نحن أسرى حرب لم نشهدها

محمد المحيسن
نيسان ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 00:00
في الوقت الذي في يشهد قيه العالم تقدماً مذهلًا في مجالات متعددة، من علاجات جديدة للسرطان والأكسجين المعوي، إلى استكشاف الفضاء عبر كويكب بينو ويوروبا، وتطورات في الذكاء الاصطناعي والفيزياء، مع اكتشافات بيولوجية وبيئية مثل أقدم حمض نووي ونباتات تنظف الميكروبلاستيك.
في المقابل، لا تزال منطقتنا العربية منشغلة بخلافات سياسية قديمة، يعود بعضها لأكثر من 1400 عام، وحرب الانساب التي اكلت اخضر الامة قبل يابسها وكأن الزمن توقف عندها.
ربما تكمن المشكلة الحقيقية ليس في الماضي نفسه، بل في عجزنا عن مغادرته. فهناك شعوب تستخدم التاريخ كمرآة للتعلم، بينما البعض في منطقتنا يستخدمه كغرفة إنعاش، يبقى موصولًا بها خوفا من مواجهة الحاضر.
من السهولة أن تجد شخصين لا يعرفان حتى أساسيات الحياة اليومية، مثل سعر اللحم أو سعر البندورة او حقوقهما في الضمان الاجتماعي، إلا أنهما مستعدان لخوض جدالات سياسية حول أحداث تاريخية عتيقة، متعاملين معها وكأنها صراعات حاضرة.
هذا الانشغال بالماضي يتجلى في حفظ تفاصيل الصراعات القديمة أكثر من قوانين العصر أو الحقوق الأساسية وغالبًا ما تعاد هذه الخلافات واجترارها ليس حبا في التاريخ، بل بسبب استثمار سياسي وطائفي، حيث يستخدمها بعض الزعماء لتعبئة الجماهير، بهدف التشويش وتغير، وتحويل الانتباه عن الفقر، الفساد، والتخلف العلمي. يصبح التاريخ سلاحًا سياسيًا بدل أن يكون وسيلة للتعلم، ويُستغل لإعادة تدوير الكراهية عبر الأجيال.
في بلادنا يتم التعامل مع التاريخ في كثير من الاحيان بعقلية المشجع الرياضي، حيث يختزل إلى اختيار "البطل المفضل"، وتحويل الطرف الآخر إلى الشر المطلق، دون فهم السياق الاجتماعي والسياسي لتلك المرحلة. وبهذه الطريقة، يصبح مواجهة الماضي أسهل من مواجهة الحاضر والفشل الحالي.
الأخطر هو أن هذا الانقسام الداخلي يصب في مصلحة أعداء المنطقة، الذين يراقبون بسعادة جماهيرًا منشغلة بالصراعات القديمة، بينما يتم التلاعب بالواقع السياسي والاقتصادي للمنطقة بلا مقاومة.
كلما تعمقت الكراهية الداخلية، أصبح المجتمع هشا وسهل الاختراق، وتحولت الخلافات القديمة إلى فخ دائم يسرق الحاضر ويعرقل المستقبل
لو عاش أبطال تلك الصراعات اليوم، لربما اندهشوا من أن أجيالًا تفرغت لحراسة نزاعات مضت، بينما لم يتمكن الناس من الاتفاق على أبسط مصالحهم المشتركة، تاركين الماضي يتحكم في حاضرهم ومستقبلهم.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 00:00