نتائج متواضعة لزيارة ترامب للصين
نيسان ـ نشر في 2026/05/18 الساعة 00:00
ما بين زيارة الرئيس الأمريكي نيكسون للصين قبل أكثر من نصف قرن وزيارة الرئيس الصيني الحالي، حدثت تطورات كثيرة في العلاقات الدولية، خصوصا بعد أن تراجعت حدّة الحرب الباردة، وتوجه الكثيرون للعمل الدولي المشترك. في تلك الحقبة الزمنية كان أمن العالم مهدّدا من قبل القوى الكبرى التي كانت في سباق محتدم لتكديس السلاح والتقدم بخطى سريعة لاقتناء السلاح النووي، في ذروة الصراع الفكري والأيديولوجي بين الشرق والغرب.
فعندما قام ريتشارد نيكسون بزيارة الصين في شهر فبراير عام 1972م. والتقى رئيسها، ماو تسي تونغ ، فُتحت صفحة جديدة في العلاقات الأمريكية الصينية بعد انقطاع دام أكثر من عقدين من الزمن. جاءت تلك الزيارة بعد أن قام هنري كيسنجر، مستشار الرئيس للأمن القومي، بزيارة سرّيّة إلى بكين في العام السابق لاستطلاع إمكان فتح حوار دبلوماسي مع ماو تسي تونغ ورئيس الوزراء تشو إن لاي. وكان نيكسون أول رئيس أمريكي يقوم بالزيارة إلى الصين، بغرض فتح صفحة جديدة مع جمهورية الصين الشعبية. فقد كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة بسبب الحرب الكورية، وقيام الحكومة الأمريكية بدعم عسكري مستمر لجمهورية الصين الوطنية (تايوان)، والدعم الصيني – السوفياتي لجمهورية فيتنام الشمالية التابعة للشيوعية، مما أثار انتقادات مستمرة بين البلدين. يومها كان الصراع الأيديولوجي بين الصين والولايات المتحدة تنافسا فكريّا وتاريخيّا بين «الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية» التي تقودها واشنطن، و»الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»، حيث تسعى كل قوة لإثبات تفوق نموذجها وقيادة النظام العالمي.
هذه المرة جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصين محاولة أخرى على طريق التعاون بين البلدين في أجواء سياسية وأيديولوجية مختلفة. مع ذلك هناك قدر من الامتعاض الأمريكي من الصين، ناجم عن توسع نفوذها الاقتصادي الذي تراه أمريكا تهديدا لنفوذها الاقتصادي في العالم. وإذا كان ترامب قد رفع شعار «لنجعل أمريكا عظيمة» فإن الرئيس شي جين بينغ هو الآخر يتطلع لرفع مستوى الحضور الدولي لبلاده على الصعيد العالمي، فجاء خطابه في حضور ترامب، غير عادي حيث أشاد بالذكرى الـ 250 لأمريكا مؤكدا رغبته في «تحقيق التجديد العظيم للأمة الصينية، وجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى». والسؤال هنا: ما مقياس عظمة البلدان؟ أهو الثروة المادّيّة؟ أهو امتلاك السلاح النووي؟ أم هو توسع النفوذ السياسي والجغرافي؟ من المؤكد أن ثمة اختلافا كبيرا طرأ على العلاقات الدولية خلال نصف القرن الماضي. وبشكل أوضح لم يعد الصراع الأيديولوجي يحظى بأولوية في خطابات زعماء الشرق والغرب، بل أصبح التوسع الاقتصادي وانتشار النفوذ مادّة للتميّز وقياس «العظمة». وهنا يمكن ملاحظة عمق الاهتمام الأمريكي بالعلاقات بين روسيا والصين. فقد التقى فلاديمير بوتين مع شي جين بينغ أكثر من 40 مرة على مرّ السنين، وجرى أحدث لقاء سابق بينهما في بكين في سبتمبر (أيلول الماضي). ووقّع الزعيمان شراكة استراتيجية «بلا حدود» في فبراير /شباط 2022، قبل أقل من ثلاثة أسابيع من شنّ روسيا الحرب على أوكرانيا.
