أسرار الخلاف الأخير بين ترامب ونتنياهو
نيسان ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 00:00
في السياسة لا توجد صداقات دائمة، حتى بين أكثر الحلفاء التصاقا، وما يجري اليوم بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يكشف أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي، رغم صلابته التاريخية، ليس محصنا من الصدام حين تتعارض الحسابات الشخصية مع المصالح الاستراتيجية. فالاثنان قدّما نفسيهما لسنوات بوصفهما ثنائياً متماهيا في الرؤية والمصالح، وصلا اليوم إلى لحظة توتر غير مسبوقة بسبب الحرب مع إيران، ومستقبل الشرق الأوسط، وحدود القوة الأمريكية نفسها.
الخلاف الأخير لم ينفجر فجأة، بل تراكم بصمت خلال الأشهر الماضية، فنتنياهو الذي أمضى عقودا يدفع واشنطن نحو مواجهة شاملة مع طهران، اعتقد أن حرب فبراير 2026 ستكون اللحظة الحاسمة لإسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل تدمير قدراته الاستراتيجية. وتشير تقارير صحافية أمريكية وإسرائيلية إلى أن نتنياهو أقنع ترامب بأن الحرب ستكون «سريعة ونظيفة»، وأن النظام الإيراني «يقف على حافة الانهيار»، وأن الضربة المشتركة ستعيد رسم المنطقة خلال أيام قليلة.
ترامب رغم دعمه غير المشروط لإسرائيل، بدأ يتصرف انطلاقا من حسابات أمريكية خالصة تتعلق بكلفة الحرب واحتمالات توسعها إقليميا وتأثيرها على الاقتصاد العالمي
لكن ما حدث لاحقا كان مختلفا تماما؛ فإيران لم تنهَر، وتحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط دولية هائلة، والقواعد الأمريكية والخليجية تعرضت لضربات موجعة، فيما ارتفعت أسعار الطاقة عالميا، وبدأت أصوات داخل الإدارة الأمريكية تتحدث عن حرب استنزاف مفتوحة لا تشبه الوعود الإسرائيلية الأولى. هنا بدأ ترامب يكتشف أن نتنياهو دفعه إلى مواجهة أكثر تعقيدا مما تصور.
التقارير الأخيرة حول المكالمة الهاتفية المتوترة بينهما تكشف حجم الأزمة الحقيقية، فحسب عدة مصادر أمريكية وإسرائيلية، أبلغ ترامب نتنياهو خلال اتصال وصف بأنه كان «صعبا وطويلا»، أن واشنطن قررت منح الوساطات القطرية والباكستانية والعربية، فرصة إضافية للوصول إلى اتفاق مع إيران، بدلا من استئناف الضربات العسكرية فورا، أحد المصادر وصف حالة نتنياهو بعد المكالمة بالقول إن «شعر بيبي كان يشتعل غضبا». جوهر الخلاف هنا لا يتعلق بإيران فقط، بل بفلسفة إدارة الصراع. نتنياهو يريد حربا مفتوحة تستنزف إيران وتمنع أي تسوية تعيد تأهيلها إقليميا. أما ترامب فيتعامل بعقلية التاجر أكثر من عقلية الجنرال؛ هو يريد صفقة كبرى توقف الحرب، تضمن أمن إسرائيل نسبيا، وتمنحه إنجازا سياسيا ودبلوماسيا يمكن تسويقه داخليا وخارجيا. لهذا بدا واضحا أن البيت الأبيض بدأ يتحرك بعيدا عن الرؤية الإسرائيلية التقليدية، فترامب أوقف ضربات كانت مقررة ضد إيران، رغم أن العملية كانت تحمل اسما عسكريا جديدا هو «عملية المطرقة الثقيلة»، استجابة لضغوط خليجية ورغبة في فتح باب التفاوض. كما أكد في تصريحاته أنه «يفضل إنقاذ الأرواح عبر الانتظار بضعة أيام بدلا من قتل أعداد كبيرة»، مضيفا: «سنرى إن كان هناك اتفاق أو سنقوم بأشياء قاسية قليلا».
