بريطانيا بعد البريكست: قوة تبحث عن بوصلة
نيسان ـ نشر في 2026/05/19 الساعة 00:00
توجد إشاعات قوية حول احتمال استقالة رئيس الحكومة البريطانية كير ستارمر، وسواء استقال أم لا، فمثل هذه الأخبار تبرز غياب الاستقرار السياسي، وكيف أن بريطانيا فقدت البوصلة منذ سنوات طويلة نتيجة التشتت بين أوروبا والولايات المتحدة، وغياب مشروع وطني طموح يجعلها تستعيد الكثير مما فقدته من نفوذها. ففي ظرف عشر سنوات، تناوب على مقر الحكومة في 10 داونينغ ستريت في لندن عدد من رؤساء الحكومات، الذين قضوا جماعة في الحكم ما يعادل رئاسة المحافظة، أو أقل مثل مارغريت تاتشر من حزب المحافظين، والعمالي توني بلير.. وأقل من نصف مدة المحافظ ديفيد كاميرون، في حين دامت رئاسة تيريزا ماي للحكومة ثلاث سنوات، وهي المدة نفسها لخلفها بوريس جونسون، وكانت رئاسة ليز تروس الأقصر 45 يوما فقط، وصمد ريتشي سوناك أقل من سنتين، وهو أول رئيس حكومة من أصول أجنبية، وكل هؤلاء من حزب المحافظين. في حين، يستمر كير ستارمر في رئاسة الحكومة منذ صيف 2024، وبدأت المعطيات تفيد باحتمال استقالته في المدى القصير، بعدما بدأ أعضاء حكومته يطالبونه بذلك.
وتبقى حالة كير ستارمر استثنائية، فهو الذي وصل إلى 10 داونينغ ستريت بنسبة مقاعد هي الأعلى في تاريخ الانتخابات البريطانية بـ411 مقعدا، ولم يتفوق عليه إلا توني بلير، وهو من حزب العمال مثله بـ418 مقعدا سنة 1997. وكان يفترض أن يصنع لنفسه مسارا شبيها بالزعماء الكبار طالما حصل على شرعية انتخابية عريضة، وأن تستمر ولايته على الأقل ثماني سنوات. غير أن كل المؤشرات تشير إلى استبعاد هذه الفرضية وأن استقالته تقترب.
إن حالة كير ستارمر وباقي رؤساء الحكومات خلال العقد الأخير تبرز بوضوح فقدان بريطانيا البوصلة الجيوسياسية وسقوطها في التيه السياسي
إن حالة كير ستارمر وباقي رؤساء الحكومات خلال العقد الأخير تبرز بوضوح فقدان بريطانيا البوصلة الجيوسياسية وسقوطها في التيه السياسي. ويتجلى هذا في ظاهرتين رئيسيتين. الظاهرة الأولى وهي، فقدان الأحزاب التاريخية (المحافظين والعمال) المبادرة السياسية خلال السنوات الأخيرة. وتدريجيا أصبح اليمين القومي المتطرف يأخذ المبادرة، ويملأ الفراغ السياسي، من خلال مقترحات تركز على ما هو عنصري. ولعل التقدم الكبير لحزب الإصلاح في الانتخابات البلدية يوم 7 مايو الجاري يعد معطى يحمل دلالة سياسية كبيرة، حيث كتبت جريدة «فايننشال تايمز» أن حزب الإصلاح بزعامة نايجل فراج، قد أصبح قوة سياسية مؤثرة قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، وضربة قوية لكل من الحزبين التاريخيين، المحافظين والعمال.