يمكن اعتبار الزيارات بين البلدين مؤشرا لمسار علاقاتهما من حيث قضايا التوافق والاختلاف. فقد حدثت في فترات متقلّبة بين فترات عصيبة وأخرى مشرقة في العلاقات. فكانت هناك حالة الكآبة التي أعقبت مجزرة ميدان تيانانمين في 1989 عندما خرج الطلّاب الصينيون في احتجاجات واسعة ضد النظام مطالبين بإصلاحات سياسية. وكانت هناك حالة الحماس التي رافقت انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وتحوّلها إلى محرّك للاقتصاد العالمي. وفي كل هذه الحالات كان الرؤساء الأمريكيون يأملون أن يؤدي التكامل التجاري إلى تغيير سياسي في بكين يوما مّا. ولكن من وجهة نظر الصين التي تتنامى قوتها وتزداد ثقة بالنفس في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن أمريكا أصبحت في حالة انحدار نهائي. هذه النظرة تنعكس بشكل واضح في ديناميكيات القمم، إذ لم تعد الصين الطرف الأضعف بل أصبحت تملك زمام المبادرة في مقابل أمريكا التي تشعر بالإعياء. فمثلا لم يعد هناك طرحٌ للقضايا الخلافية مع الصين كقضية تايوان أو حادثة ميدان تاينمين أو حتى علاقات الصين مع إيران أو نفوذها الذي يتوسع في العالم. إنها قوّة ما تزال ترتقي درجات في سلّم الصناعة والاختراع، ويتوسع نفوذها في الكثير من مناطق العالم التي لا تراها «قوّة استعمارية غاشمة» كنظرتها للغرب خصوصا أمريكا. وقد تميّزت بالتعاون الوثيق مع ما كان يسمى «دول العالم الثالث» التي رأت فيها بديلا عن الغرب. كما يتجلى النفوذ الصيني في إفريقيا كواحد من أهم التحالفات الاستراتيجية العالمية، حيث يعتمد على شراكة متعددة الأبعاد تجمع بين الدبلوماسية النشطة والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية وتوسيع نطاق التبادل التجاري عبر إعفاء العديد من الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية.
أمريكا لديها استراتيجية شاملة تجاه الصين تُعرف رسميا بسياسة «المنافسة، التعاون والمواجهة». وتعتبر الصين المنافس الاستراتيجي الأكبر في مجالين: أولهما الاقتصاد والتكنولوجيا. وهنا تسعى أمريكا لحماية نفسها بفرض رسوم جمركية على الواردات من الصين، وقيود على نقل التكنولوجيا خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وثانيهما: الردع العسكري والأمني. وفي هذا الجانب تقوم أمريكا بتكثيف التواجد العسكري لضمان حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، مع الالتزام بسياسة «الصين الواحدة» (الاعتراف ببكين دبلوماسياً) ودعم تايوان دفاعياً في الوقت نفسه.
يصعب الحكم على نتائج زيارة ترامب للصين بشكل حاسم، وقد لا تتجاوز نتائجها مجال العلاقات العامة، برغم محاولاته استغلالها كدليل على براعته السياسية لمنافسة جورج واشنطن، أبراهام لينكولن
وقد تعلّمت الصين كثيرا من تجاربها المعاصرة خصوصا ما حدث قبل خمسين عاما. فقد كان هناك ما يسمى «عصابة الأربعة» وهي مجموعة سياسية يسارية نافذة قادت «الثورة الثقافية» في الصين، في حقبة تاريخية دامية (1966-1976) تميزت بالتطرف الأيديولوجي، والاضطرابات السياسية الواسعة، والقمع العنيف للمثقفين والمعارضين لإحكام السيطرة على مقاليد الحكم. وتكوّنت العصابة من أربعة مسؤولين كبار في الحزب الشيوعي الصيني استغلوا قربهم من الزعيم الراحل ماو تسي تونغ لتوسيع نفوذهم وهم: جيانغ تشينغ: زوجة ماو تسي تونغ، وهي القائدة الفعلية للمجموعة، و تشانغ تشون تشياو: أحد كبار منظّري الحزب في شنغهاي وياو وين يوان: خبير الدعاية والإعلام ووانغ هونغ وين: مسؤول عمّالي صاعد آنذاك. وقد تجاوزت الصين حقبة «عصابة الأربعة» عبر تنفيذ انقلاب سياسي سلمي واعتقالهم في أكتوبر 1976، تلاه إطلاق عملية «الإصلاح والانفتاح» التي دشّنت عهد الصعود الصيني في المجال الصناعي والتكنولوجي.
