شكراً لـ'أسطول الصمود العالمي'
نيسان ـ نشر في 2026/05/21 الساعة 00:00
شكراً لـ«أسطول الصمود العالمي»، ولأساطيل الحرية التي ما تزال على الرغم من الاعتراضات الحربية والمصادرات والتهديدات والاعتقال والترهيب، تذكّر العالم بأن هناك شعباً محاصراً يعيش خلف جدران البارود والنار منذ سنوات طويلة، وأن حرب الإبادة مستمرة، وإن كانت قد توقفت شكلياً. هذه السُّفن الصغيرة المدنية كبيرة أفعالها، أكبر من البوارج والغواصات ومن الجيوش الهائلة العدد الجيّدة التدريب، فهي تسهم إلى حد كبير في إبقاء معاناة سكان قطاع غزة حيّة في ضمير أحرار العالم، إنها صوت المظلومين والمستضعفين.
هذه القوارب الصغيرة لا تحمل مساعدات إنسانية فقط، بل تطلق رسالة يضطر العالم إلى سماعها، فهي تقول، إن الحصار ليس خبراً عادياً يمكن إخفاؤه عن الشاشات، بل واقع إنساني قاسٍ يعيشه ملايين البشر. في زمن يتعب فيه العالم سريعاً من المآسي لكثرتها، ولأن البشر يميلون أكثر إلى الأخبار المفرحة والترفيهية، تصبح مجرد محاولة الوصول إلى غزة، فعلاً رمزياً يكسر الصمت والنسيان والتجاهل المتعمّد، أو تجاهل قلّة الحيلة. شكراً لكل طبيب وصحافي وناشط سياسي وفنان ومؤثر وإنسان عادي ومجهول الاسم والعنوان، خاطر بسلامته كي يقول للمحاصرين في قطاع غزة، إنهم ليسوا وحدهم، وإن هناك من يسمع أنينهم، وينبّه العالم إلى أحد أبشع جرائم العصر المستمرة منذ سنوات.
سفن تحمل ضمائر حية من كل أرجاء العالم، قادرة على تحويل الحصار من ملف أمني إسرائيلي إلى سؤال أخلاقي يطوف العالم بأسره
تستطيع القوة العسكرية اعتراض السفن وحتى إغراقها لو شاءت، لكنها لا تستطيع اعتراض الفكرة نفسها التي تطرق أبواب وجدران العالم وتطرح في وجهه سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً.. إلى متى هذا الظلم وهذه الهمجية؟ لهذا تبدو هذه الأساطيل مزعجة جداً، فهي بمثابرتها تكسر محاولة تطبيع حالة المعاناة الإنسانية في القطاع، وتحويلها إلى أمر اعتيادي يتقبّله العالم، أو يتجاهله، أو يتظاهر بجهل ما يجري وراء هذه الجدران. حين سيطرت إسرائيل على «أسطول الصمود العالمي» الأخير وما سبقه من أساطيل، لم تكن تواجه قوة بحرية ولا عدواناً على شواطئها، بل كانت تواجه صورة سياسية وأخلاقية تُحرجها. هذه السفن تحمل ضمائر حية من كل أرجاء العالم، قادرة على تحويل الحصار من ملف أمني إسرائيلي إلى سؤال أخلاقي يطوف العالم بأسره. لهذا يبدو التعامل الإسرائيلي مع هذه الأساطيل متوتراً إلى حد كبير وكأنه خطر عظيم داهم.. إضافة إلى محاولات تشويه صورة المشاركين أخلاقياً، مثل نشر خبر تافه «العثور على سموم في حوزة بعض المشاركين». ويختتمون الخبر المتعلق بالسيطرة على سفن الأسطول بعبارة «هذا ولم تسجل أي خسائر لقواتنا»، في إيحاء كأنها كانت في معركة حربية في مواجهة سفن خطيرة.
