقع بحب وانتماء ووفاء مستثمرا في ذلك حصافته السياسية، وروحه الاجتماعية، وملكاته السوسيولوجية الأكاديمية ليبرز التميز النفسي- الاجتماعي لمن يكتب عنهم ومعهم عن أماكنهم، وأزمنتهم، وإنجازاتهم. هل شارك هؤلاء جميعهم، كما الأمكنة في إنتاج هذه السردية الطويلة؟ إذ بالرغم من أن السارد، وهو نفسه المؤلف والكاتب، يعتبر بلغة النقد الأدبي من النوع العليم الذي يتحكم بمفاصل النص، ويمسك بالشخصيات، والأحداث، وينتقي العلاقات، ويوجه التفاعلات، إلا أن هذه الشخصيات، وكذلك الأمكنة تشارك جميعها في السرد إلى جانب الكاتب. ذلك أن تقنية « المقابلات المعمّقة» بلغة علم الاجتماع، وقد استثمرت بكثافة في السرد هي مشاركة جماعية بالفعل تُوصل أصواتّا متعددة لتضيف إلى السرد تجاربها، ومعاناتها، وتصوراتها حول الحياة والأحداث. كما تقدم رؤاها المستقبلة في إطار المكان العماني والأردني، وأبعد من ذلك أيضا. بل أن بعضهم شارك فعليا، وبشكل مباشر بتقديم ملاحظات واقتراحات أخذ بها المؤلف قبل نشر الكتاب. فتقنية « تعددية الأصوات» التي يعتبرها النقاد الأدبيون من معايير التحديث في الرواية والأدب عموما تم استيعابها والاستفادة منها، بدمجها بتقنيات سوسيولوجية، مما زاد من قرب السردية من الناس وإقبالهم عليها.
*عميد كلية الآداب (الأسبق)- الجامعة الأردنية- عمان
    نيسان ـ نشر في 2026/05/15 الساعة 00:00