قلوب ملياري مسلم تتجه صوب عرفات في أعظم أيام الدنيا
نيسان ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 00:00
قبل ساعات من وقوف ملايين الحجاج على صعيد عرفات، تتجه أنظار العالم الإسلامي نحو مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، حيث يعيش المسلمون واحدة من أكثر اللحظات الروحية تأثيراً في الحياة.
ومع حلول التاسع من ذي الحجة غداً الثلاثاء، لن يكون المشهد مجرد تجمع بشري هو الأكبر من نوعه، بل حالة إيمانية استثنائية يشعر فيها قرابة ملياري مسلم أن العالم كله يتوقف قليلاً أمام أعظم أيام الدنيا.
وفي الوقت الذي يستقبل فيه عرفات الحجاج القادمين من مختلف بقاع الأرض، يعيش المسلمون في كل مكان حالة من الترقب الروحي والدعاء والشوق، انتظاراً لساعات من أقرب اللحظات إلى الرحمة والمغفرة واستجابة الدعوات.
أعظم المشاهد
غداً، ليس يوماً عادياً في حياة المسلمين ولا في ذاكرة الأرض، ومن أعظم المشاهد التي تكشف خصوصية الزمان والمكان في يوم عرفة، مشهد مسجد نمرة الذي يتحول في ساعات قليلة إلى قلب العالم الإسلامي النابض. فهذا المسجد الممتد على مساحة هائلة في أطراف عرفات، لا يحمل تلك الهيبة بسبب جدرانه أو عمارته فقط، بل بسبب لحظات التضرع والخشوع والقرب.
في يوم عرفة، يجتمع شرف المكان بقداسة الزمان، فتتعاظم في القلوب مشاعر الخشوع والرهبة، ويستشعر المسلم أن الله اصطفى بعض البقاع لتكون مواطن للرحمة والسكينة. لذلك ظلّت مكة المكرمة والمدينة المنورة وجبل عرفات ومشعر مزدلفة ومنى تحتل مكانة خاصة في وجدان المسلمين، بما تحمله من معاني البركة التي لا ترتبط بالحجارة والتراب فحسب، بل بما شهدته تلك الأماكن من عبادات وطاعات ونفحات إيمانية عظيمة.
ومع إشراقة شمس التاسع من ذي الحجة لعام 1447 هجرية، ستدخل البشرية لحظات استثنائية يشعر فيها الإنسان أن السماء أقرب من أي وقت مضى، وأن الرحمة الإلهية تفيض على العالم كله بلا حدود. في ذلك اليوم العظيم، لا تتحرك الجموع نحو عرفات وحدها، بل تتحرك القلوب قبل الأقدام، وتشتاق الأرواح قبل العيون، وكأن الكون كله يعيش حالة من التهيؤ المهيب لاستقبال أعظم أيام الدنيا: يوم عرفة.
بكاء الرحمة
في هذا اليوم، تتبدل ملامح العالم لساعات قليلة. تتوقف صراعات البشر أمام مشهد أكبر من الدنيا كلها، وتخفت ضوضاء الحياة أمام ملايين الأكف المرفوعة إلى السماء. السماء لا تبكي غداً حزناً كما اعتاد البشر في أيام الحروب والقسوة، بل تبكي رحمة، والأرض لا ترتجف خوفاً، بل خشوعاً من كثرة الدعوات التي ترتفع من عرفات حتى يكاد الإنسان يشعر أن العالم كله عاد إلى الله دفعة واحدة.
مسجد نمرة
غداً في مسجد نمرة، ينتظر الملايين خطبة عرفة التي تُلقى مرة واحدة في العام، وكأن العالم الإسلامي كله ينصت في تلك اللحظة لصوت واحد يذكره بالله والآخرة والرحمة. وهنا يدرك المسلم معنى أن يبارك الله أماكن بعينها، فتتحول إلى مواطن للسكينة ومراكز لاجتماع القلوب، لأن البركة الحقيقية ليست فيما يراه الإنسان بعينيه فقط، بل فيما يفيضه الله على المكان من رحمة ونور وطمأنينة تمتد آثارها إلى أرواح المؤمنين في كل مكان.
