أخــطــاء الولايات المتحدة

اسماعيل الشريف
نيسان ـ نشر في 2026/05/17 الساعة 00:00
أخطأت الولايات المتحدة خطأين كبيرين، وبدأت تدفع ثمنهما باهظاً. فهناك زلزال يضرب النظام العالمي الذي بدأ بالتصدع، فيما شرعت دول الخليج الشقيقة، التي تمتلك أكبر الصناديق السيادية في العالم، في إعادة صياغة استراتيجياتها بعيداً عن النظام العالمي الذي ترسّخ عام 1974 بعد اتفاقية البترودولار.
بدأت هذه القصة عندما أقدمت الولايات المتحدة على تجميد الأصول السيادية الروسية، وأخرجت روسيا من نظام المدفوعات العالمي بين ليلة وضحاها. ذلك الإجراء فتح أعين دول العالم على حقيقة مقلقة مفادها أن ما تعرّضت له روسيا قد يتكرر مع أي دولة أخرى، بما في ذلك دول الخليج الشقيقة التي تمتلك أكبر الصناديق السيادية في العالم. وتبلغ قيمة صناديق الثروة السيادية الخليجية نحو 5.6 تريليون دولار، وهو رقم يجعل مجموعها بمنزلة ثالث أكبر اقتصاد في العالم.
وتتحدث تقارير عن أن أحد الصناديق السيادية العربية خفّض من استثماراته الجديدة في الولايات المتحدة بنحو 70 % في أوائل عام 2024. وعلى مدى ثمانية عشر شهراً، أظهرت صناديق التدفقات النقدية التابعة لشركة بلاك روك اتجاهاً متصاعداً لخروج الاستثمارات العربية من الولايات المتحدة نحو أسواق شرق آسيا.
وفي الأول من أيار، دقّ مجلس العلاقات الخارجية ناقوس الخطر في تقرير حذّر فيه من أن بعض أكبر شركات التكنولوجيا ومديري الاستثمار في الولايات المتحدة قد يواجهون مخاطر حقيقية إذا ما واصلت الأموال السيادية تحويل وجهتها نحو مناطق أخرى، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على الأسواق المالية الأمريكية.
ثم جاءت الحرب على إيران، لتكشف عجز الولايات المتحدة عن حماية حلفائها من الصواريخ الإيرانية، بعدما فضّلت تركيز جهودها على حماية الكيان الصهيوني، في مشهد بدا لكثيرين وكأنه تنصّل عملي من التفاهم الذي تأسس عام 1974 مع السعودية الشقيقة، والقائم على تسعير النفط بالدولار مقابل توفير الحماية الأمنية.
ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، إذ ألحقت الحرب أضراراً مباشرة بالإيرادات النفطية نتيجة تراجع التصدير بفعل الاضطرابات العسكرية، إضافة إلى تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة في العالم.
وقد سرّعت هذه التطورات من التوجّه نحو تسوية عقود النفط باليوان الصيني. فبحلول أواخر عام 2025، أصبح مشروع «إم بريدج» وهو منصة رقمية مدعومة من البنوك المركزية في الصين والإمارات والسعودية وتايلاند وهونغ كونغ قد نفّذ تسويات مالية بقيمة 55.5 مليار دولار، شكّل اليوان الصيني نحو 95 % منها.
وتكشف بيانات بورصتي شنتشن وشنغهاي عن مسار تصاعدي تدريجي في حجم وتنوّع الاستثمارات الخليجية. وتشير دراسات إلى احتمال تشكّل «نظام بترو-يوان مصغّر»، تقوم بموجبه دول الخليج بإعادة تدوير اليوان المتراكم من مبيعات النفط إلى سوق الأسهم الصينية عبر صناديقها السيادية، بما يُبقي هذه الأموال بعيدة عن الولايات المتحدة، داخل اقتصاد متين، وسوق ضخم، وتقدّم تكنولوجي متسارع، وبيئة غنية بالشركات الناشئة.
وقد انعكس هذا التحول على أداء العملة الصينية، إذ حقق اليوان مكاسب أمام الدولار بلغت 4.5 % خلال عام 2025.
ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة لا تزال تتحدى هذا التحول. فما تزال عملات دول الخليج الشقيقة مرتبطة بالدولار، كما أن تراكم احتياطيات ضخمة من اليوان يبقى أمراً معقداً في ظل عدم التحرير الكامل للعملة الصينية.
وتضيف الولايات المتحدة بُعداً آخر إلى المعادلة؛ إذ ما تزال قواعدها العسكرية منتشرة في دول الخليج، مع وجود يتراوح بين 40 و50 ألف جندي. ومن خلال هذا الوجود، توجّه واشنطن رسالة واضحة مفادها: حتى وإن لم تكونوا راضين عن أدائنا في الحرب الأخيرة، فإننا ما زلنا الجهة التي تحمي حقول النفط وتؤمّن المنطقة، بخلاف الصين التي لا تقدم مظلة أمنية مماثلة.
لا شك أن النظام القائم على البترودولار يشهد تراجعاً تدريجياً، وأن نظاماً مالياً موازياً بعيداً عن الدولار آخذٌ في التوسع. ومع ذلك، فإن البترويوان لن يحلّ محل البترودولار في المدى القريب.
غير أن السؤال الأهم يظل حاضراً: هل أصبحت محاولات الولايات المتحدة لبسط قوتها سبباً مباشراً في تآكل هيمنتها؟ فكلما اندفعت نحو فرض نفوذها بالقوة، وكلما قادها الكيان الصهيوني إلى حروب غير مبررة وإبادة جماعية، ازدادت المسافات بينها وبين دول العالم.
لقد بدأ العالم يتصرف بالفعل على أساس أن الإمبراطورية الأمريكية دخلت مرحلة التراجع.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/17 الساعة 00:00