بنات قبائل الطوارق في البرلمان الجزائري

ناصر جابي
نيسان ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 00:00
لا يعرف الكثير من الجزائريين، أن المرأة الجزائرية في مناطق أقصى الجنوب بولايات الهقار، مثل تمنراست، إليزي وجانت، أكثر تحررا في علاقاتها مع مجتمعها ورجاله داخل البيت وخارجه، من بنات جنسها في بعض مناطق الشمال والهضاب العليا. نتيجة الخصوصيات الأنثروبولوجية التي تميز مكانة المرأة في هذه المنطقة، التي تعودنا التعامل معها نحن أبناء الشمال بمنظار استشراقي، يرفض الاعتراف بهذه الخصوصيات، التي حافظت عليها المرأة الطرقية على مستوى أكثر من مجال اقتصادي. اجتماعي وثقافي. احتلت بموجبه مكان العمود الفقري للمجتمع الترقي على مستوى اتخاذ القرار، ضمن تركيبة اجتماعية، احترمت المرأة ومنحتها مكانة مركزية، انتبهت لها الكثير من الدراسات، أنجزها في الغالب عسكريون متخصصون في مجال الجغرافيا البشرية وعلوم الإنسان الأخرى – التي اهتمت بهذا الجزء من التراب الوطني منذ المراحل الأولى للاستعمار الفرنسي الذي تأخر في الدخول إلى هذه المناطق بما يقارب نصف القرن عن مناطق الشمال. (تم احتلال مدينة جانت في 1909وتنمراسنت في 1904).
خصوصيات لم يتم تقنينها على المستوى القانوني، من قبل الدولة الوطنية بعد الاستقلال، خسرت معه المرأة الطرقية بعض ما يميزها إيجابا، نتيجة الاحتكاك بين المجتمع المحلي والوطني العام، الذي استعان بالكم الديموغرافي ومؤسسات الدولة المركزية بإطارها القانوني الجديد، رفضت في الغالب الاعتراف بهذه الخصوصيات المحلية، التي عادتها وحاربتها، حتى عندما كانت لصالح المواطن والمجتمع، في سعيها للبحث عن تجانس اجتماعي مطلوب تسويقه كجزء من أيديولوجية وطنية يعقوبية، تم تطويرها بعد الاستقلال، لم تكترث كثيرا بالخصوصيات المحلية.
قائمة «تجمع المرأة الصحراوية»، ستكون سابقة تاريخية، مهما كان المصير الذي ينتظرها بما فيه مرورها لمرحلة الترشيح الرسمي الذي يبدو أنها تمكنت من الوصول إليه، بعد جمع التوقيعات المطلوبة
هذا ما جاءت تذكرنا به القائمة النسوية المستقلة من المرشحات للانتخابات التشريعية القادمة في 2 يوليو المقبل، المكونة من ثماني نساء فقط من دون رجال. عكست هذه المكانة المتميزة التي تحتلها المرأة الطرقية في ولاية إليزي، على غرار باقي ولايات منطقة الهقار بأقصى جنوب الجزائر المحاذية للمناطق الحدودية الجنوبية مع ليبيا النيجر ومالي. قائمة ترشيحات لم يكن من الممكن أن يتم تبنيها من قبل حزب سياسي جزائري، من تلك الأحزاب التي تسيطر عليها قيادات من شمال البلاد، لم تحاول فهم ما يميز مجتمع الجنوب من خصوصيات لصالح المرأة، حتى وهي تتبنى وجوها تقليدية من أبناء الطوارق الرجال، تعودت على تقديمهم للانتخابات التشريعية، كما كان الحال مع الحاج موسى أخموخ رحمه الله، وبعض الوجوه الأخرى التي مثلت المنطقة لدى السلطة المركزية في العاصمة، عبر أحزاب السلطة أو القوائم المستقلة التي ظهرت كموضة في السنوات الأخيرة، حاولت الأجيال الجديدة التمرد من خلالها على الوجوه التقليدية المتهمة بالقرب الكبير من السلطة، لم تظهر نساء داخلها كقاعدة عامة.
