من أجل ترتيبات أمن جماعي… هلسنكي عربية وتركية
نيسان ـ نشر في 2026/05/19 الساعة 00:00
في لحظات التحول الكبرى التي تمر بها الأقاليم المضطربة، يصبح السؤال عن الأمن الجماعي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. فالشرق الأوسط يعيش منذ عقود داخل دائرة مغلقة من الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية والتدخلات الخارجية وسباقات التسلح والانهيارات الاقتصادية والتوظيف السياسي للهويات الطائفية والإثنية.
وعلى الرغم من أن دول المنطقة أنفقت موارد هائلة على التسلح والتحالفات العسكرية، فإن الأمن ظل غائبا، والاستقرار بقي هشّا، والدولة الوطنية تعرضت في أكثر من مكان إلى التآكل أو التفكك. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في مقاربة جديدة للأمن الإقليمي، مقاربة لا تقوم فقط على الردع العسكري أو موازين القوى التقليدية، وإنما على بناء منظومة جماعية لإدارة الصراعات وتسوية النزاعات ومنع الانفجار الدائم الذي بات يهدد الجميع دون استثناء.
في التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، لم يتحقق الاستقرار فقط عبر الأحلاف العسكرية أو النمو الاقتصادي، بل أيضا عبر عملية سياسية طويلة ومعقدة انتهت إلى ما عرف بعملية هلسنكي التي دشنت في سبعينيات القرن العشرين إطارا للأمن والتعاون الأوروبي. لم تكن أوروبا آنذاك أقل انقساما من الشرق الأوسط اليوم. كانت القارة مقسومة بين شرق وغرب، بين معسكرين نوويين، وبين نظم سياسية متناقضة أيديولوجيا. ومع ذلك أدركت الدول الأوروبية، ومعها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أن استمرار الصراع المفتوح يهدد الجميع وأن الأمن لا يمكن أن يبنى ضد الآخرين فقط، بل معهم أيضا وعبر قواعد مشتركة تضبط السلوك وتحد من احتمالات الانفجار.
الشرق الأوسط اليوم يحتاج إلى عملية مشابهة، ليس بهدف استنساخ التجربة الأوروبية حرفيا، فلكل إقليم خصوصياته التاريخية والسياسية، وإنما بهدف بناء تصور جديد للأمن الجماعي يتجاوز منطق الهيمنة والحروب بالوكالة والاستقطابات الحادة. غير أن أي عملية إقليمية جادة ينبغي أن تبدأ أولا بالدول العربية وتركيا، بوصفها الأطراف الأكثر احتياجا إلى إعادة بناء التوازن الإقليمي والأكثر قدرة على إنتاج مساحات مشتركة من المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية. أما إيران وإسرائيل، فلا يمكن إدراجهما في إطار أمني جماعي مستدام إلا إذا ارتبط ذلك بضمانات حقيقية لتغيير سلوكهما الإقليمي العدواني والكف عن سياسات التوسع والاختراق والتدخل.
لقد كشفت العقود الماضية حدود المقاربات القائمة على التحالفات العسكرية الضيقة. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، لم تستطع إنتاج استقرار دائم في العراق أو أفغانستان أو الخليج. كما أن سياسات الردع الإسرائيلية لم تمنع الانفجارات الدورية في فلسطين ولبنان وسوريا. أما إيران، فقد نجحت في توسيع نفوذها الإقليمي عبر الشبكات المسلحة والفاعلين غير الدولتيين، لكنها لم تنتج استقرارا ولا شرعية إقليمية، بل عمقت الانقسامات المذهبية ودفعت العديد من الدول العربية إلى سباقات أمنية واستقطابات حادة. النتيجة النهائية كانت إقليما أكثر هشاشة وأقل أمنا للجميع.
