فخ ثوسيديديس

د. صالح سليم الحموري
نيسان ـ نشر في 2026/05/16 الساعة 00:00
هل تدفع أمريكا العالم إلى حرب لا توقف سقوطها؟ حين استحضر الرئيس الصيني شي جين بينغ مصطلح «فخ ثوسيديديس» في حديثه عن العلاقة مع الولايات المتحدة، لم يكن يستخدم تعبيرًا تاريخيًا عابرًا، بل كان يبعث برسالة سياسية ثقيلة إلى واشنطن: العالم قد يقترب من صدام بين قوتين عظميين، لا لأن الحرب قدر محتوم، بل لأن الخوف وسوء التقدير قد يدفعان الدول الكبرى إليها دون قصد.
يعود المصطلح إلى المؤرخ اليوناني ثوسيديديس، الذي فسّر الحرب بين أثينا وإسبرطة بعبارته الشهيرة:
"إن صعود أثينا، والخوف الذي أثاره ذلك لدى إسبرطة، جعلا الحرب حتمية"
واليوم، تبدو العبارة كأنها تعود بصيغة جديدة:
"إن صعود الصين، والخوف الذي يثيره ذلك لدى أمريكا، قد يجعلان الحرب حتمية"
فالصين لم تعد مجرد «مصنع العالم»، بل أصبحت قوة اقتصادية وتقنية وحضارية كبرى، تنافس الولايات المتحدة في الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا، والتجارة، وسلاسل الإمداد، والنفوذ العالمي، وحتى في صياغة قواعد النظام الدولي القادم.
وفي المقابل، تبدو واشنطن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تقبل صعود القوة الجديدة، وتتعامل معه بعقلانية وشراكة وتنافس منضبط، وإما أن تختار التصادم والمواجهة والحرب. لكن الحقيقة القاسية أن الخيارين لن يوقفا تراجعها التاريخي. فالقوة العظمى المتراجعة قد تؤخر هبوطها، لكنها لا تستطيع إلغاء حركة التاريخ.
وهنا يكمن الفخ.
فالقوى العظمى، حين تشعر أن زمنها يتراجع، كثيرًا ما تجعل الأمور أسوأ على نفسها. بدل أن تتصرف بحكمة، تتصرف بارتباك. وبدل أن تبني تحالفات عادلة، تمارس التنمر السياسي والاقتصادي والعسكري في أنحاء العالم. وبدل أن تعترف بتحول ميزان القوة، تحاول إدارته بالعقوبات، والضغوط، والاستفزازات، وحروب التكنولوجيا، ومحاصرة الخصوم.
وهذا ما تفعله الولايات المتحدة اليوم في علاقتها مع الصين. فهي لا تخشى الهزيمة العسكرية فقط، بل تخشى فقدان القدرة على تحديد قواعد اللعبة العالمية. تخشى أن يظهر نظام دولي لا تكون هي مركزه الوحيد، ولا صاحبة الكلمة النهائية فيه.
في المقابل، تحاول الصين أن تظهر بمظهر القوة الصاعدة الهادئة: أقل صخبًا، وأكثر صبرًا، وأشد تركيزًا على التراكم الاقتصادي والتكنولوجي والاستراتيجي. لكنها لا تتحرك وحدها؛ فهناك «مسرّعات» تدفع صعودها إلى الأمام، من الذكاء الاصطناعي والرقائق والتصنيع المتقدم، إلى مبادرة الحزام والطريق، وتوسيع نفوذها في الجنوب العالمي، وتعميق شراكاتها مع قوى دولية صاعدة.
وهذا التباين بين قوة متراجعة قلقة، وقوة صاعدة واثقة تمتلك مسرّعات تاريخية وتقنية وجيوسياسية، هو ما يجعل المشهد أكثر خطورة. فحين يتسارع الصعود، يتضاعف الخوف. وحين يتضاعف الخوف، يصبح سوء التقدير أقرب إلى الحرب.
وتزداد خطورة هذا السؤال مع اقتراب فتح ملف تايوان قبل نهاية العام. فتايوان لم تعد مجرد جزيرة متنازع عليها، بل نقطة تماس بين سرديتين: سردية الصين عن السيادة والوحدة الوطنية، وسردية الولايات المتحدة عن حماية التوازنات الإقليمية ومنع تغيير الوضع القائم بالقوة.
السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل تريد الصين الحرب؟ ولا: هل تريدها أمريكا؟
بل: هل تستطيع القوة المتراجعة أن تقبل صعود غيرها دون أن تحرق العالم معها؟
فالحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بإطلاق النار. أحيانًا تبدأ حين ترفض الإمبراطوريات الاعتراف بأن زمنها قد تغيّر.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/16 الساعة 00:00