سباق المليار.. هل تمنح 'نماذج العالم' وعياً حقيقياً للذكاء الاصطناعي؟

نيسان ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 00:00
خلف الكواليس الرقمية، يدور صراع صامت يتجاوز هوس النصوص والدردشة؛ صراع يقوده عمالقة التكنولوجيا لكسر القيد الأكبر في عالم الآلة وهو "الواقع المادي".
إن حرب المليارات المشتعلة اليوم لا تستهدف مجرد تحسين برمجيات تقليدية، بل تندفع نحو رهان أعمق يمس جوهر الوعي: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتوقف عن حفظ الكلمات، ويبدأ في فهم فيزياء الكون وكأنه كائن يدرك ويعقل؟
تبدأ مهارة إدراك الوجود عند البشر بلعبة بسيطة في مرحلة الطفولة المبكرة؛ فعندما تختفي الوجوه ثم تظهر فجأة، لا يتعلم الرضيع مجرد رصد الأنماط، بل يبدأ في بناء نموذج داخلي مبسط لكيفية عمل البيئة من حوله. وببلوغه العام الأول، يدرك الطفل تماماً أن الكرة التي تدحرجت خلف الأريكة لم تتلاشَ من الوجود بل لا تزال قائمة، وهو المفهوم الإدراكي الذي تفتقر إليه أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية بشكل موثوق رغم براعتها اللغوية الفائقة.
المحاكاة الفيزيائية
تكمن المعضلة الأساسية في أن النماذج الحالية تستطيع وصف ما يقع أمامها مباشرة، لكنها تعجز عن استيعاب المفاهيم المخفية أو التنبؤ بالخطوة التالية في سلسلة من الأفعال. ويرى كبار الباحثين أن الحل يكمن في ابتكار "نماذج العالم" (World Models)، وهي أنظمة مصممة لتدريب الآلة على ملايين الساعات من لقطات الفيديو لبناء صورة داخلية دقيقة تحاكي القوانين الفيزيائية، مما يمنح السيارات ذاتية القيادة والروبوتات المنزلية القدرة على استباق الأحداث وتفادي المخاطر المادية.
استثمارات مليارية
تحول هذا التوجه من فكرة بحثية فرعية إلى بؤرة اهتمام الصناعة، حيث كشفت غوغل عن مشروع "جين" (Project Genie) لتوليد بيئات تفاعلية واقعية تتوقع كيفية تطور العالم استجابة لأفعال المستخدم. وفي سياق متصل، نجحت العقول المؤسسة للمجال في جمع تمويلات ضخمة؛ إذ أسست البروفيسورة فاي-فاي لي شركة "وورلد لابس" عام 2024 بتمويل يقارب المليار دولار لمنح الآلة حساً ثلاثي الأبعاد، بينما أطلق يان ليكون شركة "أمي لابس" في مارس برأس مال يناهز المليار دولار لتجاوز قيد النماذج اللغوية التي يراها عاجزة تماماً أمام الواقع المادي.
الأحلام الرقمية
تعود الجذور المعرفية لهذا التحول إلى ورقة بحثية صاغها ديفيد ها ويورغن شميدهوبر عام 2018، اقترحت أن يتعلم الذكاء الاصطناعي عبر نسخة محاكاة لبيئته قبل الانخراط في الواقع. ويشبه ديفيد ها، الشريك المؤسس لشركة "ساكانا"، هذه العملية بالتدرب داخل "أحلام وهلوسات رقمية" تتيح للآلة الممارسة والتخطيط المسبق، وهو ما يصفه مينغ-يو ليو، نائب رئيس مختبر "كوزموس" في إنفيديا، بمنشأة تدريب توليدية تشبه بيئة فيلم "الماتريكس" توفر تغذية راجعة مستمرة لتعزيز المهارات.
البعد الرابع
تتعدد المقاربات بين الشركات الناشئة؛ إذ تعمل شركة "نيانتيك سباتيال" على تطوير نماذج الجغرافيا المكانية الضخمة مستعينة بأكثر من 30 مليار صورة ومسح ثلاثي الأبعاد تم جمعها من نشاط لاعبي "بوكيمون غو". وفي المقابل، تسعى شركة "ديكارت" في تل أبيب إلى دفع هذه النماذج نحو الزمن الفعلي وتوليد الفيديوهات بسرعة فائقة تطابق حركة المستخدم إطاراً بإطار، مما يفتح آفاقاً جديدة في قطاعات قياس الملابس الافتراضية وبث المحتوى الديناميكي.
يدمج قطاع آخر عنصر الزمن باعتباره بعداً رابعاً، مثل شركة "أوديسي" في بالو ألتو التي تركز على التنبؤ بكيفية تطور العالم مادياً وسلوكياً مباشرة من الفيديو لاستخدامه في الروبوتات والألعاب والرعاية الصحية. ورغم هذا الزخم، تصطدم الطموحات بعقبات اقتصادية وتقنية شديدة؛ فمحاكاة الواقع تتطلب قدرات حوسبة هائلة تفوق النماذج اللغوية، حيث يحتاج كل مستخدم لنظام "أوديسي 2" شريحة "H200" من إنفيديا، والتي تصل تكلفة الوحدة منها إلى 40,000 دولار.
تشكل البيانات تحدياً إضافياً بالنظر إلى تعقيد وصعوبة جمع وتصنيف مقاطع الفيديو مقارنة بالنصوص المتاحة على الإنترنت. ومع ذلك، يثق خبراء القطاع في القرب من تحقيق طفرة نوعية توازي لحظة ظهور التوليد النصي؛ حيث يؤكد ليو من إنفيديا أن الخلطة التقنية الصحيحة بدأت تتبلور، وأن الهدف الأسمى يتجسد في تمكين الروبوتات من اكتساب مهارات جديدة ومعقدة بمجرد عرض أمثلة توضيحية معدودة وتطبيقها بدقة وثبات.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/20 الساعة 00:00