هناك،على صعيد عرفات، سيقف أكثر من 1.5 مليون حاج هذا العام بلباس أبيض موحد، وقد تجرّدوا من كل شيء إلا من قلوبهم، ولا فرق بين غني وفقير، ولا بين حاكم وبسيط، ولا بين لغة وأخرى أو جنسية وأخرى، فالجميع يقفون بالهيئة نفسها، يحملون التعب ذاته، والخوف ذاته، والرجاء ذاته، ليعود الإنسان في عرفات إلى حقيقته الأولى: عبد ضعيف لا يملك إلا رحمة الله.
الرحلة الإيمانية
ومع صباح اليوم الاثنين الثامن من ذي الحجة "يوم التروية" بدأت مناسك الحج حيث يتحرك الحجاج إلى منى ويصلون فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر عرفة، وتبدأ الأرواح في الانفصال التدريجي عن الدنيا، وكأن القلب يتخفف من أعبائه القديمة استعداداً للوقوف الأكبر. في تلك الليلة، يبيت الملايين تحت السماء، بينما تتردد أصوات التكبير والتلبية بين الجبال والوديان: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".
ولا تبدو هذه الكلمات مجرد ترديد جماعي، بل إعلاناً عظيماً بخضوع الكون كله لله، حتى يشعر من يسمعها أن الجبال نفسها ترددها مع الحجيج.
ثم يأتي يوم عرفة اليوم الذي جعله الله تاج أيام الدنيا، واليوم الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة".
وغداً يتحول جبل عرفات إلى بحر أبيض هائل من البشر. ملايين القلوب تبكي في اللحظة نفسها، وملايين الأكف ترتفع في اللحظة نفسها، بينما يقف كل إنسان وحده أمام الله مهما أحاطت به الجموع.
وستجد هناك يقف الأب الذي أرهقته الحياة، والأم التي أخفت دموعها سنوات طويلة، والشاب الذي أضاعته الذنوب ثم عاد باكياً، والعجوز الذي جاء قبل أن يلقى ربه. الجميع يردد الكلمة ذاتها: "يا رب".
وفي تلك الساعات المهيبة، تتجلى الرحمة الإلهية بأعظم صورها. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يباهي ملائكته بأهل عرفات قائلاً: "انظروا إلى عبادي، أتوني شعثاً غبراً"، وذلك في مشهد تهتز له الأرواح… رب السماوات والأرض يباهي ملائكته بعباده الضعفاء، ثم يفتح لهم أبواب المغفرة والرحمة على اتساعها.
الحج في عصر الهواتف
وفي العصر الحديث، لم تعد رحلة الحج حدثاً يعيشه الحاج وحده كما كان في الماضي، بل أصبحت تجربةً يتابعها العالم لحظةً بلحظة عبر الشاشات ووسائل التواصل والبث المباشر من عرفات ومكة والمشاعر المقدسة. ففي السابق، كان المسلمون ينتظرون عودة الحاج ليسمعوا منه أخبار الرحلة ووصف المشاعر والمواقف الإيمانية، وكانت صور الحج تعيش في الخيال أكثر مما تعيش أمام العيون.
أما اليوم، فقد بات قرابة ملياري مسلم يرون الحجاج وهم يرفعون أيديهم بالدعاء تحت شمس عرفات، ويسمعون أصوات التلبية والتكبير مباشرة، وكأن المسافات قد أُلغيت تماماً بين القلوب والبيت الحرام.
وهذا التطور جعل التأثر الروحي بالحج أوسع وأعمق؛ فالمسلم البعيد عن مكة يشعر اليوم أنه يشارك الحجاج مشاعرهم ودعواتهم ودموعهم، فيبكي أمام الشاشة وكأنه يقف معهم على جبل الرحمة.
كما ساهمت التغطيات الإعلامية التليفزيونية والرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في عصر الهاتف إلى أن أصبح كل حاج مصدر بث ونقل حي لشعائر الحج، فأصبح الحج رسالةً مباشرة تصل إلى كل بيت، وتوقظ في النفوس الشوق إلى الله والرغبة في التوبة والعودة إليه، حتى لمن لم يكتب له الحج بعد.
