هل حان وقت إتقان الصينية؟
نيسان ـ نشر في 2026/05/17 الساعة 00:00
يبدو أن ملامح النظام العالمي الجديد بدأت تتبلور شيئاً فشيئاً في أجواء الحرب الروسية المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات على أوكرانيا، والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهما من الحروب الهجينة التي جمعت بين المستويين الإقليمي والدولي، واستخدمت فيهما الأسلحة التقليدية والنوعية الجديدة، بالإضافة إلى أحدث أنواع التقنيات والأنظمة الاستخباراتية، والتضليل الإعلامي، والتصريحات المتعارضة المتناقضة.
ومثلما أفرزت الحرب العالمية الثانية 1939-1945 أكبر قوتين عسكريتين عالميتين جديدتين في ذلك الحين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، لتأخذا مكان بريطانيا وفرنسا؛ يُلاحظ اليوم أن الحرب الروسية في أكروانيا قد سدّت الطريق أمام طموح الرئيس بوتين نحو إعادة روسيا إلى صدارة القوى العظمى في المسرح العالمي. كما أن الحرب الأمريكية غير المحسومة على إيران بتنسيق وثيق، وفي مواجهة مواقف أوروبية سلبية معلنة من الحرب بعد جولات من الشد والجذب بين إدارة الرئيس ترامب والزعماء الأوروبيين، هؤلاء الذين تعززت شكوكهم مع الوقت بشأن أحتمالية تخلّي الولايات المتحدة عن دعم أوكرانيا، وعدم التزامها بضمان الأمن الأوروبي، قد أقنعت صناع القرار الاستراتيجي الأمريكي بضرورة الإقرار بحق الصين في تقاسم الريادة العالمية مع الولايات المتحدة في ميادين التجارة والتكنولوجيا والبحث العلمي على الأقل. هذا بالإضافة إلى حاجة الولايات المتحدة إلى المعادن النادرة الموجودة في الصين، وتطلعها نحو السوق الصينية حيث القدرة الشرائية العالية بفعل الدخل المرتفع وعدد السكان، وامكانية حصول الصين في المقابل على النفط الأمريكي بامتيازات مغرية، والاعتراف بنفوذها في جنوب شرق آسيا، وتعليق موضوع تايوان وامكانية مناقشة الخيارات البديلة بشأنه.
وما يسهّل عملية التوافق بين الجانب الأمريكي والصيني هو تخلي إدارة ترامب العلني عن سياسات دعم التوجهات الديمقراطية على المستوى العالمي، وإغلاقها لملف حقوق الإنسان في الصين وغيرها من الدول. كما أن القيادة الصينية البراغماتية من ناحيتها، لم تعد تُشغل أو تُلزم نفسها بالشعارات الأيديولوجية الشيوعية، واتخذت من المصالح الاقتصادية أولوية الأولويات في عملية بناء الشراكات التجارية مع الدول في مختلف أنحاء العالم، خاصة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ومن الملاحظ أن هذه القيادة لديها رؤية استراتيجية شاملة، تعرف جيداً ماذا تريد، وهي واثقة من نفسها على الصعيد الداخلي؛ تتحاشى الانخراط في مغامرات عسكرية من شأنها تبديد ما راكمته من نتائج غير مسبوقة على المستويين الاقتصادي والتكنولوجي.
فالصين هي اليوم بالفعل تنين عملاق بالمعنى الواقعي الفيزيائي، تمتلك الإمكانيات الاقتصادية والتكنولوجية والبشرية والعسكرية الهائلة؛ بينما روسيا تعاني من تخلف تكنولوجي مرعب، ومن تراجع ملحوظ في نسبة الولادات الجديدة، ويُضاف إلى ذلك النظام المخابراتي الكابح المتحالف مع فساد الأوليغارشيين. كما تعاني روسيا من انسداد الآفاق أمام الجيل الروسي الشاب الذي أوهمه بوتين بإمكانية استعادة الأمجاد الامبراطورية، ليشن حربه على أوكرانيا وكأن مشكلة روسيا تتمثل في توسيع دائرة مساحاتها الجغرافية، وهي المساحة التي تعد راهناً الأوسع على الإطلاق في العالم (نحو 17 مليون كم مربع). هذا في حين أن المشكلة الأساسية تتجسد في النظام الشمولي الذي يقطع الطريق أمام الحريات والإبداعات والمبادرات، والفساد الإداري، وتدمير الروح الإبداعية التي تميّز بها العلماء والمفكرون والأدباء والفنانون والرياضيون. كما تتمثل أسباب أزمة روسيا في التخلف التكنولوجي، والاعتماد الرئيس على الاقتصاد الريعي القائم على النفط والغاز.