ومن هنا فإن الحاجة إلى عملية شبيهة بهلسنكي لا ترتبط فقط بالرغبة في تخفيف التوترات، وإنما أيضا بإعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه. الأمن في الشرق الأوسط لا يمكن اختزاله في حماية الحدود أو تعزيز القدرات العسكرية. الأمن الحقيقي يعني أيضا حماية الدولة الوطنية من الانهيار، ومنع التدخلات الخارجية، وتجفيف منابع الحروب الأهلية، وربط الاستقرار بالتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتعاون الإقليمي. فالدول المنهكة اقتصاديا والمجتمعات التي تعاني من التهميش والاستقطاب تصبح أكثر قابلية للاختراق وأكثر عرضة للعنف والتطرف.
عملية إقليمية تبدأ عربيا وبالشراكة مع تركيا يمكن أن تؤسس تدريجيا لمجموعة من المبادئ المشتركة. أول هذه المبادئ هو احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. فالكثير من أزمات المنطقة تفاقمت بسبب توظيف الميليشيات العابرة للحدود أو استخدام الانقسامات الطائفية والإثنية كأدوات نفوذ سياسي وأمني. وثانيها هو الالتزام بحل النزاعات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية لا عبر القوة العسكرية. وثالثها هو الربط بين الأمن والتنمية من خلال مشاريع اقتصادية إقليمية تعيد بناء المصالح المشتركة وتقلل من دوافع الصراع.
تركيا تمثل في هذا السياق شريكا مهما، ليس فقط بسبب وزنها الجيوسياسي والعسكري، وإنما أيضا لأنها ترتبط بالعالم العربي بشبكات واسعة من المصالح الاقتصادية والتجارية والأمنية. صحيح أن العلاقات العربية التركية مرت في السنوات الأخيرة بتوترات حادة بسبب اختلاف المقاربات تجاه ملفات مثل سوريا وليبيا والإسلام السياسي، إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت أيضا قابلية هذه الخلافات للاحتواء عبر الحوار والتفاهمات المتبادلة. كما أن تركيا، بخلاف إيران، لا تعتمد في تمددها الإقليمي على بناء ميليشيات مذهبية عابرة للدول أو على تفكيك الدولة الوطنية العربية من الداخل.
تبرز الحاجة إلى التفكير في مقاربة جديدة للأمن الإقليمي، مقاربة لا تقوم فقط على الردع العسكري أو موازين القوى التقليدية، وإنما على بناء منظومة جماعية لإدارة الصراعات
أما إيران، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في كونها دولة إقليمية كبرى لها مصالح مشروعة، بل في طبيعة السلوك الإقليمي الذي تبنته منذ عقود. فسياسات بناء النفوذ عبر الجماعات المسلحة في العراق ولبنان واليمن وسوريا خلقت حالة مستدامة من عدم الاستقرار، وأضعفت مؤسسات الدولة الوطنية، وربطت الأمن الإقليمي بمنطق الصراع المفتوح. ولذلك فإن أي إدماج لإيران في منظومة أمن جماعي ينبغي أن يسبقه تحول واضح في سياساتها الإقليمية، بما يشمل احترام سيادة الدول العربية، والتخلي عن توظيف الفاعلين المسلحين غير الدولتيين، والالتزام بقواعد واضحة لعدم التدخل.
الأمر ذاته ينطبق على إسرائيل، وإن كان من زاوية مختلفة. فإسرائيل تمتلك تفوقا عسكريا وتكنولوجيا هائلا، لكنها لم تستخدم هذا التفوق لبناء سلام عادل ومستدام في المنطقة. بل إن استمرار الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، والحروب المتكررة في غزة ولبنان، والضربات العسكرية المتواصلة في أكثر من ساحة عربية، كلها عوامل تجعل من الصعب الحديث عن إدماج طبيعي لإسرائيل في منظومة أمن إقليمي دون تغيير جوهري في سلوكها السياسي والعسكري. فلا يمكن بناء أمن جماعي حقيقي في الشرق الأوسط بينما يبقى الشعب الفلسطيني محروما من حقوقه الوطنية الأساسية، وبينما تستمر إسرائيل في التعامل مع محيطها بمنطق القوة الأحادية والتفوق العسكري المطلق.