عكس الحالة التي نتكلم عنها اليوم، عبر القائمة النسوية التي استغلت القانون الانتخابي الذي لا يمنع الحد الأقصى من النساء المرشحات في القوائم الانتخابية، وهو يحدد الحد الأدنى الذي يجب ألا يقل عن الثلث، بعد التخلص من نظام المناصفة وكل أشكال التمييز الإيجابي، التي كانت حاضرة. كانت فرصة للمرأة بالبروز بقوة داخل البرلمان، احتلت بموجبه الجزائر المكانة الأولى عربيا بأكثر من ثلث البرلمان من النساء، خلال العهدة البرلمانية 2012-2017. لم يقبل بها الفكر الذكوري المسيطر على الساحة السياسية، وداخل الأحزاب مع الوقت، حاول أن يقايضها بفتح العهدات الرئاسية، كما فعل بوتفليقة في التعديل الدستوري لسنة 2008. أكًد من خلالها أنه ابن مجتمع وجيل ذكوري، قبل أن يكون ذلك السياسي الليبرالي، الذي تم الترويج له قبل ترشحه للرئاسة في 1999.
لم تتسرب إلا معلومات شحيحة حول النساء المرشحات ضمن هذه القائمة المؤنثة كليا، التي سمت نفسها «تجمع المرأة الصحراوية»، ستكون سابقة تاريخية، مهما كان المصير النهائي الذي ينتظرها بما فيه مرورها إلى مرحلة الترشيح الرسمي الذي يبدو أنها تمكنت من الوصول إليه، بعد جمع التوقيعات المطلوبة. في انتظار النتائج النهائية للاستحقاق لهذه القائمة التي لم تعرف من بين أعضائها إلا سيدة واحدة، رويبح عوالي، قدمها الإعلام الوطني كدكتورا في علم النفس. ضمن حالة سياسية وطنية استفادت داخلها المرأة من نتائج انتشار التعليم العالي، حتى إن تأخر في الانتشار في أقصى الجنوب، كما يمكن تلمسه عبر الضعف الملاحظ في ظهور النخب المجتمعية من كل نوع في هذه المنطقة الصحراوية البعيدة. انعكس بدوره على ضعف حضور النخب السياسية التي يمكن أن نأخذ كمؤشر لها عدد الوزراء والوزيرات بالعدد الضعيف الذي ميز حضورهم والمواقع النمطية التي احتلوها لفترات قصيرة في الغالب – وزارة السياحة كمثال – ضمن المشهد السياسي الوطني الذي غاب فيه تنوع النخب، لم يظهر فيه الضابط العسكري الكبير والمدير والوالي الخ.
عدة عوامل جيوسياسية وديموغرافية يمكن أن تفسر الحالة التي تظهر بها النخب الجنوبية، على رأسها الهشاشة الديموغرافية للمكون البشري المحلي، والبُعد عن مراكز القرار السياسي بأقصى الجنوب، زيادة على بعض الاعتبارات المربوطة بالطابع القبلي للتركيبة الاجتماعية في هذه المناطق الصحراوية الحدودية الواسعة. ليس في نيتنا إنجاز قراءة «ساذجة» للمشهد السياسي الوطني، اعتمادا فقط على هذه المعطيات المتعلقة بمكانة المرأة في مجتمع الطوارق، الذي عبرت عنه قائمة الترشيحات هذه، بما ميزها من جرأة، إيمانا منا بأن المشهد السياسي أكثر تعقيدا وهو يعيش خلال هذا الظرف بالذات حالة ركود لا تخفى على عين الملاحظ. لن يعرف تغييرات جوهرية بعد نجاح هذه القائمة التي ستجد نفسها في بحر سياسي راكد لن تؤثر فيه قائمة انتخابية واحدة مهما كانت القيم الإيجابية التي تعكسها. ستساهم من دون شك في إدخال تنوع أكثر على التركيبة السوسيولوجية للبرلمان الجزائري، لكنها لن تخلق لوحدها برلمانا ممثلا وفعالا يساهم في إثراء الحياة السياسية في البلد. يقوم بما هو مطلوب منه، كتجربة برلمانية ما زالت تحتاجها الجزائر، لأنها لم تعشها حتى الآن ببساطة.
هذا الامر يتطلب أكثر من شرط ليس متوفرا في الحالة السياسية الجزائرية القائمة. المتسمة بمستويات غلق عالية وصلتها في السنوات الأخيرة، بعد توقف مسيرات الحراك، منها تحديدا بناء إطار مؤسساتي سياسي يتمتع بالحرية والشفافية، سواء تعلق الأمر بالحزب أو البرلمان الذي يفترض إنتاجه عبر انتخابات سياسية يشارك فيها المواطن وتتنافس فيها الأحزاب والبرامج السياسية بكل حرية. حياة سياسية يتمتع فيها المواطن بضمان حرياته الأساسية في إبداء الرأي في الشأن العام، من دون خوف، عبر إعلام وطني تعددي يعكس التنوع المجتمعي والسياسي. كشروط أساسية قبلية لأي تغيير سياسي جدي ما زال ينتظره الجزائريون.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 00:00