في الوقت ذاته، تبقى مسيرة لندن يوم 16 مايو الجاري للقوميين المتطرفين بزعامة تومي روبنسون المعادية للإسلام والهجرة والحاملة لشعارات تتلخص في «استعادة بريطانيا للبريطانيين»، حدثا يشكل منعطفا سياسيا آخر في هذا البلد. وهكذا، يبقى المشروع الوطني البارز في الوقت الراهن هو الذي يقوده العنصريون المتطرفون. وأصبحت السياسة البريطانية تفرز أسماء مثل روبنسون ونايجل فراج، في حين كانت في الماضي تعطي قامات من حجم تشرشل وتاتشر وبلير. وهذه الأزمات الداخلية المتتالية من تراجع اقتصادي وهجرة وخطاب متطرف وغياب الاستقرار في 10 داونينغ ستريت، أثرت سلبا على صورة بريطانيا عالميا. وتبقى الظاهرة الثانية هي حالة التيه الجيوسياسي التي تعيشها لندن في علاقاتها الدولية. فمنذ انسحابها من الاتحاد الأوروبي، ورهانها على بناء شراكة متينة مع الولايات المتحدة، بهدف تجديد التحالف الأنكلوسكسوني، جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ لم تتمكن بريطانيا من ترسيخ موقع قدم ثابت في النظام الدولي في مرحلة ما بعد البريكست. فمن جهة، تسعى إلى لعب دور قيادي في أوروبا، رغم كونها خارج أكبر تكتل قاري، وهو الاتحاد الأوروبي؛ ومن جهة أخرى، تجد نفسها غير قادرة على مجاراة إيقاع باريس وبرلين في صياغة القرار الأوروبي، لقد رسمت لندن لنفسها استراتيجية تعرف بـ Global Britain سنة 2016، تاريخ مغادرة الاتحاد الأوروبي وتتجلى في استقلالية في صنع القرار الدبلوماسي، من خلال علاقات جديدة مع آسيا والخليج والولايات المتحدة وافريقيا وأمريكا اللاتينية، والتحول إلى قوة اقتصادية وعسكرية. غير أن قراءة المعطيات الميدانية تبرز فشل هذا المشروع، أو تحقيق جزء بسيط من أجندته. فهي لا تمتلك علاقات قوية مع الاتحاد الأوروبي بسبب الإجراءات الجمركية والهجرة، ولا طورت العلاقات مع الولايات المتحدة، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتردد في الاستهزاء بالسياسة البريطانية. ولم تعزز نفوذها في الخليج وافريقيا وآسيا بسبب قوة التنين الصيني الجارف. ويبقى الملف الذي برزت فيه بريطانيا وحققت نتائج هو مساندة قوية لأوكرانيا في حربها ضد روسيا أكثر من فرنسا وألمانيا وباقي دول الاتحاد الأوروبي.
لا تزال بريطانيا تُعد قوة كبرى بفضل جامعاتها العريقة مثل أكسفورد وكامبريدج، ومكانتها المالية العالمية، ونفوذها داخل الكومنولث، فضلا عن امتلاكها للسلاح النووي وحق الفيتو، إلى جانب عوامل أخرى. غير أن هذه المقومات تشهد تآكلا تدريجيا، ما يدفع بالبلاد نحو التحول من قوة كبرى إلى دولة متوسطة قوية. ومن المرجح أن تواجه لندن صعوبات متزايدة على الساحة الدولية مستقبلا إن بقيت لوحدها، في ظل تحوّل النظام الدولي نحو تمركز القوة في أيدي أقطاب كبرى كالولايات المتحدة والصين، وضمن تكتلات وتحالفات واسعة مثل الاتحاد الأوروبي والتجمعات القارية الأخرى.
على ضوء هذا، لا يمكن لبريطانيا استعادة مجد الإمبراطورية البريطانية التي كانت عليه حتى الحرب العالمية الأولى، لكنها في المقابل يمكن أن تقود رفقة الثنائي فرنسا وألمانيا القارة الأوروبية، إن هي عادت إلى حظيرة الاتحاد الأوروبي، أو أبرمت اتفاقيات عسكرية وتجارية تجعلها وكأنها عضو في هذا التجمع. وكان رئيس الحكومة الأسبق توني بلير محقا بتأكيده «أن النفوذ العالمي لبريطانيا يعتمد جزئيا على بقائها مندمجة بشكل وثيق مع أوروبا». تعيش بريطانيا التيه الجيوسياسي، وأمامها البوصلة وهي العودة إلى حظيرة الاتحاد الأوروبي. فهل يا ترى، ترصد السفينة البريطانية المنارة الأوروبية أم لا؟
وتبقى حالة كير ستارمر استثنائية، فهو الذي وصل إلى 10 داونينغ ستريت بنسبة مقاعد هي الأعلى في تاريخ الانتخابات البريطانية بـ411 مقعدا، ولم يتفوق عليه إلا توني بلير، وهو من حزب العمال مثله بـ418 مقعدا سنة 1997. وكان يفترض أن يصنع لنفسه مسارا شبيها بالزعماء الكبار طالما حصل على شرعية انتخابية عريضة، وأن تستمر ولايته على الأقل ثماني سنوات. غير أن كل المؤشرات تشير إلى استبعاد هذه الفرضية وأن استقالته تقترب.
إن حالة كير ستارمر وباقي رؤساء الحكومات خلال العقد الأخير تبرز بوضوح فقدان بريطانيا البوصلة الجيوسياسية وسقوطها في التيه السياسي
إن حالة كير ستارمر وباقي رؤساء الحكومات خلال العقد الأخير تبرز بوضوح فقدان بريطانيا البوصلة الجيوسياسية وسقوطها في التيه السياسي. ويتجلى هذا في ظاهرتين رئيسيتين. الظاهرة الأولى وهي، فقدان الأحزاب التاريخية (المحافظين والعمال) المبادرة السياسية خلال السنوات الأخيرة. وتدريجيا أصبح اليمين القومي المتطرف يأخذ المبادرة، ويملأ الفراغ السياسي، من خلال مقترحات تركز على ما هو عنصري. ولعل التقدم الكبير لحزب الإصلاح في الانتخابات البلدية يوم 7 مايو الجاري يعد معطى يحمل دلالة سياسية كبيرة، حيث كتبت جريدة «فايننشال تايمز» أن حزب الإصلاح بزعامة نايجل فراج، قد أصبح قوة سياسية مؤثرة قبل الانتخابات التشريعية المقبلة، وضربة قوية لكل من الحزبين التاريخيين، المحافظين والعمال.