في المقابل، ينظر نتنياهو إلى هذا التراجع باعتباره خطأ استراتيجيا خطيرا، ومقتنع بأن إيران تستخدم المفاوضات لكسب الوقت، وإعادة بناء قدراتها العسكرية والنووية. لهذا ضغط عبر الاتصال الهاتفي على ترامب لاستئناف العمليات العسكرية فورا، محذرا من أن أي هدنة دبلوماسية ستمنح طهران فرصة لاستعادة أنفاسها. لكن المشكلة الأعمق أن ترامب لم يعد يرى المصالح الأمريكية متطابقة بالكامل مع الرؤية الإسرائيلية في إدارة الحرب مع إيران. فالرئيس الأمريكي، رغم دعمه غير المشروط لإسرائيل، بدأ يتصرف انطلاقا من حسابات أمريكية خالصة تتعلق بكلفة الحرب واحتمالات توسعها إقليميا وتأثيرها على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة. لذلك فضّل منح الوسطاء الخليجيين والباكستانيين فرصة لتحريك المفاوضات مع طهران، بينما كان نتنياهو يضغط باتجاه استئناف الضربات العسكرية فورا.
هذه التحولات تعكس صعود تيار داخل الحزب الجمهوري نفسه يدعو إلى تقليص الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، والتركيز على المصالح الأمريكية المباشرة. تقارير أمريكية تحدثت عن تنامي نفوذ تيار «أمريكا أولا» داخل إدارة ترامب، وهو تيار يرى أن إسرائيل تحاول أحيانا جر واشنطن إلى حروب مكلفة لا تخدم الأولويات الأمريكية الكبرى، خصوصا في ظل الصراع مع الصين والأزمات الاقتصادية الداخلية. ومن المفارقات أن ترامب نفسه، الذي منح نتنياهو خلال ولايته الأولى كل ما يريده تقريبا، من الانسحاب من الاتفاق النووي إلى نقل السفارة الأمريكية للقدس، بات اليوم أكثر براغماتية وأقل استعدادا لخوض مغامرات مفتوحة، بل إن بعض التحليلات الأمريكية ترى أن ترامب لم يغفر لنتنياهو اعترافه السريع بفوز جو بايدن في انتخابات 2020، وأن ذلك ترك جرحا شخصيا ظل كامنا حتى انفجر مع أزمة إيران الحالية. ورغم محاولات الطرفين إظهار العلاقة بصورة طبيعية، فإن التصريحات الأخيرة تحمل قدرا كبيرا من التوتر المستتر. ترامب قال حرفيا عن نتنياهو: «سيفعل ما أريده منه». وهي عبارة لا تبدو مجرد رسالة لإيران، بل أيضا تذكيرا لرئيس الحكومة الإسرائيلية بأن القرار النهائي يبقى في واشنطن لا في تل أبيب. أما نتنياهو، فحاول بدوره نفي وجود أزمة، مؤكدا أنه على «تنسيق كامل» مع ترامب، وأنه يتحدث معه «بشكل شبه يومي». غير أن المبالغة في نفي الخلاف دفعت محللين إسرائيليين إلى الاعتقاد بأن العلاقة تمر فعلا بمرحلة خطيرة. الباحثة داليا شايندلين علّقت ساخرة، بأن كثرة حديث نتنياهو عن «روعة العلاقة» تجعلها أكثر اقتناعا بأن التوتر بينهما أكبر مما يبدو.
إسرائيل تشعر أيضا بأنها باتت خارج بعض دوائر القرار المتعلقة بالمفاوضات مع إيران. تقارير صحافية تحدثت عن أن الوسطاء الباكستانيين والخليجيين باتوا يتحركون مباشرة بين واشنطن وطهران، بينما يضطر الإسرائيليون للاعتماد على أجهزتهم الاستخباراتية لمعرفة ما يجري. وهذه سابقة تثير قلق المؤسسة الإسرائيلية التي اعتادت أن تكون شريكا أساسيا في كل ما يتعلق بالملف الإيراني.
في المقابل، تنظر طهران إلى التوتر بين ترامب ونتنياهو باعتباره مؤشرا على نجاح الاستراتيجية الإيرانية، في منع تشكل جبهة أمريكية إسرائيلية موحدة حول الحرب، فالإيرانيون يدركون أن أي تباين داخل هذا التحالف يمنحهم مساحة إضافية للمناورة السياسية والعسكرية، لهذا حرصت التصريحات الإيرانية الأخيرة على الجمع بين التهديد والمرونة في آن واحد؛ إذ أعلن الحرس الثوري أن أي هجوم جديد سيؤدي إلى «حرب تتجاوز حدود المنطقة»، بينما واصلت الخارجية الإيرانية الحديث عن دراسة المقترحات الأمريكية، والرد عليها عبر الوسطاء. كما تعتقد طهران أن إطالة أمد التفاوض تستنزف خصومها سياسيا واقتصاديا، خصوصا مع تزايد التململ داخل واشنطن من كلفة الحرب واحتمالات توسعها.