على الرغم من الأجواء الاحتفالية التي طغت على زيارة الرئيس الأمريكي والوفد الكبير المرافق له الذي ضم وزراء بارزين وأصحاب أغنى وأقوى الشركات إلى بكين، كان من الواضح حرص الجانب الصيني على تذكير ترامب بمخاطر الحرب التجارية التي لن يربح فيها أحد، وذلك وفق ما ذهب إليه الزعيم الصيني شي جين بينغ الذي لم يكتفِ بذلك فحسب؛ بل حذّر من مخاطر «فخ أو مصيدة ثوسيديدس»، وهو المصطلح الذي استخدمه الكاتب الأمريكي غراهام تي أليسون عالم السياسة الأمريكي عام 2017 لتوصيف العلاقة بين الولايات المتحدة والصين بالتزامن مع زيارة ترامب الأولى كرئيس للولايات المتحدة إلى الصين. وهو مصطلح مُستلهم من الحرب البيلوبونيسية في التاريخ الإغريقي، ويشير إلى حتمية الصراع والحرب بين قوتين واحدة مهيمنة وأخرى صاعدة لديها طموح قوي، ما لم يكن هناك تفاهم على إدارة الخلاف والمصالح عبر المفاوضات والاتفاقيات.
وكانت النزعة الندية بادية في خطاب الزعيم الصيني حينما أكد مسؤولية بلاده والولايات المتحدة الأمريكية تجاه المجتمع الدولي والتاريخ، وقد عزز هذه النزعة بلغة الجسد التي عادة تختزل بذكاء الرسائل المطلوبة في مثل هذه المناسبات.
وبناء على ما صدر حول قمة ترامب وجين بينغ في بكين لم يكن هناك أي جديد غير متوقع. فقد تم التوافق على ما كان ينبغي التوافق عليه. وأُرجئت المسائل الخلافية إلى مناسبة أو مناسبات أخرى، في حين خيمّت قضية تايوان البالغة الحساسية بالنسبة إلى الصين على الأجواء رغم محاولات عدم إثارتها بصورة جدية في المباحثات، وظهر ذلك في تلميحات الصحافيين الدوليين وتصريحات المسؤولين التايوانيين بشأنها.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما هي خيارات القوى الدولية الأخرى؟ هل ستقبل أوروبا باستمرارية التهميش، وتستعد لمهمة دعم أوكرانيا بمفردها لتتمكن من صدّ الغزو الروسي؟ أم أنها هي الأخرى ستبحث عن خياراتها سواء مع الهند أم الصين نفسها أو غيرهما من القوى الدولية؟ أو أنها ستعتمد استراتيجية دفاعية خاصة بها تتمحور حول ضرورة تشكيل قوة حماية ذاتية، ومعالجة قضاياها الداخلية لتتمكن من مواجهة التحديات بموقف أكثر تمساكاً وانسجاماً، خاصة بعد التخلّص من عقدة أوربان في المجر؟
كيف ستتكيّف روسيا مع ما حصل، ومشكلتها أنها لا تمتلك أبسط المقومات التي تحتاجها لتحقيق طموحاتها؟ هل ستعيد النظر في استراتيجيتها، وتقتنع قبل الآخرين بأن فكرة إمكانية بناء الامبراطوريات الجغرافية المستنبطة من التاريخ لم تعد واقعية وتتعارض مع توجهات العصر؟ هل ستعود إلى عمقها الأوروبي الآسيوي الطبيعي، وتتعامل مع جوارها بإيجابية وتواضع، تبحث عن المشتركات وتبني الجسور عوضاً عن تفجيرها؟
أما القوى الآسيوية الأخرى مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية، فهل ستعيد النظر في حساباتها، وتعيد تقويم علاقاتها مع شركائها الحاليين؛ وتبحث في الوقت ذاته عن الشركاء المحتملين في مختلف القارات؟
ولكن في جميع الأحوال يبقى التوافق الأمريكي الصيني أفضل من الصراع والتخندق، وأوروبا بحكم علاقاتها التقليدية القوية مع الولايات المتحدة، وشراكاتها الكبرى مع الصين تستطيع أن تحافظ على العلاقات الودية مع الطرفين رغم مزاجية الرئيس ترامب، وقراراته ورغباته الفجائية غير المتوقعة في الكثير من الأحيان مثل تلك الخاصة بقضية التعرفة الجمركية وموضوع غرينلاند.