منذ اول محاولة لكسر الحصار على سفينة مرمرة عام 2010، التي قتلت فيها إسرائيل عدداً من المدنيين الأتراك، كان واضحاً أن هذه القوافل السلمية لا تستطيع كسر الحصار العسكري، ولكنها تستطيع كسر الرواية الإسرائيلية المريحة، التي تريد للعالم أن يرى غزة من زاوية مسلحين و»إرهاب» فقط. منذ ذلك الوقت تحولت الأساطيل إلى ظاهرة عالمية متكررة ضمت آلاف المشاركين من عشرات الدول من مختلف الفئات الاجتماعية. آلاف من البشر جمعهم الإحساس بالألم الإنساني ومحاولة القول إن غزة ليست ساحة حرب بعيدة، وليست شأناً فلسطينياً فقط، ولا حتى عربياً أو إسلامياً فقط، بل هي قضية تخصُّ كل من ما زال يحتفظ بمشاعر إنسانية. لم تعد هذه الحملات مجرد مبادرات تضامن عابرة، بل أصبحت شبكة عالمية تربط حركات حقوقية ومدنية من مختلف بقاع العالم. العدوان على المدنيين وقتل عدد منهم في «مرمرة» عام 2010 كشف استعداد إسرائيل لاستخدام القوة القاتلة في عرض البحر، ضد مدنيين لم يحملوا سلاحا، ولم يشكلوا أي خطر على أحد، أو على منشآت فقط كانوا يحملون رسالة تضامن للمحاصرين. أما الأساطيل الصغيرة اللاحقة، مثل «حنظلة» والقوارب الرمزية الأخرى، فكانت أشبه بمحاولات إبقاء الجرح مفتوحاً أمام الإعلام العالمي، كي لا تتحول غزة إلى خبر قديم.
من اللافت اشتراك شخصيات عالمية خلال هذه الأساطيل بعضهم حاصل على جائزة نوبل للسلام، ومنهم برلمانيون وفنانون وحتى رئيس حكومة سابق مثل منصف المرزوقي. «أسطول الصمود العالمي» الأخير تميّز بمشاركة دولية أوسع، وبمحاولة تحويل فكرة التضامن مع غزة إلى تحالف مدني عالمي، يضم شخصيات من مختلف بقاع الأرض. ومن اللافت أيضا مشاركة الدكتورة مارغريت كونولي شقيقة رئيسة وزراء إيرلندا التي اعتقلت مع بقية المشاركين، ورد فعل شقيقتها رئيسة الوزراء كاترين كونولي، التي عبرت عن افتخارها بشقيقتها إلى جانب قلقها عليها.
في الأيام الأخيرة أثار لاعب برشلونة لامين يامال الجدل بعدما ظهر خلال احتفالات تتويج برشلونة بطل الدوري الإسباني وهو يرفع علم فلسطين، وهذا استفز وزير حرب واحد من أقوى جيوش المنطقة، فراح يطالب فريق برشلونة بالاعتذار، وكأنه يخاطب مجموعة أطفال. هناك قلق إسرائيلي حقيقي على خسارة الرواية، التي كانت لعقود طويلة تحت السيطرة الإسرائيلية على المستوى الرسمي والشعبي، قلق من خروج الساحات الفنية والرياضية والثقافية والطلابية عموماً، من سيطرة الإعلام الرسمي والسلطات التقليدية التي تستطيع أذرع إسرائيل إسكاتها. إسرائيل سعت وتسعى دائماً إلى أن تبقي صراعها مع الفلسطينيين صراعاً داخلياً، لا يعرف العالم تفاصيله، حوّلته لفترة طويلة إلى خلافات تبدو للبعيد كسوء تفاهم بين قلّة من مستوطنين «خارجين عن القانون»، وبين بعض الفلسطينيين المتطرفين، وقد صدّقتها وتداولتها قطاعات واسعة عبر العالم، في أوقات لم يكن العرب مدركين لأهمية الإدارة الإعلامية للصراع. لهذا يمكن فهم حالة التوتر والهستيريا تجاه الإعلام العالمي ومنصات التواصل، وكل توجه في الفضاء الثقافي والرياضي والفني وغيره يقضم من الرواية الإسرائيلية لصالح الرواية الفلسطينية.
رد الفعل الإسرائيلي يمكن تسميته «رهاب الصورة». هذه المرة خاطبت البحرية الإسرائيلية ركاب السُّفن، وسجلت الصوت والصورة بكلام لطيف، بل توددت فيه إلى المُبحرين، أن لا تخافوا، نحن ندرك أنكم غير مسلحين وغيرها. في محاولة لإنقاذ الصورة العدوانية التي تشكلت خلال اعتداءاتها على الأساطيل السابقة. لكن يأبى بن غفير وزير ما يسمى الأمن القومي إلا أن يُظهر الوجه الهمجي الحقيقي للاحتلال، فينكل بهم بنفسه ويصفهم بالمخربين ومؤيدي الإرهاب ويطالب بتشديد العقوبات ضدهم. وعى الرغم من محدودية قدرتها العملية، فإن هذه الأساطيل مزعجة جداً للاحتلال وتفضح من يحاولون تجاهل حقيقة وجود حصار منذ سنوات، يمنع فيه دخول الكثير من أساسيات الحياة، ويحظر فيه على الناس الخروج من بين الجدران، حتى للعلاج أو للبحث عن باب رزق. هذه الأساطيل لا تهدد إسرائيل عسكرياً، بل تهدد احتكار الرواية، وفي عصر الإعلام المفتوح قد يكون هذا أخطر بكثير من أي مواجهة بحرية تقليدية.