وفي الخلفية، يدرك ترامب أن استمرار الحرب قد يتحول إلى عبء انتخابي وشعبي داخل الولايات المتحدة، فالقواعد الشعبوية التي أوصلته إلى السلطة لا تريد حربا أمريكية جديدة في الشرق الأوسط، كما أن قطاعات متزايدة داخل اليمين الأمريكي باتت تنظر بريبة إلى النفوذ الإسرائيلي في القرار الأمريكي. بعض الاستطلاعات الحديثة أظهرت تراجع الحماس التقليدي لإسرائيل، حتى داخل القاعدة الجمهورية نفسها. لكن هذا لا يعني أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي ينهار، فالخلاف الحالي يتعلق بإدارة الحرب لا بجوهر العلاقة الاستراتيجية. الولايات المتحدة ما تزال تقدم لإسرائيل الغطاء السياسي والعسكري، وترامب نفسه لم يتخل عن دعمه العلني لنتنياهو، إلا أن ما تغير هو أن واشنطن لم تعد مستعدة تلقائيا لدفع أي ثمن تريده تل أبيب.
الحقيقة أن الحرب مع إيران كشفت حدود القوة الإسرائيلية وحدود القدرة الأمريكية أيضا، فإسرائيل اكتشفت أن إسقاط النظام الإيراني ليس مهمة سهلة، وترامب اكتشف أن الحروب التي تبدأ بوعود «النصر السريع» قد تتحول إلى كوابيس استراتيجية واقتصادية. لهذا يبدو الخلاف الحالي أعمق من مجرد مكالمة غاضبة أو تباين تكتيكي. إنه صدام بين مشروعين: مشروع نتنياهو القائم على الحسم العسكري السريع، ومشروع ترامب القائم على إدارة الصراع عبر الصفقات والضغوط والتهدئة المرحلية.. وبين المشروعين تقف منطقة كاملة على حافة انفجار جديد، فيما يحاول كل طرف الهروب من مسؤولية حرب لم تعد قابلة للسيطرة الكاملة..
الخلاف الأخير لم ينفجر فجأة، بل تراكم بصمت خلال الأشهر الماضية، فنتنياهو الذي أمضى عقودا يدفع واشنطن نحو مواجهة شاملة مع طهران، اعتقد أن حرب فبراير 2026 ستكون اللحظة الحاسمة لإسقاط النظام الإيراني، أو على الأقل تدمير قدراته الاستراتيجية. وتشير تقارير صحافية أمريكية وإسرائيلية إلى أن نتنياهو أقنع ترامب بأن الحرب ستكون «سريعة ونظيفة»، وأن النظام الإيراني «يقف على حافة الانهيار»، وأن الضربة المشتركة ستعيد رسم المنطقة خلال أيام قليلة.
ترامب رغم دعمه غير المشروط لإسرائيل، بدأ يتصرف انطلاقا من حسابات أمريكية خالصة تتعلق بكلفة الحرب واحتمالات توسعها إقليميا وتأثيرها على الاقتصاد العالمي
لكن ما حدث لاحقا كان مختلفا تماما؛ فإيران لم تنهَر، وتحول مضيق هرمز إلى ورقة ضغط دولية هائلة، والقواعد الأمريكية والخليجية تعرضت لضربات موجعة، فيما ارتفعت أسعار الطاقة عالميا، وبدأت أصوات داخل الإدارة الأمريكية تتحدث عن حرب استنزاف مفتوحة لا تشبه الوعود الإسرائيلية الأولى. هنا بدأ ترامب يكتشف أن نتنياهو دفعه إلى مواجهة أكثر تعقيدا مما تصور.