ومن ثم فإن أي عملية شبيهة بهلسنكي في الشرق الأوسط يجب أن تقوم على التدرج والواقعية. البداية المنطقية هي بناء تفاهمات عربية ـ تركية حول قواعد الأمن الإقليمي، ثم توسيعها تدريجيا وربط أي انضمام إيراني أو إسرائيلي بالتزامات واضحة وقابلة للتحقق. هذه العملية لن تنجح بسرعة، ولن تنهي الصراعات دفعة واحدة، لكنها قد تخلق للمرة الأولى إطارا مؤسسيا للحوار وإدارة الأزمات وبناء الثقة.
لقد أثبتت التجارب أن غياب الأطر الإقليمية الجامعة يترك الشرق الأوسط مفتوحا أمام التدخلات الدولية والصراعات بالوكالة. كما أن الاعتماد الدائم على القوى الكبرى لتوفير الأمن أثبت محدوديته، خاصة في عالم يتجه نحو التعددية القطبية وتراجع القدرة الأمريكية على فرض ترتيبات مستقرة طويلة الأمد. ولذلك فإن بناء منظومة إقليمية للأمن الجماعي لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة استراتيجية.
في النهاية، يحتاج الشرق الأوسط إلى الانتقال من منطق إدارة الفوضى إلى منطق صناعة الاستقرار. وهذا لن يتحقق عبر المزيد من الحروب أو سباقات التسلح أو سياسات الهيمنة، وإنما عبر الاعتراف المتبادل بالمصالح والمخاوف وبناء قواعد جماعية تضبط السلوك الإقليمي. وكما احتاجت أوروبا بعد عقود الحروب المدمرة إلى لحظة هلسنكي، يحتاج الشرق الأوسط اليوم إلى لحظة مماثلة، تبدأ عربيا وبشراكة تركية، وتبقي الباب مفتوحا أمام إيران وإسرائيل فقط إذا قبلتا التحول من منطق التوسع والصراع إلى منطق الدولة الطبيعية والأمن المشترك.
وعلى الرغم من أن دول المنطقة أنفقت موارد هائلة على التسلح والتحالفات العسكرية، فإن الأمن ظل غائبا، والاستقرار بقي هشّا، والدولة الوطنية تعرضت في أكثر من مكان إلى التآكل أو التفكك. ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في مقاربة جديدة للأمن الإقليمي، مقاربة لا تقوم فقط على الردع العسكري أو موازين القوى التقليدية، وإنما على بناء منظومة جماعية لإدارة الصراعات وتسوية النزاعات ومنع الانفجار الدائم الذي بات يهدد الجميع دون استثناء.
في التجربة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية، لم يتحقق الاستقرار فقط عبر الأحلاف العسكرية أو النمو الاقتصادي، بل أيضا عبر عملية سياسية طويلة ومعقدة انتهت إلى ما عرف بعملية هلسنكي التي دشنت في سبعينيات القرن العشرين إطارا للأمن والتعاون الأوروبي. لم تكن أوروبا آنذاك أقل انقساما من الشرق الأوسط اليوم. كانت القارة مقسومة بين شرق وغرب، بين معسكرين نوويين، وبين نظم سياسية متناقضة أيديولوجيا. ومع ذلك أدركت الدول الأوروبية، ومعها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، أن استمرار الصراع المفتوح يهدد الجميع وأن الأمن لا يمكن أن يبنى ضد الآخرين فقط، بل معهم أيضا وعبر قواعد مشتركة تضبط السلوك وتحد من احتمالات الانفجار.