تعيش الصين اليوم في ذروة تفوقها الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي. ويعتبر الاقتصاد الصيني في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الصعود الذي استغرق نصف قرن بعد أن حظيت الصين باستقرار نسبي كبير ما يزال يفرض نفسه ويتحدّى أمريكا عمليا، برغم ما يبدو من رغبة من الطرفين للتعايش السلمي الذي لا تعكر صفوه أجواء المنافسة الاقتصادية أو المماحكات السياسية أو مساعي توسيع النفوذ في العالم. ولا شك أن انتهاج الصين سياسة هادئة تبدو في أغلب مقاطعها منكفئة على الذات ومبتعدة عن سياسات التوسع الاستعماري أو أساليب المغالبة مع القوى الكبرى المنافسة قلّص حساسية دول العالم تجاهها. وبرغم هدوء الدبلوماسية الصينية فقد ساهمت بشكل هادئ قبل ثلاثة أعوام في ترطيب العلاقات بين السعودية وإيران، كما أن لها دورا في منظمة «بريكس» التي تضم أيضا البرازيل وروسيا والهند وجنوب إفريقيا. وتُعدّ الصين القوة الاقتصادية المهيمنة والعمود الفقري لمنظمة بريكس، حيث يمثل اقتصادها نحو ثلثي إجمالي الناتج المحلّي للمجموعة. وتقود بكين التكتل كأداة استراتيجية لتعزيز نفوذ «الجنوب العالمي»، وموازنة القوى الغربية، ودفع عجلة التنمية المستدامة. وهكذا تتضح استراتيجية الصين لضمان دورها الإقليمي والدولي، ليس بالنمط الأمريكي، بل بأساليب أكثر تحضّرا وأقل تدخلا واستفزازا. كما أن للصين دورا في أفريقيا من خلال شراكة استراتيجية شاملة تركز على الاستثمار في البنية التحتية، وتأمين الموارد الطبيعية لدعم اقتصادها، وتوسيع النفوذ الجيوسياسي. وتُعد الصين الشريك التجاري الأكبر للقارّة، وتُدير علاقاتها عبر إطار مؤسسي رئيسي يُعرف بـ «منتدى التعاون الصيني الأفريقي (فوكاك)».