التقارير الأخيرة حول المكالمة الهاتفية المتوترة بينهما تكشف حجم الأزمة الحقيقية، فحسب عدة مصادر أمريكية وإسرائيلية، أبلغ ترامب نتنياهو خلال اتصال وصف بأنه كان «صعبا وطويلا»، أن واشنطن قررت منح الوساطات القطرية والباكستانية والعربية، فرصة إضافية للوصول إلى اتفاق مع إيران، بدلا من استئناف الضربات العسكرية فورا، أحد المصادر وصف حالة نتنياهو بعد المكالمة بالقول إن «شعر بيبي كان يشتعل غضبا». جوهر الخلاف هنا لا يتعلق بإيران فقط، بل بفلسفة إدارة الصراع. نتنياهو يريد حربا مفتوحة تستنزف إيران وتمنع أي تسوية تعيد تأهيلها إقليميا. أما ترامب فيتعامل بعقلية التاجر أكثر من عقلية الجنرال؛ هو يريد صفقة كبرى توقف الحرب، تضمن أمن إسرائيل نسبيا، وتمنحه إنجازا سياسيا ودبلوماسيا يمكن تسويقه داخليا وخارجيا. لهذا بدا واضحا أن البيت الأبيض بدأ يتحرك بعيدا عن الرؤية الإسرائيلية التقليدية، فترامب أوقف ضربات كانت مقررة ضد إيران، رغم أن العملية كانت تحمل اسما عسكريا جديدا هو «عملية المطرقة الثقيلة»، استجابة لضغوط خليجية ورغبة في فتح باب التفاوض. كما أكد في تصريحاته أنه «يفضل إنقاذ الأرواح عبر الانتظار بضعة أيام بدلا من قتل أعداد كبيرة»، مضيفا: «سنرى إن كان هناك اتفاق أو سنقوم بأشياء قاسية قليلا».
في المقابل، ينظر نتنياهو إلى هذا التراجع باعتباره خطأ استراتيجيا خطيرا، ومقتنع بأن إيران تستخدم المفاوضات لكسب الوقت، وإعادة بناء قدراتها العسكرية والنووية. لهذا ضغط عبر الاتصال الهاتفي على ترامب لاستئناف العمليات العسكرية فورا، محذرا من أن أي هدنة دبلوماسية ستمنح طهران فرصة لاستعادة أنفاسها. لكن المشكلة الأعمق أن ترامب لم يعد يرى المصالح الأمريكية متطابقة بالكامل مع الرؤية الإسرائيلية في إدارة الحرب مع إيران. فالرئيس الأمريكي، رغم دعمه غير المشروط لإسرائيل، بدأ يتصرف انطلاقا من حسابات أمريكية خالصة تتعلق بكلفة الحرب واحتمالات توسعها إقليميا وتأثيرها على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة. لذلك فضّل منح الوسطاء الخليجيين والباكستانيين فرصة لتحريك المفاوضات مع طهران، بينما كان نتنياهو يضغط باتجاه استئناف الضربات العسكرية فورا.
هذه التحولات تعكس صعود تيار داخل الحزب الجمهوري نفسه يدعو إلى تقليص الانخراط العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، والتركيز على المصالح الأمريكية المباشرة. تقارير أمريكية تحدثت عن تنامي نفوذ تيار «أمريكا أولا» داخل إدارة ترامب، وهو تيار يرى أن إسرائيل تحاول أحيانا جر واشنطن إلى حروب مكلفة لا تخدم الأولويات الأمريكية الكبرى، خصوصا في ظل الصراع مع الصين والأزمات الاقتصادية الداخلية. ومن المفارقات أن ترامب نفسه، الذي منح نتنياهو خلال ولايته الأولى كل ما يريده تقريبا، من الانسحاب من الاتفاق النووي إلى نقل السفارة الأمريكية للقدس، بات اليوم أكثر براغماتية وأقل استعدادا لخوض مغامرات مفتوحة، بل إن بعض التحليلات الأمريكية ترى أن ترامب لم يغفر لنتنياهو اعترافه السريع بفوز جو بايدن في انتخابات 2020، وأن ذلك ترك جرحا شخصيا ظل كامنا حتى انفجر مع أزمة إيران الحالية. ورغم محاولات الطرفين إظهار العلاقة بصورة طبيعية، فإن التصريحات الأخيرة تحمل قدرا كبيرا من التوتر المستتر. ترامب قال حرفيا عن نتنياهو: «سيفعل ما أريده منه». وهي عبارة لا تبدو مجرد رسالة لإيران، بل أيضا تذكيرا لرئيس الحكومة الإسرائيلية بأن القرار النهائي يبقى في واشنطن لا في تل أبيب. أما نتنياهو، فحاول بدوره نفي وجود أزمة، مؤكدا أنه على «تنسيق كامل» مع ترامب، وأنه يتحدث معه «بشكل شبه يومي». غير أن المبالغة في نفي الخلاف دفعت محللين إسرائيليين إلى الاعتقاد بأن العلاقة تمر فعلا بمرحلة خطيرة. الباحثة داليا شايندلين علّقت ساخرة، بأن كثرة حديث نتنياهو عن «روعة العلاقة» تجعلها أكثر اقتناعا بأن التوتر بينهما أكبر مما يبدو.