الشرق الأوسط اليوم يحتاج إلى عملية مشابهة، ليس بهدف استنساخ التجربة الأوروبية حرفيا، فلكل إقليم خصوصياته التاريخية والسياسية، وإنما بهدف بناء تصور جديد للأمن الجماعي يتجاوز منطق الهيمنة والحروب بالوكالة والاستقطابات الحادة. غير أن أي عملية إقليمية جادة ينبغي أن تبدأ أولا بالدول العربية وتركيا، بوصفها الأطراف الأكثر احتياجا إلى إعادة بناء التوازن الإقليمي والأكثر قدرة على إنتاج مساحات مشتركة من المصالح الاقتصادية والأمنية والسياسية. أما إيران وإسرائيل، فلا يمكن إدراجهما في إطار أمني جماعي مستدام إلا إذا ارتبط ذلك بضمانات حقيقية لتغيير سلوكهما الإقليمي العدواني والكف عن سياسات التوسع والاختراق والتدخل.
لقد كشفت العقود الماضية حدود المقاربات القائمة على التحالفات العسكرية الضيقة. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الهائل، لم تستطع إنتاج استقرار دائم في العراق أو أفغانستان أو الخليج. كما أن سياسات الردع الإسرائيلية لم تمنع الانفجارات الدورية في فلسطين ولبنان وسوريا. أما إيران، فقد نجحت في توسيع نفوذها الإقليمي عبر الشبكات المسلحة والفاعلين غير الدولتيين، لكنها لم تنتج استقرارا ولا شرعية إقليمية، بل عمقت الانقسامات المذهبية ودفعت العديد من الدول العربية إلى سباقات أمنية واستقطابات حادة. النتيجة النهائية كانت إقليما أكثر هشاشة وأقل أمنا للجميع.
ومن هنا فإن الحاجة إلى عملية شبيهة بهلسنكي لا ترتبط فقط بالرغبة في تخفيف التوترات، وإنما أيضا بإعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه. الأمن في الشرق الأوسط لا يمكن اختزاله في حماية الحدود أو تعزيز القدرات العسكرية. الأمن الحقيقي يعني أيضا حماية الدولة الوطنية من الانهيار، ومنع التدخلات الخارجية، وتجفيف منابع الحروب الأهلية، وربط الاستقرار بالتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتعاون الإقليمي. فالدول المنهكة اقتصاديا والمجتمعات التي تعاني من التهميش والاستقطاب تصبح أكثر قابلية للاختراق وأكثر عرضة للعنف والتطرف.
عملية إقليمية تبدأ عربيا وبالشراكة مع تركيا يمكن أن تؤسس تدريجيا لمجموعة من المبادئ المشتركة. أول هذه المبادئ هو احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. فالكثير من أزمات المنطقة تفاقمت بسبب توظيف الميليشيات العابرة للحدود أو استخدام الانقسامات الطائفية والإثنية كأدوات نفوذ سياسي وأمني. وثانيها هو الالتزام بحل النزاعات عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية لا عبر القوة العسكرية. وثالثها هو الربط بين الأمن والتنمية من خلال مشاريع اقتصادية إقليمية تعيد بناء المصالح المشتركة وتقلل من دوافع الصراع.
تركيا تمثل في هذا السياق شريكا مهما، ليس فقط بسبب وزنها الجيوسياسي والعسكري، وإنما أيضا لأنها ترتبط بالعالم العربي بشبكات واسعة من المصالح الاقتصادية والتجارية والأمنية. صحيح أن العلاقات العربية التركية مرت في السنوات الأخيرة بتوترات حادة بسبب اختلاف المقاربات تجاه ملفات مثل سوريا وليبيا والإسلام السياسي، إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت أيضا قابلية هذه الخلافات للاحتواء عبر الحوار والتفاهمات المتبادلة. كما أن تركيا، بخلاف إيران، لا تعتمد في تمددها الإقليمي على بناء ميليشيات مذهبية عابرة للدول أو على تفكيك الدولة الوطنية العربية من الداخل.