والصين من ناحيتها لن تفرّط بعلاقتها الأوروبية، لأن السوق الأوروبية بالنسبة لها أوسع وأكثر ضماناً. والتعاون التكنولوجي والبحثي مع أوروبا لديها ليس أقل فائدة من ذاك الذي تطمح فيه مع الولايات المتحدة.
أما منطقتنا التي أنهكتها الصراعات المباشرة والجانبية، كما أرهقتها هواجس المجهول المنتظر، فهي الأخرى لن تكون متضررة من هذا التوافق، لكنها في حاجة إلى ترتيب أمورها الداخلية استعداداً لتحديات جديدة قد تبرز مع التحولات التي يشهدها، وسيشهدها، النظام العالمي. فالنزوع التوسعي الإيراني من ناحية، واندفاع إسرائيل غير المسبوق وتدخلاتها شبه اليومية في شؤون وجغرافيا دول الجوار، وسياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية المعلنة الرامية إلى إعدام حل الدولتين، كل ذلك يزيد في درجة تعقد الأوضاع وصعوبة المعالجات الممكنة.
خيارات منطقتنا صعبة؛ ولكن قد يكون من المفيد لدولها تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي من دون أن يعني ذلك تهميش العلاقات مع القوى الدولية الأخرى؛ ولكن أوروبا تظل بالنسبة إلى منطقتنا القوة الدولية الأقرب، والأكثر قدرة على معرفة ومراعاة حساسيات المنطقة، والتعامل معها بخبرة مطلوبة للمعالجة، لا بغطرسة تزيد الاحتقان وتوفر شروط التفجير. ولكن كل ذلك لن يتم من دون توافق إقليمي ولو ضمن الحدود الدنيا، والتزام كل من إيران وإسرائيل باحترام حقائق التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
مختصر الكلام: الأوضاع التي يعيشها العالم وتعيشها منطقتنا على غاية التعقيد؛ وهي تلقي بظلالها الثقيلة على الوضع السوري الداخلي الذي يواجه تحديات جدية في مختلف الميادين. ما ينقذنا هو الانفتاح المتبادل، وتعزيز ركائز الثقة بين مختلف الأطراف، وذلك يستوجب التوجه نحو المساحات الجامعة، والبناء على المشتركات، وترحيل المختلف عليه إلى الحوار الوطني الشامل. وما يمهّد لذلك: الخطوات الجريئة والحلول الوطنية التي تتناسب مع الوضع. أما الوصفات القديمة فقد انتهت مدة صلاحيتها.
ومثلما أفرزت الحرب العالمية الثانية 1939-1945 أكبر قوتين عسكريتين عالميتين جديدتين في ذلك الحين: الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، لتأخذا مكان بريطانيا وفرنسا؛ يُلاحظ اليوم أن الحرب الروسية في أكروانيا قد سدّت الطريق أمام طموح الرئيس بوتين نحو إعادة روسيا إلى صدارة القوى العظمى في المسرح العالمي. كما أن الحرب الأمريكية غير المحسومة على إيران بتنسيق وثيق، وفي مواجهة مواقف أوروبية سلبية معلنة من الحرب بعد جولات من الشد والجذب بين إدارة الرئيس ترامب والزعماء الأوروبيين، هؤلاء الذين تعززت شكوكهم مع الوقت بشأن أحتمالية تخلّي الولايات المتحدة عن دعم أوكرانيا، وعدم التزامها بضمان الأمن الأوروبي، قد أقنعت صناع القرار الاستراتيجي الأمريكي بضرورة الإقرار بحق الصين في تقاسم الريادة العالمية مع الولايات المتحدة في ميادين التجارة والتكنولوجيا والبحث العلمي على الأقل. هذا بالإضافة إلى حاجة الولايات المتحدة إلى المعادن النادرة الموجودة في الصين، وتطلعها نحو السوق الصينية حيث القدرة الشرائية العالية بفعل الدخل المرتفع وعدد السكان، وامكانية حصول الصين في المقابل على النفط الأمريكي بامتيازات مغرية، والاعتراف بنفوذها في جنوب شرق آسيا، وتعليق موضوع تايوان وامكانية مناقشة الخيارات البديلة بشأنه.
