مقامرة نتن ياهو
نيسان ـ نشر في 2026/05/18 الساعة 00:00
ومن يجعلِ الضِّرغامَ بازاً لصيدهِ
تصيَّدهُ الضِّرغامُ فيما تصيَّدا- المتنبي.
هناك نمطٌ متكرر في الطريقة التي تقود بها الدول الصغيرة نفسها إلى الهلاك؛ لا عبر هزيمةٍ عسكريةٍ مباشرة، بل من خلال رهانٍ خاطئ على قوةٍ عظمى تتوهّم أنها حامٍ دائم لها، بينما لا تنظر إليها تلك القوة في الحقيقة إلا بوصفها أداةً مؤقتة تُستخدم لخدمة مصالحها.
أخطأ صدام حسين مرتين؛ الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، حين اعتقد أنه سيحظى بدعمٍ عربي ودولي واسع في حربه ضد إيران، وتوهّم أنه سيصبح شرطيَّ المنطقة وسيدها، باعتباره السدَّ المنيع في وجه الثورة الإيرانية. لكن ما إن انتهت الحرب حتى وجد نفسه مثقلاً بالديون، وقد تحوّل من حليفٍ إلى خصم.
أما الخطأ القاتل، فكان حين فسّر تصريح السفيرة الأمريكية في بغداد، أبريل غلاسبي، في 25 تموز 1990، عندما قالت إن الولايات المتحدة «لا رأي لها في النزاعات العربية–العربية، مثل خلافكم الحدودي مع الكويت»، على أنه ضوءٌ أخضر لغزو الكويت.
ومن قبله، راهن عبد الناصر على الدعم السوفييتي في حروبه مع إسرائيل، معتقداً أن الاتحاد السوفييتي سيكبح الولايات المتحدة ويحدّ من دعمها للكيان. لكن الحليف السوفييتي لم يخض الحرب عنه، فكانت الهزيمة، وضاعت القدس.
ولا يختلف منطق مجرم الحرب نتن ياهو عن منطق صدام أو عبد الناصر، ولا عن منطق كل من راهنوا على القوى العظمى؛ إذ يعتقد أن الدعم الأمريكي العسكري والسياسي غير المشروط يمنحه القدرة على مواصلة حروبه في المنطقة.
لكن هذا الافتراض بات اليوم موضع تساؤل؛ فالرأي العام الأمريكي آخذٌ في التغيّر، ولم يعد بالإمكان تجاهله، كما بدأت تتصاعد الاعتراضات على الدعم الأمريكي غير المشروط للصهيونية. وفي الوقت ذاته، أخذت الهيمنة الأمريكية على العالم تُظهر تصدعاتٍ متزايدة، تمتد من هيمنة الدولار، إلى منظومة التحالفات، وصولاً إلى سيطرتها على المضائق البحرية.
ثم يُضاف إلى كل ما سبق العاملُ الصيني؛ فالصين تشتري نحو 90 % من صادرات النفط الإيراني، بما يساهم في تمويل ما يقارب 45 % من ميزانية الحكومة الإيرانية. وهذه ليست مجرد علاقةٍ تجارية، بل شراكةٌ استراتيجية أمضت الصين عقوداً في بنائها، ولن تسمح للكيان بتقويضها أو ضربها.
يقيناً، لن تُعلن الصين الحرب على الكيان، لكن يكفيها أن تدفع القوى العظمى إلى تقليص دعمها له. وهنا تحديداً تكمن النقطة المشتركة بين صدام وعبد الناصر ونتن ياهو؛ إذ تعامل عبد الناصر مع الدعم السوفييتي بوصفه حقيقةً مُسلَّماً بها، بينما اعتمد صدام على ما ظنه ضوءاً أخضر أمريكياً لغزو الكويت، وعلى الدعم العربي في حربه مع إيران. لكن كليهما خذله حلفاؤه، بعدما أخفقا في قراءة مصالح الدول الأخرى، وظنّا أنها تتطابق بالضرورة مع مصالح بلديهما.
