تسليع الوعي

رمزي الغزوي
نيسان ـ نشر في 2026/05/24 الساعة 00:00
لم تعد التفاهة طارئة على حياتنا، ولا عارضا موسميا يمكن احتماله ريثما تعود الأمور إلى نصابها. إنها اليوم نظام عمل متكامل، له أدواته وحراسه ومكافآته السخية، ويتحرك بثقة داخل حياتنا اليومية حتى يكاد يبدو أمرا طبيعيا لا يثير الانتباه. وعلىعكس ما نحب أن نصدّق، فهي لا تزدهر لأن الناس سذج فحسب، وإنما لأنها تُدار بذكاء بارد، وتحالف خفي بين الخوارزميات وغرائز البشر، حيث يتحول الانتباه إلى سلعة، ويصبح الضجيج طريقا مختصرا إلى النفوذ والشهرة والربح.
في السابق كانت التفاهة تخجل من نفسها. تقف على الهامش، وتتسلل في استراحات الفراغ، ثم تنسحب عند حضور المعنى. أما اليوم فقد اعتلت المنصات، ورفعت صوتها، وصارت تطلب منا الإعجاب لا الصفح. لم يعد السؤال: ماذا أقدم؟ وإنما: كيف أُرى؟ كيف أُصدم؟ وكيف أثير الفضول ولو على حساب العقل والذوق والكرامة؟
الخوارزميات لا تفهم الأخلاق، ولا تعبأ بالمعنى. إنها آلات تحصي النبضات، وتعد النظرات، وتكافئ كل ما يطيل زمن التحديق، حتى لو كان هذا التحديق مشوبا بالقرف أو الدهشة السلبية. هي لا تميز بين محتوى يرفع الإنسان وآخر يسحبه من كاحليه إلى القاع. المهم أن يبقى الإصبع على الشاشة، والعين معلقة، والعقل في إجازة مفتوحة.
وهنا لا يعود الأمر مجرد ذوق شخصي، ولا قضية حرية تعبير كما يحب البعض أن يخفف وطأته. نحن أمام انزلاق ناعم وخطير في تعريف القيمة نفسها. حين يصبح الجسد اختصارا للإنسان، والصوت العالي بديلا عن الفكرة، والوقاحة دليلا على الجرأة، فإننا لا نمارس حرية حقيقية، وإنما نعيد برمجة الوعي على قبول الرداءة بوصفها جزءا عاديا من الحياة.
التفاهة هنا لا تكتفي بأن تكون محتوى، وإنما تتحول إلى عدسة نرى من خلالها العالم، وإلى معيار نقيس به النجاح، وإلى لغة يومية تفرغ الكلمات من أثقالها الأخلاقية والإنسانية. وحين تفقد الكلمات معناها، يفقد الإنسان بوصلته، ويصبح أكثر قابلية للتوجيه، لا عبر التفكير، وإنما عبر الإغراء والصدمة والتكرار.
يظن صانع المحتوى الهابط أنه انتصر لأنه حصد المشاهدات، وجمع المتابعين، وفتح باب الدخل السريع، لكنه في الحقيقة خضع لشروط لعبة قاسية لا ترحم أحدا. عليه أن يذهب أبعد في الإسفاف، وأعمق في الابتذال، حتى يبقى داخل الضوء. فالخوارزمية تشبه وحشا جائعا لا يشبع، ولا يتذكر من أطعمه بالأمس.
الأخطر من ذلك كله أن هذا الضجيج المتواصل يخلق وهما جمعيا بأن التفاهة هي القاعدة، وأن العمق استثناء نخبوي ثقيل الظل. وهكذا ينسحب أصحاب الأسئلة، ويتوارى الذين يكتبون على مهل، ويُترك المجال واسعا لمن يتقنون الرقص على الحواف وإثارة الضجيج.
ومع ذلك يقول التاريخ، بهدوء لا يخطئه السمع: التفاهة صاخبة قصيرة النفس، أما المعنى، وإن مشى ببطء، فهو وحده القادر على البقاء.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/24 الساعة 00:00