قمح التاريخ وصَهْيَنة الأركيولوجيا

صبحي حديدي
نيسان ـ نشر في 2026/05/18 الساعة 00:00
لم يكن ينقص عالم الآثار الإسرائيلي دورون بن ـ عامي سوى إطلاق صرخة «أوريكا!»، الـ«وجدتُها» الشهيرة المنسوبة إلى أرخميدس؛ وهو، أيّ الأوّل، يعلن أنّ حفنة من حبوب القمح استُخدمت في تحليلها تقنية التأريخ عن طريق الكربون المشعّ، أثبتت أنّ أبرز قلاع وادي عربة إنما شُيّدت بأيدي بني إسرائيل؛ وليس الآشوريين، فما بالك بالأدوميين، كما تقول الدراسات الآثارية الراهنة. ما هو أبعد دلالة من نَسَب التشييد هذا أنّ «إسرائيل»، حسب تسمية بن ـ عامي، وليس ممالك اليهود مثلاً، هي التي سيطرت على طرق التجارة مع جزيرة العرب، وأدارت مراكزها وحصونها.
«هنا يكمن جمال الأركيولوجيا»، يقول بن ـ عامي، «إذْ إنك طوال سنوات مأخوذ بفرضيات معيّنة، رغم أنك لا تملك عليها دليلاً محسوساً، فتحاول أن تلائم كلّ شيء طبقاً لها. إلى أن تكتشف أنك كنت تخطو في الظلام، بفضل حفنة من حبوب القمح». والإشارة هنا إلى حصن عين حتسيفا جنوب البحر الميت (عين حَصَب، في التسمية الفلسطينية الأم)، وتل الخليفة (أحد أبرز المواقع الأدومية الأردنية، في رأس خليج العقبة)؛ والحصن خضع لتنقيبات وأبحاث إسرائيلية منذ تسعينيات القرن المنصرم، من دون التوصل إلى خلاصات تثبت صلته بالممالك اليهودية خلال النصف الأوّل من القرن الثامن قبل الميلاد.
حتى عثر بن ـ عامي وفريقه على ما تختزنه حبوب القمح من كنوز المعلومات، القاطعة في يقينه، التي تجبّ ما توصل إليه علماء آثار سابقون عكفوا طويلاً على دراسة هذه البقعة تحديداً؛ وفي عدادها لفائف البحر الميت الشهيرة، التي شكلت قفزة كبرى حاسمة في التصويب والتوثيق على حدّ سواء. وكان الطراز المعماري للحصن، وكذلك المعطيات التي تردّ تاريخ تشييده إلى الفترة بين 1200 و586 قبل الميلاد، تؤكد قرابته الوثيقة مع تلّ الخليفة؛ بل وتوحي أنّ المعماري ذاته كان وراء المنشأتين، خلال الحقبة الواحدة ذاتها؛ وأنّ هندسة العمارة الآشورية، بعناصرها الراسخة المتكررة، هي التي تطبع الموقع.
لكنّ أمثال بن ـ عامي، ومن ورائهم مؤسسة الآثار الإسرائيلية الحكومية، وسائر المؤسسات الصهيونية المعنية أغلب الظنّ؛ يصعب أن يهتدوا بالبراهين المادية المحسوسة التي توفّرها التنقيبات الأركيولوجية، من حجر أو رقيم أو مستحاثة أو جدار أو قوس؛ مقابل ما توحي به نصوص توراتية، غائمة تارة أو افتراضية طوراً، أو حتى مجازية بلاغية إجمالاً. لهذا، فإنّ تحليل الحبوب في مخبر معهد وايزمن للعلوم قاد بن ـ عامي إلى الاقتناع بأنّ الآشوريين لم يكونوا بناة الحصن، رغم أنّ تقنية الكربون المشعّ غير قادرة على تحديد سنة معيّنة، بل ترجح نافذة زمنية واسعة يمكن أن تمتدّ إلى سنوات، أو عقود، أو حتى قرن بأكمله!
ولا عجب أنه استعان بعدد من أسفار التوراة، «التكوين» إجمالاً، ولكن «أخبار الأيام» خصوصاً لأنه الكتاب الأخير في الـ»تناخ» اليهودي؛ وتغاضى، والأحرى أنه تجاهل عامداً، أبحاث البريطاني آدم كلارك ذائعة الصيت منذ أواخر االقرن الثامن عشر، وعالية المصداقية في الأوساط الدينية والأركيولوجية معاً، والتي تصحح الكثير من التسميات والتوصيفات التوراتية حول هذه المنطقة الجغرافية بصفة خاصة. وقرابة 40 سنة من أشغال كلارك الواسعة على نصوص التوراة، و»الأخبار» الأوّل والثاني ابتداء، انتهت إلى نتائج مذهلة بقدر ما هي عالية الوثوق؛ لا يُغفلها إلا منحاز مسبقاً، وعامد عن سابق قصد.
لا عجب كذلك أنّ بن ـ عامي أحجم عن إطلاق الـ»أوريكا» الشهيرة، لأنه ببساطة استبدلها بهذه الصيغة الميلودرامية: «إذا كان للمكتشفات الأركيولوجية أن تتكلم، فإنها الآن تصرخ هاتفة بأنّ تأسيس الحصن لا صلة تجمعه مع الآشوريين. وهنالك حاجة تقتضي العثور على حكاية مختلفة». وهذه، غنيّ عن القول، حكاية يتوجب أن تخدم التاريخ التوراتي كما اعتادت على إعادة تفسيره/ تشويهه مختلف القراءات الصهيونية، على سبيل إسباغ الشرعية الإسرائيلية في كلّ شبر من أرض فلسطين، وبالتالي تسليح بلدوزرات الاستيطان بشَفْرات، وشيفرات، توراتية قاطعة.
وليس عجيباً، ثالثاً وأساساً، أنّ إيغال يدين ثاني رؤساء أركان جيش الاحتلال، كان أستاذ علوم الآثار في الجامعة العبرية، وتفاخر باكتشاف لفائف البردي التي تعود إلى شمعون بار كوخيا، قائد التمرد اليهودي ضدّ الرومان في سنة 132 للميلاد؛ وأنه، حتى في منصب نائب رئيس الحكومة مناحيم بيغن، سعى إلى تكذيب رواية المؤرخ الكلاسيكي يوسيفوس فلافيوس حول واقعة جبل مسعدة واستيهامات الانتحار الجماعي للمحاربين اليهود داخل الحصن. وكان نيل آشر سيلبرمان، مؤلف كتاب «نبيّ من بين ظهرانينا»، 1994، الذي يروي سيرة يادين، قد اختصر المعادلة على هذا النحو البليغ: التنقيب عن الآثار اليهودية في أرض فلسطين التاريخية يسعى إلى «ترخيص شعري للاستيطان الإسرائيلي المعاصر».
فكيف لحفنة من القمح ألا تمنح ذلك الترخيص نفحة توراتية تتوخى صَهْيَنة الأركيولوجيا، الآن إذْ لم تعد الهستيريا الفردية هي وحدها عماد تزييف التاريخ، بل باتت سعاراً جَمْعياً يعصف بعقول غالبية ساحقة من أتباع صهيونية دينية عنصرية وفاشية؛ لعلها لم تعد تكترث بالتوراة أصلاً، إلا إذا استُوطنت أسفارها على أيدي أمثال إيتمار بن غفير، وسيده بنيامين نتنياهو.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/18 الساعة 00:00