في الوقت ذاته، تبقى مسيرة لندن يوم 16 مايو الجاري للقوميين المتطرفين بزعامة تومي روبنسون المعادية للإسلام والهجرة والحاملة لشعارات تتلخص في «استعادة بريطانيا للبريطانيين»، حدثا يشكل منعطفا سياسيا آخر في هذا البلد. وهكذا، يبقى المشروع الوطني البارز في الوقت الراهن هو الذي يقوده العنصريون المتطرفون. وأصبحت السياسة البريطانية تفرز أسماء مثل روبنسون ونايجل فراج، في حين كانت في الماضي تعطي قامات من حجم تشرشل وتاتشر وبلير. وهذه الأزمات الداخلية المتتالية من تراجع اقتصادي وهجرة وخطاب متطرف وغياب الاستقرار في 10 داونينغ ستريت، أثرت سلبا على صورة بريطانيا عالميا. وتبقى الظاهرة الثانية هي حالة التيه الجيوسياسي التي تعيشها لندن في علاقاتها الدولية. فمنذ انسحابها من الاتحاد الأوروبي، ورهانها على بناء شراكة متينة مع الولايات المتحدة، بهدف تجديد التحالف الأنكلوسكسوني، جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، إذ لم تتمكن بريطانيا من ترسيخ موقع قدم ثابت في النظام الدولي في مرحلة ما بعد البريكست. فمن جهة، تسعى إلى لعب دور قيادي في أوروبا، رغم كونها خارج أكبر تكتل قاري، وهو الاتحاد الأوروبي؛ ومن جهة أخرى، تجد نفسها غير قادرة على مجاراة إيقاع باريس وبرلين في صياغة القرار الأوروبي، لقد رسمت لندن لنفسها استراتيجية تعرف بـ Global Britain سنة 2016، تاريخ مغادرة الاتحاد الأوروبي وتتجلى في استقلالية في صنع القرار الدبلوماسي، من خلال علاقات جديدة مع آسيا والخليج والولايات المتحدة وافريقيا وأمريكا اللاتينية، والتحول إلى قوة اقتصادية وعسكرية. غير أن قراءة المعطيات الميدانية تبرز فشل هذا المشروع، أو تحقيق جزء بسيط من أجندته. فهي لا تمتلك علاقات قوية مع الاتحاد الأوروبي بسبب الإجراءات الجمركية والهجرة، ولا طورت العلاقات مع الولايات المتحدة، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يتردد في الاستهزاء بالسياسة البريطانية. ولم تعزز نفوذها في الخليج وافريقيا وآسيا بسبب قوة التنين الصيني الجارف. ويبقى الملف الذي برزت فيه بريطانيا وحققت نتائج هو مساندة قوية لأوكرانيا في حربها ضد روسيا أكثر من فرنسا وألمانيا وباقي دول الاتحاد الأوروبي.
لا تزال بريطانيا تُعد قوة كبرى بفضل جامعاتها العريقة مثل أكسفورد وكامبريدج، ومكانتها المالية العالمية، ونفوذها داخل الكومنولث، فضلا عن امتلاكها للسلاح النووي وحق الفيتو، إلى جانب عوامل أخرى. غير أن هذه المقومات تشهد تآكلا تدريجيا، ما يدفع بالبلاد نحو التحول من قوة كبرى إلى دولة متوسطة قوية. ومن المرجح أن تواجه لندن صعوبات متزايدة على الساحة الدولية مستقبلا إن بقيت لوحدها، في ظل تحوّل النظام الدولي نحو تمركز القوة في أيدي أقطاب كبرى كالولايات المتحدة والصين، وضمن تكتلات وتحالفات واسعة مثل الاتحاد الأوروبي والتجمعات القارية الأخرى.
على ضوء هذا، لا يمكن لبريطانيا استعادة مجد الإمبراطورية البريطانية التي كانت عليه حتى الحرب العالمية الأولى، لكنها في المقابل يمكن أن تقود رفقة الثنائي فرنسا وألمانيا القارة الأوروبية، إن هي عادت إلى حظيرة الاتحاد الأوروبي، أو أبرمت اتفاقيات عسكرية وتجارية تجعلها وكأنها عضو في هذا التجمع. وكان رئيس الحكومة الأسبق توني بلير محقا بتأكيده «أن النفوذ العالمي لبريطانيا يعتمد جزئيا على بقائها مندمجة بشكل وثيق مع أوروبا». تعيش بريطانيا التيه الجيوسياسي، وأمامها البوصلة وهي العودة إلى حظيرة الاتحاد الأوروبي. فهل يا ترى، ترصد السفينة البريطانية المنارة الأوروبية أم لا؟
نيسان ـ نشر في 2026/05/19 الساعة 00:00