هذه القوارب الصغيرة لا تحمل مساعدات إنسانية فقط، بل تطلق رسالة يضطر العالم إلى سماعها، فهي تقول، إن الحصار ليس خبراً عادياً يمكن إخفاؤه عن الشاشات، بل واقع إنساني قاسٍ يعيشه ملايين البشر. في زمن يتعب فيه العالم سريعاً من المآسي لكثرتها، ولأن البشر يميلون أكثر إلى الأخبار المفرحة والترفيهية، تصبح مجرد محاولة الوصول إلى غزة، فعلاً رمزياً يكسر الصمت والنسيان والتجاهل المتعمّد، أو تجاهل قلّة الحيلة. شكراً لكل طبيب وصحافي وناشط سياسي وفنان ومؤثر وإنسان عادي ومجهول الاسم والعنوان، خاطر بسلامته كي يقول للمحاصرين في قطاع غزة، إنهم ليسوا وحدهم، وإن هناك من يسمع أنينهم، وينبّه العالم إلى أحد أبشع جرائم العصر المستمرة منذ سنوات.
سفن تحمل ضمائر حية من كل أرجاء العالم، قادرة على تحويل الحصار من ملف أمني إسرائيلي إلى سؤال أخلاقي يطوف العالم بأسره
تستطيع القوة العسكرية اعتراض السفن وحتى إغراقها لو شاءت، لكنها لا تستطيع اعتراض الفكرة نفسها التي تطرق أبواب وجدران العالم وتطرح في وجهه سؤالاً أخلاقياً مفتوحاً.. إلى متى هذا الظلم وهذه الهمجية؟ لهذا تبدو هذه الأساطيل مزعجة جداً، فهي بمثابرتها تكسر محاولة تطبيع حالة المعاناة الإنسانية في القطاع، وتحويلها إلى أمر اعتيادي يتقبّله العالم، أو يتجاهله، أو يتظاهر بجهل ما يجري وراء هذه الجدران. حين سيطرت إسرائيل على «أسطول الصمود العالمي» الأخير وما سبقه من أساطيل، لم تكن تواجه قوة بحرية ولا عدواناً على شواطئها، بل كانت تواجه صورة سياسية وأخلاقية تُحرجها. هذه السفن تحمل ضمائر حية من كل أرجاء العالم، قادرة على تحويل الحصار من ملف أمني إسرائيلي إلى سؤال أخلاقي يطوف العالم بأسره. لهذا يبدو التعامل الإسرائيلي مع هذه الأساطيل متوتراً إلى حد كبير وكأنه خطر عظيم داهم.. إضافة إلى محاولات تشويه صورة المشاركين أخلاقياً، مثل نشر خبر تافه «العثور على سموم في حوزة بعض المشاركين». ويختتمون الخبر المتعلق بالسيطرة على سفن الأسطول بعبارة «هذا ولم تسجل أي خسائر لقواتنا»، في إيحاء كأنها كانت في معركة حربية في مواجهة سفن خطيرة.
منذ اول محاولة لكسر الحصار على سفينة مرمرة عام 2010، التي قتلت فيها إسرائيل عدداً من المدنيين الأتراك، كان واضحاً أن هذه القوافل السلمية لا تستطيع كسر الحصار العسكري، ولكنها تستطيع كسر الرواية الإسرائيلية المريحة، التي تريد للعالم أن يرى غزة من زاوية مسلحين و»إرهاب» فقط. منذ ذلك الوقت تحولت الأساطيل إلى ظاهرة عالمية متكررة ضمت آلاف المشاركين من عشرات الدول من مختلف الفئات الاجتماعية. آلاف من البشر جمعهم الإحساس بالألم الإنساني ومحاولة القول إن غزة ليست ساحة حرب بعيدة، وليست شأناً فلسطينياً فقط، ولا حتى عربياً أو إسلامياً فقط، بل هي قضية تخصُّ كل من ما زال يحتفظ بمشاعر إنسانية. لم تعد هذه الحملات مجرد مبادرات تضامن عابرة، بل أصبحت شبكة عالمية تربط حركات حقوقية ومدنية من مختلف بقاع العالم. العدوان على المدنيين وقتل عدد منهم في «مرمرة» عام 2010 كشف استعداد إسرائيل لاستخدام القوة القاتلة في عرض البحر، ضد مدنيين لم يحملوا سلاحا، ولم يشكلوا أي خطر على أحد، أو على منشآت فقط كانوا يحملون رسالة تضامن للمحاصرين. أما الأساطيل الصغيرة اللاحقة، مثل «حنظلة» والقوارب الرمزية الأخرى، فكانت أشبه بمحاولات إبقاء الجرح مفتوحاً أمام الإعلام العالمي، كي لا تتحول غزة إلى خبر قديم.