تبرز الحاجة إلى التفكير في مقاربة جديدة للأمن الإقليمي، مقاربة لا تقوم فقط على الردع العسكري أو موازين القوى التقليدية، وإنما على بناء منظومة جماعية لإدارة الصراعات
أما إيران، فإن المشكلة الأساسية لا تكمن في كونها دولة إقليمية كبرى لها مصالح مشروعة، بل في طبيعة السلوك الإقليمي الذي تبنته منذ عقود. فسياسات بناء النفوذ عبر الجماعات المسلحة في العراق ولبنان واليمن وسوريا خلقت حالة مستدامة من عدم الاستقرار، وأضعفت مؤسسات الدولة الوطنية، وربطت الأمن الإقليمي بمنطق الصراع المفتوح. ولذلك فإن أي إدماج لإيران في منظومة أمن جماعي ينبغي أن يسبقه تحول واضح في سياساتها الإقليمية، بما يشمل احترام سيادة الدول العربية، والتخلي عن توظيف الفاعلين المسلحين غير الدولتيين، والالتزام بقواعد واضحة لعدم التدخل.
الأمر ذاته ينطبق على إسرائيل، وإن كان من زاوية مختلفة. فإسرائيل تمتلك تفوقا عسكريا وتكنولوجيا هائلا، لكنها لم تستخدم هذا التفوق لبناء سلام عادل ومستدام في المنطقة. بل إن استمرار الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، والحروب المتكررة في غزة ولبنان، والضربات العسكرية المتواصلة في أكثر من ساحة عربية، كلها عوامل تجعل من الصعب الحديث عن إدماج طبيعي لإسرائيل في منظومة أمن إقليمي دون تغيير جوهري في سلوكها السياسي والعسكري. فلا يمكن بناء أمن جماعي حقيقي في الشرق الأوسط بينما يبقى الشعب الفلسطيني محروما من حقوقه الوطنية الأساسية، وبينما تستمر إسرائيل في التعامل مع محيطها بمنطق القوة الأحادية والتفوق العسكري المطلق.
ومن ثم فإن أي عملية شبيهة بهلسنكي في الشرق الأوسط يجب أن تقوم على التدرج والواقعية. البداية المنطقية هي بناء تفاهمات عربية ـ تركية حول قواعد الأمن الإقليمي، ثم توسيعها تدريجيا وربط أي انضمام إيراني أو إسرائيلي بالتزامات واضحة وقابلة للتحقق. هذه العملية لن تنجح بسرعة، ولن تنهي الصراعات دفعة واحدة، لكنها قد تخلق للمرة الأولى إطارا مؤسسيا للحوار وإدارة الأزمات وبناء الثقة.
لقد أثبتت التجارب أن غياب الأطر الإقليمية الجامعة يترك الشرق الأوسط مفتوحا أمام التدخلات الدولية والصراعات بالوكالة. كما أن الاعتماد الدائم على القوى الكبرى لتوفير الأمن أثبت محدوديته، خاصة في عالم يتجه نحو التعددية القطبية وتراجع القدرة الأمريكية على فرض ترتيبات مستقرة طويلة الأمد. ولذلك فإن بناء منظومة إقليمية للأمن الجماعي لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة استراتيجية.
في النهاية، يحتاج الشرق الأوسط إلى الانتقال من منطق إدارة الفوضى إلى منطق صناعة الاستقرار. وهذا لن يتحقق عبر المزيد من الحروب أو سباقات التسلح أو سياسات الهيمنة، وإنما عبر الاعتراف المتبادل بالمصالح والمخاوف وبناء قواعد جماعية تضبط السلوك الإقليمي. وكما احتاجت أوروبا بعد عقود الحروب المدمرة إلى لحظة هلسنكي، يحتاج الشرق الأوسط اليوم إلى لحظة مماثلة، تبدأ عربيا وبشراكة تركية، وتبقي الباب مفتوحا أمام إيران وإسرائيل فقط إذا قبلتا التحول من منطق التوسع والصراع إلى منطق الدولة الطبيعية والأمن المشترك.
نيسان ـ نشر في 2026/05/19 الساعة 00:00