اكتشف عبد الناصر وصدام هذه الحقيقة متأخرَين، بعد فوات الأوان. واليوم، يرتكب مجرم الحرب نتن ياهو الخطأ ذاته، حين يُسقط الصين من حساباته، رغم أنها المنافس الأول للولايات المتحدة، ورغم المصالح الكبرى التي تربط واشنطن ببكين. كما أن للصين مصلحةً مباشرة في استمرار تدفق النفط الإيراني، وهي قادرة على توفير دعمٍ مالي وعسكري لإيران، سيُوجَّه جزءٌ منه إلى دعم حلفائها الذين يقاتلون الكيان.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان الدعم الأمريكي سيستمر إلى الأبد، بل: كيف سيبدو الكيان في اليوم الذي ينقطع فيه هذا الدعم؟
ونتذكر قصة الأكراد والشيعة عام 1991، حين دفعتهم الولايات المتحدة إلى الثورة على صدام، ثم تركتهم في منتصف الطريق؛ لأنها لم تكن تريد انهيار النظام العراقي، بل الإبقاء عليه واستثماره لاحقاً بما يخدم مصالحها. فكانت النتيجة أن انتقم منهم صدام بأشدّ ما يكون الانتقام.
وبالطبع، فالكيان ليس صدام ولا عبد الناصر، وقطعاً ليس الأكراد؛ فهو بالنسبة إلى الولايات المتحدة الابنُ المدلّل، وذراعها الباطشة، وقاعدتها المتقدمة في المنطقة. لكن موازين القوى لا تبقى ثابتة إلى الأبد، والتحالفات لا يحكمها الوفاء، بل المصالح. وحين تتغيّر تلك المصالح، ستجد هذه الدويلة الطارئة نفسها وحيدةً في منطقةٍ عاش أهلها فيها آلاف السنين، بينما لم تكن هي سوى لحظةٍ عابرة في تاريخها الطويل.
تصيَّدهُ الضِّرغامُ فيما تصيَّدا- المتنبي.
هناك نمطٌ متكرر في الطريقة التي تقود بها الدول الصغيرة نفسها إلى الهلاك؛ لا عبر هزيمةٍ عسكريةٍ مباشرة، بل من خلال رهانٍ خاطئ على قوةٍ عظمى تتوهّم أنها حامٍ دائم لها، بينما لا تنظر إليها تلك القوة في الحقيقة إلا بوصفها أداةً مؤقتة تُستخدم لخدمة مصالحها.
أخطأ صدام حسين مرتين؛ الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، حين اعتقد أنه سيحظى بدعمٍ عربي ودولي واسع في حربه ضد إيران، وتوهّم أنه سيصبح شرطيَّ المنطقة وسيدها، باعتباره السدَّ المنيع في وجه الثورة الإيرانية. لكن ما إن انتهت الحرب حتى وجد نفسه مثقلاً بالديون، وقد تحوّل من حليفٍ إلى خصم.
أما الخطأ القاتل، فكان حين فسّر تصريح السفيرة الأمريكية في بغداد، أبريل غلاسبي، في 25 تموز 1990، عندما قالت إن الولايات المتحدة «لا رأي لها في النزاعات العربية–العربية، مثل خلافكم الحدودي مع الكويت»، على أنه ضوءٌ أخضر لغزو الكويت.
ومن قبله، راهن عبد الناصر على الدعم السوفييتي في حروبه مع إسرائيل، معتقداً أن الاتحاد السوفييتي سيكبح الولايات المتحدة ويحدّ من دعمها للكيان. لكن الحليف السوفييتي لم يخض الحرب عنه، فكانت الهزيمة، وضاعت القدس.
ولا يختلف منطق مجرم الحرب نتن ياهو عن منطق صدام أو عبد الناصر، ولا عن منطق كل من راهنوا على القوى العظمى؛ إذ يعتقد أن الدعم الأمريكي العسكري والسياسي غير المشروط يمنحه القدرة على مواصلة حروبه في المنطقة.