الرئيس دونالد ترامب مارس على ضيفه الصيني ضغوطا لدفعه لزيادة مشتريات الصين من الولايات المتحدة، خصوصا المنتجات الزراعية مثل حبوب الصويا وكذلك النفط وبعض المعادن النادرة. كما ضغط عليه لإقناع إيران بفتح مضيق هرمز الذي أدّى غلقه لارتفاع أسعار السلع الأساسية بالإضافة للمحروقات في أغلب الدول الغربية. ويأمل ترامب أن ينجم عن ذلك، في حال تحققه، انخفاض معدلات التضخم وكذلك أسعار الفائدة لتستطيع المؤسسات التجارية تطوير أدائها. وهكذا يصعب الحكم على نتائج زيارة ترامب للصين بشكل حاسم، وقد لا تتجاوز نتائجها مجال العلاقات العامة، برغم محاولاته استغلالها كدليل على براعته السياسية لمنافسة جورج واشنطن، أبراهام لينكولن، وفرانكلين د. روزفلت. فقد برز هؤلاء بسبب قيادتهم للبلاد في أزمات مفصلية غيّرت مجرى التاريخ. فما هو التاريخ الذي غيّره دونالد ترامب في فترته الرئاسية الأولى؟ وما التغيير الكبير الذي سيحدثه في دورته الحاليّة؟
فعندما قام ريتشارد نيكسون بزيارة الصين في شهر فبراير عام 1972م. والتقى رئيسها، ماو تسي تونغ ، فُتحت صفحة جديدة في العلاقات الأمريكية الصينية بعد انقطاع دام أكثر من عقدين من الزمن. جاءت تلك الزيارة بعد أن قام هنري كيسنجر، مستشار الرئيس للأمن القومي، بزيارة سرّيّة إلى بكين في العام السابق لاستطلاع إمكان فتح حوار دبلوماسي مع ماو تسي تونغ ورئيس الوزراء تشو إن لاي. وكان نيكسون أول رئيس أمريكي يقوم بالزيارة إلى الصين، بغرض فتح صفحة جديدة مع جمهورية الصين الشعبية. فقد كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة بسبب الحرب الكورية، وقيام الحكومة الأمريكية بدعم عسكري مستمر لجمهورية الصين الوطنية (تايوان)، والدعم الصيني – السوفياتي لجمهورية فيتنام الشمالية التابعة للشيوعية، مما أثار انتقادات مستمرة بين البلدين. يومها كان الصراع الأيديولوجي بين الصين والولايات المتحدة تنافسا فكريّا وتاريخيّا بين «الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية» التي تقودها واشنطن، و»الاشتراكية ذات الخصائص الصينية»، حيث تسعى كل قوة لإثبات تفوق نموذجها وقيادة النظام العالمي.
هذه المرة جاءت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للصين محاولة أخرى على طريق التعاون بين البلدين في أجواء سياسية وأيديولوجية مختلفة. مع ذلك هناك قدر من الامتعاض الأمريكي من الصين، ناجم عن توسع نفوذها الاقتصادي الذي تراه أمريكا تهديدا لنفوذها الاقتصادي في العالم. وإذا كان ترامب قد رفع شعار «لنجعل أمريكا عظيمة» فإن الرئيس شي جين بينغ هو الآخر يتطلع لرفع مستوى الحضور الدولي لبلاده على الصعيد العالمي، فجاء خطابه في حضور ترامب، غير عادي حيث أشاد بالذكرى الـ 250 لأمريكا مؤكدا رغبته في «تحقيق التجديد العظيم للأمة الصينية، وجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى». والسؤال هنا: ما مقياس عظمة البلدان؟ أهو الثروة المادّيّة؟ أهو امتلاك السلاح النووي؟ أم هو توسع النفوذ السياسي والجغرافي؟ من المؤكد أن ثمة اختلافا كبيرا طرأ على العلاقات الدولية خلال نصف القرن الماضي. وبشكل أوضح لم يعد الصراع الأيديولوجي يحظى بأولوية في خطابات زعماء الشرق والغرب، بل أصبح التوسع الاقتصادي وانتشار النفوذ مادّة للتميّز وقياس «العظمة». وهنا يمكن ملاحظة عمق الاهتمام الأمريكي بالعلاقات بين روسيا والصين. فقد التقى فلاديمير بوتين مع شي جين بينغ أكثر من 40 مرة على مرّ السنين، وجرى أحدث لقاء سابق بينهما في بكين في سبتمبر (أيلول الماضي). ووقّع الزعيمان شراكة استراتيجية «بلا حدود» في فبراير /شباط 2022، قبل أقل من ثلاثة أسابيع من شنّ روسيا الحرب على أوكرانيا.