وما يسهّل عملية التوافق بين الجانب الأمريكي والصيني هو تخلي إدارة ترامب العلني عن سياسات دعم التوجهات الديمقراطية على المستوى العالمي، وإغلاقها لملف حقوق الإنسان في الصين وغيرها من الدول. كما أن القيادة الصينية البراغماتية من ناحيتها، لم تعد تُشغل أو تُلزم نفسها بالشعارات الأيديولوجية الشيوعية، واتخذت من المصالح الاقتصادية أولوية الأولويات في عملية بناء الشراكات التجارية مع الدول في مختلف أنحاء العالم، خاصة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ومن الملاحظ أن هذه القيادة لديها رؤية استراتيجية شاملة، تعرف جيداً ماذا تريد، وهي واثقة من نفسها على الصعيد الداخلي؛ تتحاشى الانخراط في مغامرات عسكرية من شأنها تبديد ما راكمته من نتائج غير مسبوقة على المستويين الاقتصادي والتكنولوجي.
فالصين هي اليوم بالفعل تنين عملاق بالمعنى الواقعي الفيزيائي، تمتلك الإمكانيات الاقتصادية والتكنولوجية والبشرية والعسكرية الهائلة؛ بينما روسيا تعاني من تخلف تكنولوجي مرعب، ومن تراجع ملحوظ في نسبة الولادات الجديدة، ويُضاف إلى ذلك النظام المخابراتي الكابح المتحالف مع فساد الأوليغارشيين. كما تعاني روسيا من انسداد الآفاق أمام الجيل الروسي الشاب الذي أوهمه بوتين بإمكانية استعادة الأمجاد الامبراطورية، ليشن حربه على أوكرانيا وكأن مشكلة روسيا تتمثل في توسيع دائرة مساحاتها الجغرافية، وهي المساحة التي تعد راهناً الأوسع على الإطلاق في العالم (نحو 17 مليون كم مربع). هذا في حين أن المشكلة الأساسية تتجسد في النظام الشمولي الذي يقطع الطريق أمام الحريات والإبداعات والمبادرات، والفساد الإداري، وتدمير الروح الإبداعية التي تميّز بها العلماء والمفكرون والأدباء والفنانون والرياضيون. كما تتمثل أسباب أزمة روسيا في التخلف التكنولوجي، والاعتماد الرئيس على الاقتصاد الريعي القائم على النفط والغاز.
على الرغم من الأجواء الاحتفالية التي طغت على زيارة الرئيس الأمريكي والوفد الكبير المرافق له الذي ضم وزراء بارزين وأصحاب أغنى وأقوى الشركات إلى بكين، كان من الواضح حرص الجانب الصيني على تذكير ترامب بمخاطر الحرب التجارية التي لن يربح فيها أحد، وذلك وفق ما ذهب إليه الزعيم الصيني شي جين بينغ الذي لم يكتفِ بذلك فحسب؛ بل حذّر من مخاطر «فخ أو مصيدة ثوسيديدس»، وهو المصطلح الذي استخدمه الكاتب الأمريكي غراهام تي أليسون عالم السياسة الأمريكي عام 2017 لتوصيف العلاقة بين الولايات المتحدة والصين بالتزامن مع زيارة ترامب الأولى كرئيس للولايات المتحدة إلى الصين. وهو مصطلح مُستلهم من الحرب البيلوبونيسية في التاريخ الإغريقي، ويشير إلى حتمية الصراع والحرب بين قوتين واحدة مهيمنة وأخرى صاعدة لديها طموح قوي، ما لم يكن هناك تفاهم على إدارة الخلاف والمصالح عبر المفاوضات والاتفاقيات.
وكانت النزعة الندية بادية في خطاب الزعيم الصيني حينما أكد مسؤولية بلاده والولايات المتحدة الأمريكية تجاه المجتمع الدولي والتاريخ، وقد عزز هذه النزعة بلغة الجسد التي عادة تختزل بذكاء الرسائل المطلوبة في مثل هذه المناسبات.
وبناء على ما صدر حول قمة ترامب وجين بينغ في بكين لم يكن هناك أي جديد غير متوقع. فقد تم التوافق على ما كان ينبغي التوافق عليه. وأُرجئت المسائل الخلافية إلى مناسبة أو مناسبات أخرى، في حين خيمّت قضية تايوان البالغة الحساسية بالنسبة إلى الصين على الأجواء رغم محاولات عدم إثارتها بصورة جدية في المباحثات، وظهر ذلك في تلميحات الصحافيين الدوليين وتصريحات المسؤولين التايوانيين بشأنها.
ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ما هي خيارات القوى الدولية الأخرى؟ هل ستقبل أوروبا باستمرارية التهميش، وتستعد لمهمة دعم أوكرانيا بمفردها لتتمكن من صدّ الغزو الروسي؟ أم أنها هي الأخرى ستبحث عن خياراتها سواء مع الهند أم الصين نفسها أو غيرهما من القوى الدولية؟ أو أنها ستعتمد استراتيجية دفاعية خاصة بها تتمحور حول ضرورة تشكيل قوة حماية ذاتية، ومعالجة قضاياها الداخلية لتتمكن من مواجهة التحديات بموقف أكثر تمساكاً وانسجاماً، خاصة بعد التخلّص من عقدة أوربان في المجر؟
كيف ستتكيّف روسيا مع ما حصل، ومشكلتها أنها لا تمتلك أبسط المقومات التي تحتاجها لتحقيق طموحاتها؟ هل ستعيد النظر في استراتيجيتها، وتقتنع قبل الآخرين بأن فكرة إمكانية بناء الامبراطوريات الجغرافية المستنبطة من التاريخ لم تعد واقعية وتتعارض مع توجهات العصر؟ هل ستعود إلى عمقها الأوروبي الآسيوي الطبيعي، وتتعامل مع جوارها بإيجابية وتواضع، تبحث عن المشتركات وتبني الجسور عوضاً عن تفجيرها؟
أما القوى الآسيوية الأخرى مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية، فهل ستعيد النظر في حساباتها، وتعيد تقويم علاقاتها مع شركائها الحاليين؛ وتبحث في الوقت ذاته عن الشركاء المحتملين في مختلف القارات؟
ولكن في جميع الأحوال يبقى التوافق الأمريكي الصيني أفضل من الصراع والتخندق، وأوروبا بحكم علاقاتها التقليدية القوية مع الولايات المتحدة، وشراكاتها الكبرى مع الصين تستطيع أن تحافظ على العلاقات الودية مع الطرفين رغم مزاجية الرئيس ترامب، وقراراته ورغباته الفجائية غير المتوقعة في الكثير من الأحيان مثل تلك الخاصة بقضية التعرفة الجمركية وموضوع غرينلاند.
والصين من ناحيتها لن تفرّط بعلاقتها الأوروبية، لأن السوق الأوروبية بالنسبة لها أوسع وأكثر ضماناً. والتعاون التكنولوجي والبحثي مع أوروبا لديها ليس أقل فائدة من ذاك الذي تطمح فيه مع الولايات المتحدة.
أما منطقتنا التي أنهكتها الصراعات المباشرة والجانبية، كما أرهقتها هواجس المجهول المنتظر، فهي الأخرى لن تكون متضررة من هذا التوافق، لكنها في حاجة إلى ترتيب أمورها الداخلية استعداداً لتحديات جديدة قد تبرز مع التحولات التي يشهدها، وسيشهدها، النظام العالمي. فالنزوع التوسعي الإيراني من ناحية، واندفاع إسرائيل غير المسبوق وتدخلاتها شبه اليومية في شؤون وجغرافيا دول الجوار، وسياسة الحكومة الإسرائيلية الحالية المعلنة الرامية إلى إعدام حل الدولتين، كل ذلك يزيد في درجة تعقد الأوضاع وصعوبة المعالجات الممكنة.
خيارات منطقتنا صعبة؛ ولكن قد يكون من المفيد لدولها تطوير العلاقات مع الاتحاد الأوروبي من دون أن يعني ذلك تهميش العلاقات مع القوى الدولية الأخرى؛ ولكن أوروبا تظل بالنسبة إلى منطقتنا القوة الدولية الأقرب، والأكثر قدرة على معرفة ومراعاة حساسيات المنطقة، والتعامل معها بخبرة مطلوبة للمعالجة، لا بغطرسة تزيد الاحتقان وتوفر شروط التفجير. ولكن كل ذلك لن يتم من دون توافق إقليمي ولو ضمن الحدود الدنيا، والتزام كل من إيران وإسرائيل باحترام حقائق التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
مختصر الكلام: الأوضاع التي يعيشها العالم وتعيشها منطقتنا على غاية التعقيد؛ وهي تلقي بظلالها الثقيلة على الوضع السوري الداخلي الذي يواجه تحديات جدية في مختلف الميادين. ما ينقذنا هو الانفتاح المتبادل، وتعزيز ركائز الثقة بين مختلف الأطراف، وذلك يستوجب التوجه نحو المساحات الجامعة، والبناء على المشتركات، وترحيل المختلف عليه إلى الحوار الوطني الشامل. وما يمهّد لذلك: الخطوات الجريئة والحلول الوطنية التي تتناسب مع الوضع. أما الوصفات القديمة فقد انتهت مدة صلاحيتها.
نيسان ـ نشر في 2026/05/17 الساعة 00:00