لكن هذا الافتراض بات اليوم موضع تساؤل؛ فالرأي العام الأمريكي آخذٌ في التغيّر، ولم يعد بالإمكان تجاهله، كما بدأت تتصاعد الاعتراضات على الدعم الأمريكي غير المشروط للصهيونية. وفي الوقت ذاته، أخذت الهيمنة الأمريكية على العالم تُظهر تصدعاتٍ متزايدة، تمتد من هيمنة الدولار، إلى منظومة التحالفات، وصولاً إلى سيطرتها على المضائق البحرية.
ثم يُضاف إلى كل ما سبق العاملُ الصيني؛ فالصين تشتري نحو 90 % من صادرات النفط الإيراني، بما يساهم في تمويل ما يقارب 45 % من ميزانية الحكومة الإيرانية. وهذه ليست مجرد علاقةٍ تجارية، بل شراكةٌ استراتيجية أمضت الصين عقوداً في بنائها، ولن تسمح للكيان بتقويضها أو ضربها.
يقيناً، لن تُعلن الصين الحرب على الكيان، لكن يكفيها أن تدفع القوى العظمى إلى تقليص دعمها له. وهنا تحديداً تكمن النقطة المشتركة بين صدام وعبد الناصر ونتن ياهو؛ إذ تعامل عبد الناصر مع الدعم السوفييتي بوصفه حقيقةً مُسلَّماً بها، بينما اعتمد صدام على ما ظنه ضوءاً أخضر أمريكياً لغزو الكويت، وعلى الدعم العربي في حربه مع إيران. لكن كليهما خذله حلفاؤه، بعدما أخفقا في قراءة مصالح الدول الأخرى، وظنّا أنها تتطابق بالضرورة مع مصالح بلديهما.
اكتشف عبد الناصر وصدام هذه الحقيقة متأخرَين، بعد فوات الأوان. واليوم، يرتكب مجرم الحرب نتن ياهو الخطأ ذاته، حين يُسقط الصين من حساباته، رغم أنها المنافس الأول للولايات المتحدة، ورغم المصالح الكبرى التي تربط واشنطن ببكين. كما أن للصين مصلحةً مباشرة في استمرار تدفق النفط الإيراني، وهي قادرة على توفير دعمٍ مالي وعسكري لإيران، سيُوجَّه جزءٌ منه إلى دعم حلفائها الذين يقاتلون الكيان.
والسؤال هنا ليس ما إذا كان الدعم الأمريكي سيستمر إلى الأبد، بل: كيف سيبدو الكيان في اليوم الذي ينقطع فيه هذا الدعم؟
ونتذكر قصة الأكراد والشيعة عام 1991، حين دفعتهم الولايات المتحدة إلى الثورة على صدام، ثم تركتهم في منتصف الطريق؛ لأنها لم تكن تريد انهيار النظام العراقي، بل الإبقاء عليه واستثماره لاحقاً بما يخدم مصالحها. فكانت النتيجة أن انتقم منهم صدام بأشدّ ما يكون الانتقام.
وبالطبع، فالكيان ليس صدام ولا عبد الناصر، وقطعاً ليس الأكراد؛ فهو بالنسبة إلى الولايات المتحدة الابنُ المدلّل، وذراعها الباطشة، وقاعدتها المتقدمة في المنطقة. لكن موازين القوى لا تبقى ثابتة إلى الأبد، والتحالفات لا يحكمها الوفاء، بل المصالح. وحين تتغيّر تلك المصالح، ستجد هذه الدويلة الطارئة نفسها وحيدةً في منطقةٍ عاش أهلها فيها آلاف السنين، بينما لم تكن هي سوى لحظةٍ عابرة في تاريخها الطويل.
نيسان ـ نشر في 2026/05/18 الساعة 00:00