المطر في عرفات
ومن أكثر المشاهد تأثيراً في يوم عرفة، نزول المطر فوق الحجاج الواقفين على صعيد الرحمة. حين تختلط قطرات المطر بدموع التائبين، يبدو المشهد وكأن السماء نفسها تشارك البشر بكاءهم. المطر.
هناك لا يبدو المطر مجرد ظاهرة طبيعية، بل رسالة تطهير ورحمة، وكأن الله يغسل وجوه الحجاج وقلوبهم معاً. ترى الحاج يرفع يديه نحو السماء والمطر ينزل فوق ثياب إحرامه، فيشعر أن ذنوبه تسقط قطرة قطرة، وأن روحه تُولد من جديد.
وفي أطراف عرفات، تتكرر الحكايات الإنسانية التي لا ينساها القلب. حاج مسن يجلس على كرسيه المتحرك رافعاً يديه وهو يبكي:" يا رب… جئتُك متعباً فلا تردني".
طفل صغير يردد خلف والده التلبية بصوت بريء، وأم تبكي أبنائها الغائبين، بينما تختلط دموعها بمطر الرحمة فوق جبل عرفات، حتى يبدو المشهد وكأن السماء والأرض والبشرية كلها تبكي معاً، لكن هذه المرة من شدة الرحمة لا من شدة الألم.
ومع غروب شمس عرفة، يحدث التحول الأعجب في الرحلة كلها، فبعد نهار كامل من الدعاء والبكاء الإيماني العظيم، يتحول العالم فجأة إلى سكينة مهيبة. تتحرك ملايين الجموع نحو مزدلفة في هدوء نادر، وكأن الأرواح بعد كل ذلك البكاء وصلت أخيراً إلى الطمأنينة. لا صخب ولا استعجال، فقط بشر يسيرون في صمت يشبه السلام الداخلي الذي يأتي بعد غفران طويل انتظرته القلوب سنوات.
المبيت بمزدلفة
وفي مزدلفة، يبيت الحجاج تحت السماء مباشرة. ويقع مشعر مزدلفة بين مشعري عرفات ومنى، ويبعد عن المسجد الحرام نحو 8 كلم، وتُقدّر مساحته بأكثر من 11.68 مليون متر مربع، ويتسع لأكثر من مليوني حاج، ويُعد أحد المشاعر المفتوحة التي لا تُقام فيها أبنية دائمة، حفاظا على طبيعته الشرعية وخصوصيته التنظيمية.
ويكفي الوقوف في أي مكان داخل مزدلفة ويصلي فيه الحاج، ويذكر الله، ويجمع الحصى، وبعد صلاة الفجر وقبيل شروق يوم النحر يغادر الحاج المزدلفة إلى مِنى.
يوم النحر
ثم يشرق يوم النحر، أعظم أيام الإسلام، فيبدأ الحجاج رمي الجمرات وكأنهم يرمون خوفهم القديم وذنوبهم القديمة وكل طريق أبعدهم عن الله. وبعد الهدي والحلق والطواف، يشعر كثير منهم أنهم لم يعودوا الأشخاص أنفسهم، وكأن أرواحهم قد غُسلت بالكامل، وكأن حياة جديدة بدأت من الداخل لا تراها العيون.
وفي أيام التشريق (11 و12 و13 من ذي الحجة)، تستمر رحلة الذكر والطاعة، فيتعلم المسلم أن الإيمان ليس لحظة عابرة يعيشها ثم ينساها، بل طريق حياة كاملة.
اللحظة الأصعب
ثم تأتي اللحظة الأصعب في الرحلة كلها: طواف الوداع. هناك، يبكي كثير من الحجاج بصمت وهم يطوفون بالكعبة للمرة الأخيرة، لأنهم يشعرون أن أجمل لحظات العمر توشك أن تنتهي. ينظر أحدهم إلى الكعبة وكأن قلبه يتشبث بها، ويردد في داخله: "يا رب… لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك الحرام."
ويبقى يوم عرفة أعظم رسالة رحمة عرفتها البشرية؛ يوماً لا يشبهه يوم، تتوقف فيه ضوضاء الدنيا أمام ملايين القلوب المرفوعة إلى السماء طلباً للمغفرة والسكينة والنجاة. في عرفات، يشعر الإنسان أن كل ما أثقله طوال حياته يصبح أصغر أمام رحمة الله، وأن باب العودة يظل مفتوحاً مهما طال البعد وكثرت الذنوب.