من اللافت اشتراك شخصيات عالمية خلال هذه الأساطيل بعضهم حاصل على جائزة نوبل للسلام، ومنهم برلمانيون وفنانون وحتى رئيس حكومة سابق مثل منصف المرزوقي. «أسطول الصمود العالمي» الأخير تميّز بمشاركة دولية أوسع، وبمحاولة تحويل فكرة التضامن مع غزة إلى تحالف مدني عالمي، يضم شخصيات من مختلف بقاع الأرض. ومن اللافت أيضا مشاركة الدكتورة مارغريت كونولي شقيقة رئيسة وزراء إيرلندا التي اعتقلت مع بقية المشاركين، ورد فعل شقيقتها رئيسة الوزراء كاترين كونولي، التي عبرت عن افتخارها بشقيقتها إلى جانب قلقها عليها.
في الأيام الأخيرة أثار لاعب برشلونة لامين يامال الجدل بعدما ظهر خلال احتفالات تتويج برشلونة بطل الدوري الإسباني وهو يرفع علم فلسطين، وهذا استفز وزير حرب واحد من أقوى جيوش المنطقة، فراح يطالب فريق برشلونة بالاعتذار، وكأنه يخاطب مجموعة أطفال. هناك قلق إسرائيلي حقيقي على خسارة الرواية، التي كانت لعقود طويلة تحت السيطرة الإسرائيلية على المستوى الرسمي والشعبي، قلق من خروج الساحات الفنية والرياضية والثقافية والطلابية عموماً، من سيطرة الإعلام الرسمي والسلطات التقليدية التي تستطيع أذرع إسرائيل إسكاتها. إسرائيل سعت وتسعى دائماً إلى أن تبقي صراعها مع الفلسطينيين صراعاً داخلياً، لا يعرف العالم تفاصيله، حوّلته لفترة طويلة إلى خلافات تبدو للبعيد كسوء تفاهم بين قلّة من مستوطنين «خارجين عن القانون»، وبين بعض الفلسطينيين المتطرفين، وقد صدّقتها وتداولتها قطاعات واسعة عبر العالم، في أوقات لم يكن العرب مدركين لأهمية الإدارة الإعلامية للصراع. لهذا يمكن فهم حالة التوتر والهستيريا تجاه الإعلام العالمي ومنصات التواصل، وكل توجه في الفضاء الثقافي والرياضي والفني وغيره يقضم من الرواية الإسرائيلية لصالح الرواية الفلسطينية.
رد الفعل الإسرائيلي يمكن تسميته «رهاب الصورة». هذه المرة خاطبت البحرية الإسرائيلية ركاب السُّفن، وسجلت الصوت والصورة بكلام لطيف، بل توددت فيه إلى المُبحرين، أن لا تخافوا، نحن ندرك أنكم غير مسلحين وغيرها. في محاولة لإنقاذ الصورة العدوانية التي تشكلت خلال اعتداءاتها على الأساطيل السابقة. لكن يأبى بن غفير وزير ما يسمى الأمن القومي إلا أن يُظهر الوجه الهمجي الحقيقي للاحتلال، فينكل بهم بنفسه ويصفهم بالمخربين ومؤيدي الإرهاب ويطالب بتشديد العقوبات ضدهم. وعى الرغم من محدودية قدرتها العملية، فإن هذه الأساطيل مزعجة جداً للاحتلال وتفضح من يحاولون تجاهل حقيقة وجود حصار منذ سنوات، يمنع فيه دخول الكثير من أساسيات الحياة، ويحظر فيه على الناس الخروج من بين الجدران، حتى للعلاج أو للبحث عن باب رزق. هذه الأساطيل لا تهدد إسرائيل عسكرياً، بل تهدد احتكار الرواية، وفي عصر الإعلام المفتوح قد يكون هذا أخطر بكثير من أي مواجهة بحرية تقليدية.
نيسان ـ نشر في 2026/05/21 الساعة 00:00