يمكن اعتبار الزيارات بين البلدين مؤشرا لمسار علاقاتهما من حيث قضايا التوافق والاختلاف. فقد حدثت في فترات متقلّبة بين فترات عصيبة وأخرى مشرقة في العلاقات. فكانت هناك حالة الكآبة التي أعقبت مجزرة ميدان تيانانمين في 1989 عندما خرج الطلّاب الصينيون في احتجاجات واسعة ضد النظام مطالبين بإصلاحات سياسية. وكانت هناك حالة الحماس التي رافقت انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، وتحوّلها إلى محرّك للاقتصاد العالمي. وفي كل هذه الحالات كان الرؤساء الأمريكيون يأملون أن يؤدي التكامل التجاري إلى تغيير سياسي في بكين يوما مّا. ولكن من وجهة نظر الصين التي تتنامى قوتها وتزداد ثقة بالنفس في التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإن أمريكا أصبحت في حالة انحدار نهائي. هذه النظرة تنعكس بشكل واضح في ديناميكيات القمم، إذ لم تعد الصين الطرف الأضعف بل أصبحت تملك زمام المبادرة في مقابل أمريكا التي تشعر بالإعياء. فمثلا لم يعد هناك طرحٌ للقضايا الخلافية مع الصين كقضية تايوان أو حادثة ميدان تاينمين أو حتى علاقات الصين مع إيران أو نفوذها الذي يتوسع في العالم. إنها قوّة ما تزال ترتقي درجات في سلّم الصناعة والاختراع، ويتوسع نفوذها في الكثير من مناطق العالم التي لا تراها «قوّة استعمارية غاشمة» كنظرتها للغرب خصوصا أمريكا. وقد تميّزت بالتعاون الوثيق مع ما كان يسمى «دول العالم الثالث» التي رأت فيها بديلا عن الغرب. كما يتجلى النفوذ الصيني في إفريقيا كواحد من أهم التحالفات الاستراتيجية العالمية، حيث يعتمد على شراكة متعددة الأبعاد تجمع بين الدبلوماسية النشطة والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية وتوسيع نطاق التبادل التجاري عبر إعفاء العديد من الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية.
أمريكا لديها استراتيجية شاملة تجاه الصين تُعرف رسميا بسياسة «المنافسة، التعاون والمواجهة». وتعتبر الصين المنافس الاستراتيجي الأكبر في مجالين: أولهما الاقتصاد والتكنولوجيا. وهنا تسعى أمريكا لحماية نفسها بفرض رسوم جمركية على الواردات من الصين، وقيود على نقل التكنولوجيا خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، وثانيهما: الردع العسكري والأمني. وفي هذا الجانب تقوم أمريكا بتكثيف التواجد العسكري لضمان حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي، مع الالتزام بسياسة «الصين الواحدة» (الاعتراف ببكين دبلوماسياً) ودعم تايوان دفاعياً في الوقت نفسه.
يصعب الحكم على نتائج زيارة ترامب للصين بشكل حاسم، وقد لا تتجاوز نتائجها مجال العلاقات العامة، برغم محاولاته استغلالها كدليل على براعته السياسية لمنافسة جورج واشنطن، أبراهام لينكولن
وقد تعلّمت الصين كثيرا من تجاربها المعاصرة خصوصا ما حدث قبل خمسين عاما. فقد كان هناك ما يسمى «عصابة الأربعة» وهي مجموعة سياسية يسارية نافذة قادت «الثورة الثقافية» في الصين، في حقبة تاريخية دامية (1966-1976) تميزت بالتطرف الأيديولوجي، والاضطرابات السياسية الواسعة، والقمع العنيف للمثقفين والمعارضين لإحكام السيطرة على مقاليد الحكم. وتكوّنت العصابة من أربعة مسؤولين كبار في الحزب الشيوعي الصيني استغلوا قربهم من الزعيم الراحل ماو تسي تونغ لتوسيع نفوذهم وهم: جيانغ تشينغ: زوجة ماو تسي تونغ، وهي القائدة الفعلية للمجموعة، و تشانغ تشون تشياو: أحد كبار منظّري الحزب في شنغهاي وياو وين يوان: خبير الدعاية والإعلام ووانغ هونغ وين: مسؤول عمّالي صاعد آنذاك. وقد تجاوزت الصين حقبة «عصابة الأربعة» عبر تنفيذ انقلاب سياسي سلمي واعتقالهم في أكتوبر 1976، تلاه إطلاق عملية «الإصلاح والانفتاح» التي دشّنت عهد الصعود الصيني في المجال الصناعي والتكنولوجي.