ومع حلول التاسع من ذي الحجة غداً الثلاثاء، لن يكون المشهد مجرد تجمع بشري هو الأكبر من نوعه، بل حالة إيمانية استثنائية يشعر فيها قرابة ملياري مسلم أن العالم كله يتوقف قليلاً أمام أعظم أيام الدنيا.
وفي الوقت الذي يستقبل فيه عرفات الحجاج القادمين من مختلف بقاع الأرض، يعيش المسلمون في كل مكان حالة من الترقب الروحي والدعاء والشوق، انتظاراً لساعات من أقرب اللحظات إلى الرحمة والمغفرة واستجابة الدعوات.
أعظم المشاهد
غداً، ليس يوماً عادياً في حياة المسلمين ولا في ذاكرة الأرض، ومن أعظم المشاهد التي تكشف خصوصية الزمان والمكان في يوم عرفة، مشهد مسجد نمرة الذي يتحول في ساعات قليلة إلى قلب العالم الإسلامي النابض. فهذا المسجد الممتد على مساحة هائلة في أطراف عرفات، لا يحمل تلك الهيبة بسبب جدرانه أو عمارته فقط، بل بسبب لحظات التضرع والخشوع والقرب.
في يوم عرفة، يجتمع شرف المكان بقداسة الزمان، فتتعاظم في القلوب مشاعر الخشوع والرهبة، ويستشعر المسلم أن الله اصطفى بعض البقاع لتكون مواطن للرحمة والسكينة. لذلك ظلّت مكة المكرمة والمدينة المنورة وجبل عرفات ومشعر مزدلفة ومنى تحتل مكانة خاصة في وجدان المسلمين، بما تحمله من معاني البركة التي لا ترتبط بالحجارة والتراب فحسب، بل بما شهدته تلك الأماكن من عبادات وطاعات ونفحات إيمانية عظيمة.
ومع إشراقة شمس التاسع من ذي الحجة لعام 1447 هجرية، ستدخل البشرية لحظات استثنائية يشعر فيها الإنسان أن السماء أقرب من أي وقت مضى، وأن الرحمة الإلهية تفيض على العالم كله بلا حدود. في ذلك اليوم العظيم، لا تتحرك الجموع نحو عرفات وحدها، بل تتحرك القلوب قبل الأقدام، وتشتاق الأرواح قبل العيون، وكأن الكون كله يعيش حالة من التهيؤ المهيب لاستقبال أعظم أيام الدنيا: يوم عرفة.
بكاء الرحمة
في هذا اليوم، تتبدل ملامح العالم لساعات قليلة. تتوقف صراعات البشر أمام مشهد أكبر من الدنيا كلها، وتخفت ضوضاء الحياة أمام ملايين الأكف المرفوعة إلى السماء. السماء لا تبكي غداً حزناً كما اعتاد البشر في أيام الحروب والقسوة، بل تبكي رحمة، والأرض لا ترتجف خوفاً، بل خشوعاً من كثرة الدعوات التي ترتفع من عرفات حتى يكاد الإنسان يشعر أن العالم كله عاد إلى الله دفعة واحدة.
مسجد نمرة
غداً في مسجد نمرة، ينتظر الملايين خطبة عرفة التي تُلقى مرة واحدة في العام، وكأن العالم الإسلامي كله ينصت في تلك اللحظة لصوت واحد يذكره بالله والآخرة والرحمة. وهنا يدرك المسلم معنى أن يبارك الله أماكن بعينها، فتتحول إلى مواطن للسكينة ومراكز لاجتماع القلوب، لأن البركة الحقيقية ليست فيما يراه الإنسان بعينيه فقط، بل فيما يفيضه الله على المكان من رحمة ونور وطمأنينة تمتد آثارها إلى أرواح المؤمنين في كل مكان.