إسرائيل تشعر أيضا بأنها باتت خارج بعض دوائر القرار المتعلقة بالمفاوضات مع إيران. تقارير صحافية تحدثت عن أن الوسطاء الباكستانيين والخليجيين باتوا يتحركون مباشرة بين واشنطن وطهران، بينما يضطر الإسرائيليون للاعتماد على أجهزتهم الاستخباراتية لمعرفة ما يجري. وهذه سابقة تثير قلق المؤسسة الإسرائيلية التي اعتادت أن تكون شريكا أساسيا في كل ما يتعلق بالملف الإيراني.
في المقابل، تنظر طهران إلى التوتر بين ترامب ونتنياهو باعتباره مؤشرا على نجاح الاستراتيجية الإيرانية، في منع تشكل جبهة أمريكية إسرائيلية موحدة حول الحرب، فالإيرانيون يدركون أن أي تباين داخل هذا التحالف يمنحهم مساحة إضافية للمناورة السياسية والعسكرية، لهذا حرصت التصريحات الإيرانية الأخيرة على الجمع بين التهديد والمرونة في آن واحد؛ إذ أعلن الحرس الثوري أن أي هجوم جديد سيؤدي إلى «حرب تتجاوز حدود المنطقة»، بينما واصلت الخارجية الإيرانية الحديث عن دراسة المقترحات الأمريكية، والرد عليها عبر الوسطاء. كما تعتقد طهران أن إطالة أمد التفاوض تستنزف خصومها سياسيا واقتصاديا، خصوصا مع تزايد التململ داخل واشنطن من كلفة الحرب واحتمالات توسعها.
وفي الخلفية، يدرك ترامب أن استمرار الحرب قد يتحول إلى عبء انتخابي وشعبي داخل الولايات المتحدة، فالقواعد الشعبوية التي أوصلته إلى السلطة لا تريد حربا أمريكية جديدة في الشرق الأوسط، كما أن قطاعات متزايدة داخل اليمين الأمريكي باتت تنظر بريبة إلى النفوذ الإسرائيلي في القرار الأمريكي. بعض الاستطلاعات الحديثة أظهرت تراجع الحماس التقليدي لإسرائيل، حتى داخل القاعدة الجمهورية نفسها. لكن هذا لا يعني أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي ينهار، فالخلاف الحالي يتعلق بإدارة الحرب لا بجوهر العلاقة الاستراتيجية. الولايات المتحدة ما تزال تقدم لإسرائيل الغطاء السياسي والعسكري، وترامب نفسه لم يتخل عن دعمه العلني لنتنياهو، إلا أن ما تغير هو أن واشنطن لم تعد مستعدة تلقائيا لدفع أي ثمن تريده تل أبيب.
الحقيقة أن الحرب مع إيران كشفت حدود القوة الإسرائيلية وحدود القدرة الأمريكية أيضا، فإسرائيل اكتشفت أن إسقاط النظام الإيراني ليس مهمة سهلة، وترامب اكتشف أن الحروب التي تبدأ بوعود «النصر السريع» قد تتحول إلى كوابيس استراتيجية واقتصادية. لهذا يبدو الخلاف الحالي أعمق من مجرد مكالمة غاضبة أو تباين تكتيكي. إنه صدام بين مشروعين: مشروع نتنياهو القائم على الحسم العسكري السريع، ومشروع ترامب القائم على إدارة الصراع عبر الصفقات والضغوط والتهدئة المرحلية.. وبين المشروعين تقف منطقة كاملة على حافة انفجار جديد، فيما يحاول كل طرف الهروب من مسؤولية حرب لم تعد قابلة للسيطرة الكاملة..
نيسان ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 00:00