تعيش الصين اليوم في ذروة تفوقها الصناعي والتكنولوجي والاقتصادي. ويعتبر الاقتصاد الصيني في المرتبة الثانية عالميا بعد الولايات المتحدة الأمريكية. هذا الصعود الذي استغرق نصف قرن بعد أن حظيت الصين باستقرار نسبي كبير ما يزال يفرض نفسه ويتحدّى أمريكا عمليا، برغم ما يبدو من رغبة من الطرفين للتعايش السلمي الذي لا تعكر صفوه أجواء المنافسة الاقتصادية أو المماحكات السياسية أو مساعي توسيع النفوذ في العالم. ولا شك أن انتهاج الصين سياسة هادئة تبدو في أغلب مقاطعها منكفئة على الذات ومبتعدة عن سياسات التوسع الاستعماري أو أساليب المغالبة مع القوى الكبرى المنافسة قلّص حساسية دول العالم تجاهها. وبرغم هدوء الدبلوماسية الصينية فقد ساهمت بشكل هادئ قبل ثلاثة أعوام في ترطيب العلاقات بين السعودية وإيران، كما أن لها دورا في منظمة «بريكس» التي تضم أيضا البرازيل وروسيا والهند وجنوب إفريقيا. وتُعدّ الصين القوة الاقتصادية المهيمنة والعمود الفقري لمنظمة بريكس، حيث يمثل اقتصادها نحو ثلثي إجمالي الناتج المحلّي للمجموعة. وتقود بكين التكتل كأداة استراتيجية لتعزيز نفوذ «الجنوب العالمي»، وموازنة القوى الغربية، ودفع عجلة التنمية المستدامة. وهكذا تتضح استراتيجية الصين لضمان دورها الإقليمي والدولي، ليس بالنمط الأمريكي، بل بأساليب أكثر تحضّرا وأقل تدخلا واستفزازا. كما أن للصين دورا في أفريقيا من خلال شراكة استراتيجية شاملة تركز على الاستثمار في البنية التحتية، وتأمين الموارد الطبيعية لدعم اقتصادها، وتوسيع النفوذ الجيوسياسي. وتُعد الصين الشريك التجاري الأكبر للقارّة، وتُدير علاقاتها عبر إطار مؤسسي رئيسي يُعرف بـ «منتدى التعاون الصيني الأفريقي (فوكاك)».
الرئيس دونالد ترامب مارس على ضيفه الصيني ضغوطا لدفعه لزيادة مشتريات الصين من الولايات المتحدة، خصوصا المنتجات الزراعية مثل حبوب الصويا وكذلك النفط وبعض المعادن النادرة. كما ضغط عليه لإقناع إيران بفتح مضيق هرمز الذي أدّى غلقه لارتفاع أسعار السلع الأساسية بالإضافة للمحروقات في أغلب الدول الغربية. ويأمل ترامب أن ينجم عن ذلك، في حال تحققه، انخفاض معدلات التضخم وكذلك أسعار الفائدة لتستطيع المؤسسات التجارية تطوير أدائها. وهكذا يصعب الحكم على نتائج زيارة ترامب للصين بشكل حاسم، وقد لا تتجاوز نتائجها مجال العلاقات العامة، برغم محاولاته استغلالها كدليل على براعته السياسية لمنافسة جورج واشنطن، أبراهام لينكولن، وفرانكلين د. روزفلت. فقد برز هؤلاء بسبب قيادتهم للبلاد في أزمات مفصلية غيّرت مجرى التاريخ. فما هو التاريخ الذي غيّره دونالد ترامب في فترته الرئاسية الأولى؟ وما التغيير الكبير الذي سيحدثه في دورته الحاليّة؟
نيسان ـ نشر في 2026/05/18 الساعة 00:00