هناك،على صعيد عرفات، سيقف أكثر من 1.5 مليون حاج هذا العام بلباس أبيض موحد، وقد تجرّدوا من كل شيء إلا من قلوبهم، ولا فرق بين غني وفقير، ولا بين حاكم وبسيط، ولا بين لغة وأخرى أو جنسية وأخرى، فالجميع يقفون بالهيئة نفسها، يحملون التعب ذاته، والخوف ذاته، والرجاء ذاته، ليعود الإنسان في عرفات إلى حقيقته الأولى: عبد ضعيف لا يملك إلا رحمة الله.
الرحلة الإيمانية
ومع صباح اليوم الاثنين الثامن من ذي الحجة "يوم التروية" بدأت مناسك الحج حيث يتحرك الحجاج إلى منى ويصلون فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر عرفة، وتبدأ الأرواح في الانفصال التدريجي عن الدنيا، وكأن القلب يتخفف من أعبائه القديمة استعداداً للوقوف الأكبر. في تلك الليلة، يبيت الملايين تحت السماء، بينما تتردد أصوات التكبير والتلبية بين الجبال والوديان: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك".
ولا تبدو هذه الكلمات مجرد ترديد جماعي، بل إعلاناً عظيماً بخضوع الكون كله لله، حتى يشعر من يسمعها أن الجبال نفسها ترددها مع الحجيج.
ثم يأتي يوم عرفة اليوم الذي جعله الله تاج أيام الدنيا، واليوم الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة".
وغداً يتحول جبل عرفات إلى بحر أبيض هائل من البشر. ملايين القلوب تبكي في اللحظة نفسها، وملايين الأكف ترتفع في اللحظة نفسها، بينما يقف كل إنسان وحده أمام الله مهما أحاطت به الجموع.
وستجد هناك يقف الأب الذي أرهقته الحياة، والأم التي أخفت دموعها سنوات طويلة، والشاب الذي أضاعته الذنوب ثم عاد باكياً، والعجوز الذي جاء قبل أن يلقى ربه. الجميع يردد الكلمة ذاتها: "يا رب".
وفي تلك الساعات المهيبة، تتجلى الرحمة الإلهية بأعظم صورها. فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يباهي ملائكته بأهل عرفات قائلاً: "انظروا إلى عبادي، أتوني شعثاً غبراً"، وذلك في مشهد تهتز له الأرواح… رب السماوات والأرض يباهي ملائكته بعباده الضعفاء، ثم يفتح لهم أبواب المغفرة والرحمة على اتساعها.
الحج في عصر الهواتف
وفي العصر الحديث، لم تعد رحلة الحج حدثاً يعيشه الحاج وحده كما كان في الماضي، بل أصبحت تجربةً يتابعها العالم لحظةً بلحظة عبر الشاشات ووسائل التواصل والبث المباشر من عرفات ومكة والمشاعر المقدسة. ففي السابق، كان المسلمون ينتظرون عودة الحاج ليسمعوا منه أخبار الرحلة ووصف المشاعر والمواقف الإيمانية، وكانت صور الحج تعيش في الخيال أكثر مما تعيش أمام العيون.
أما اليوم، فقد بات قرابة ملياري مسلم يرون الحجاج وهم يرفعون أيديهم بالدعاء تحت شمس عرفات، ويسمعون أصوات التلبية والتكبير مباشرة، وكأن المسافات قد أُلغيت تماماً بين القلوب والبيت الحرام.
وهذا التطور جعل التأثر الروحي بالحج أوسع وأعمق؛ فالمسلم البعيد عن مكة يشعر اليوم أنه يشارك الحجاج مشاعرهم ودعواتهم ودموعهم، فيبكي أمام الشاشة وكأنه يقف معهم على جبل الرحمة.
كما ساهمت التغطيات الإعلامية التليفزيونية والرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي في عصر الهاتف إلى أن أصبح كل حاج مصدر بث ونقل حي لشعائر الحج، فأصبح الحج رسالةً مباشرة تصل إلى كل بيت، وتوقظ في النفوس الشوق إلى الله والرغبة في التوبة والعودة إليه، حتى لمن لم يكتب له الحج بعد.
المطر في عرفات
ومن أكثر المشاهد تأثيراً في يوم عرفة، نزول المطر فوق الحجاج الواقفين على صعيد الرحمة. حين تختلط قطرات المطر بدموع التائبين، يبدو المشهد وكأن السماء نفسها تشارك البشر بكاءهم. المطر.
هناك لا يبدو المطر مجرد ظاهرة طبيعية، بل رسالة تطهير ورحمة، وكأن الله يغسل وجوه الحجاج وقلوبهم معاً. ترى الحاج يرفع يديه نحو السماء والمطر ينزل فوق ثياب إحرامه، فيشعر أن ذنوبه تسقط قطرة قطرة، وأن روحه تُولد من جديد.
وفي أطراف عرفات، تتكرر الحكايات الإنسانية التي لا ينساها القلب. حاج مسن يجلس على كرسيه المتحرك رافعاً يديه وهو يبكي:" يا رب… جئتُك متعباً فلا تردني".
طفل صغير يردد خلف والده التلبية بصوت بريء، وأم تبكي أبنائها الغائبين، بينما تختلط دموعها بمطر الرحمة فوق جبل عرفات، حتى يبدو المشهد وكأن السماء والأرض والبشرية كلها تبكي معاً، لكن هذه المرة من شدة الرحمة لا من شدة الألم.
ومع غروب شمس عرفة، يحدث التحول الأعجب في الرحلة كلها، فبعد نهار كامل من الدعاء والبكاء الإيماني العظيم، يتحول العالم فجأة إلى سكينة مهيبة. تتحرك ملايين الجموع نحو مزدلفة في هدوء نادر، وكأن الأرواح بعد كل ذلك البكاء وصلت أخيراً إلى الطمأنينة. لا صخب ولا استعجال، فقط بشر يسيرون في صمت يشبه السلام الداخلي الذي يأتي بعد غفران طويل انتظرته القلوب سنوات.
المبيت بمزدلفة
وفي مزدلفة، يبيت الحجاج تحت السماء مباشرة. ويقع مشعر مزدلفة بين مشعري عرفات ومنى، ويبعد عن المسجد الحرام نحو 8 كلم، وتُقدّر مساحته بأكثر من 11.68 مليون متر مربع، ويتسع لأكثر من مليوني حاج، ويُعد أحد المشاعر المفتوحة التي لا تُقام فيها أبنية دائمة، حفاظا على طبيعته الشرعية وخصوصيته التنظيمية.
ويكفي الوقوف في أي مكان داخل مزدلفة ويصلي فيه الحاج، ويذكر الله، ويجمع الحصى، وبعد صلاة الفجر وقبيل شروق يوم النحر يغادر الحاج المزدلفة إلى مِنى.
يوم النحر
ثم يشرق يوم النحر، أعظم أيام الإسلام، فيبدأ الحجاج رمي الجمرات وكأنهم يرمون خوفهم القديم وذنوبهم القديمة وكل طريق أبعدهم عن الله. وبعد الهدي والحلق والطواف، يشعر كثير منهم أنهم لم يعودوا الأشخاص أنفسهم، وكأن أرواحهم قد غُسلت بالكامل، وكأن حياة جديدة بدأت من الداخل لا تراها العيون.
وفي أيام التشريق (11 و12 و13 من ذي الحجة)، تستمر رحلة الذكر والطاعة، فيتعلم المسلم أن الإيمان ليس لحظة عابرة يعيشها ثم ينساها، بل طريق حياة كاملة.
اللحظة الأصعب
ثم تأتي اللحظة الأصعب في الرحلة كلها: طواف الوداع. هناك، يبكي كثير من الحجاج بصمت وهم يطوفون بالكعبة للمرة الأخيرة، لأنهم يشعرون أن أجمل لحظات العمر توشك أن تنتهي. ينظر أحدهم إلى الكعبة وكأن قلبه يتشبث بها، ويردد في داخله: "يا رب… لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك الحرام."
ويبقى يوم عرفة أعظم رسالة رحمة عرفتها البشرية؛ يوماً لا يشبهه يوم، تتوقف فيه ضوضاء الدنيا أمام ملايين القلوب المرفوعة إلى السماء طلباً للمغفرة والسكينة والنجاة. في عرفات، يشعر الإنسان أن كل ما أثقله طوال حياته يصبح أصغر أمام رحمة الله، وأن باب العودة يظل مفتوحاً مهما طال البعد وكثرت الذنوب.
نيسان ـ نشر في 2026/05/25 الساعة 00:00