السلطة تعيد هندسة المعارضة في تركيا
نيسان ـ نشر في 2026/05/26 الساعة 00:00
أخيراً صدر القرار القضائي المتوقع بشأن إلغاء نتائج الانتخابات الداخلية في المؤتمر العام رقم 38 لحزب الشعب الجمهوري الذي عقد في العام 2023، في أعقاب خسارة زعيمه السابق كمال كلجدار أوغلو في الانتخابات الرئاسية أمام أردوغان، وتم فيه انتخاب أوزغور أوزال زعيماً جديداً للحزب. ولم يقبل كلجدار أوغلو بإزاحته من موقعه، فلجأ إلى القضاء طلباً لإبطال مفعول نتائج المؤتمر بدعوى أنه تم التأثير على مندوبي المؤتمر من خلال رشى قدمت لهم.
الواقع أن هناك مرجعية وحيدة للتعامل مع مثل هذه الشكاوى وهي الهيئة العليا للانتخابات، لكن هذه رفضت النظر في دعوى كلجدار أوغلو، فلجأ إلى القضاء العادي الذي لا يعتبر ذا اختصاص في التدخل في خلافات داخلية داخل الأحزاب السياسية. كانت هذه فرصة ثمينة للسلطة لتوجيه ضربة قاصمة للحزب المنافس على السلطة، في بيئة قضائية مسيسة لصالحها.
كون القرار متوقعاً لم يحل دون المفاجأة في توقيت إصداره ومن ثم طريقة تنفيذه، كما في سلوك الزعيم السابق للحزب الذي لم يفز بأي انتخابات طوال سنوات قيادته. فمن حيث التوقيت صدر القرار عشية عطلة عيد الأضحى التي ستمتد لعشرة أيام، بإضافة أيام عطلتين أسبوعيتين قبل العيد وبعده، تجنباً لنزول مظاهرات احتجاجية من جهة، ودرءاً لتأثير الحدث سلباً على سوق الأوراق المالية وسعر صرف الليرة أمام العملات الصعبة من جهة ثانية. وإذ أعلن أوزغور أوزال أنه لن يغادر المقر الرئيسي للحزب في العاصمة أنقرة، تنفيذاً للقرار القضائي الذي أعاد زعامة الحزب إلى كلجدار أوغلو، لجأ هذا الأخير إلى مطالبة محافظ المدينة بإخلاء المقر لمصلحته.
ما حدث بعد ذلك يتجاوز وصف المفاجأة إلى مرتبة فضيحة سياسية. فقد طوقت قوات الشرطة المقر في الصباح الباكر من يوم الأحد، يوم العطلة الأسبوعية، ثم اقتحمته بعد تحطيم بابه الزجاجي، وخربت محتوياته، واستخدمت الغاز المسيل للدموع والهراوات لإجبار الموجودين على الخروج. وكان أوزال آخر الخارجين، ألقى كلمة أمام أنصاره دعاهم فيها إلى المسير باتجاه مبنى البرلمان، معلناً أنه سيكون المقر الجديد له. «سنترك المقر لهواته، ونتابع نضالنا في الشارع» قال، ثم توجه مع جمهرة من مرافقيه إلى البرلمان سيراً على الأقدام تحت زخات المطر.
وقال أوزال في أحد تصريحاته أيضاً: «ما حدث هو انتقام من فوزنا في الانتخابات البلدية». الواقع أن ذلك الفوز الكبير، في آذار 2024، الذي تصدر فيه الحزب من حيث عدد الناخبين الذين صوتوا لمرشحيه، متفوقاً على حزب العدالة والتنمية الذي لم يبرح موقع الصدارة هذا منذ صعوده إلى السلطة في العام 2002. أضف إلى ذلك انتزاعه رئاسة بلديات المدن الكبرى من الحزب الحاكم. لم يتقبل أردوغان هذه الهزيمة، فبدأ بإطلاق حملاته القضائية ضد الحزب المعارض، فتم سجن رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو – المنافس الأقوى على منصب رئاسة الجمهورية – ثم توالت حملات العزل والاعتقال لرؤساء بلديات آخرين بدعاوى فساد، بحيث أفرغت نتائج الانتخابات من محتواها. ولم يكتف بذلك بل استهدف قيادة الحزب الجمهوري بالذات من خلال دعوى «البطلان» بشأن نتائج المؤتمر المشار إليه أعلاه.
اقتحام مقر قيادة حزب سياسي معارض لتنصيب زعيم محل الزعيم المنتخب هو سابقة في تاريخ تركيا السياسي لا يمكن التكهن بنتائجه
المفجع من وجهة نظر الحزب الجمهوري هو أن زعيمه السابق هو الذي ارتضى لنفسه دور الدمية في يد السلطة لضرب حزبه. هل يكفي تفسير هذا السلوك بالطموح الشخصي والرغبة في استعادة قيادته للحزب؟ لا يمكن للحس السليم أن يقتنع بهذا التفسير. فهل هناك أسباب «عميقة» لها صلة بالدولة العميقة التي تريد أن يستمر أردوغان في منصب الرئاسة على رغم استنفاده لفرصه الدستورية؟ ربما علينا انتظار سنوات قبل أن تتسرب معلومات موثوقة تفسر ما حدث.
من وجهة نظر أردوغان يمكن القول إنه بهذه الضربة، إذا لم يحدث ما يبدد آثارها، قد أزال أهم العوائق أمام إعادة انتخابه رئيساً لولاية رابعة. الخطوة التالية المتوقعة هي الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، وهذا يتطلب أغلبية في مجلس النواب لا يحوزها التحالف الحاكم، لكنه قد يتمكن من تأمينها بتعاون أحزاب أخرى أو بنقل مزيد من النواب من أحزابهم إلى «العدالة والتنمية» كما جرى لعدد من النواب إلى الآن تحت التهديد برفع دعاوى قضائية ضدهم.
بات من المحتمل أن يحدث انشقاق في حزب الشعب الجمهوري يضعفه في الانتخابات القادمة. فأوزال يستعد للدعوة إلى مؤتمر استثنائي يعيد فيه الأمور إلى نصابها. كما رفع أحد المقربين منه شكوى بحق كلجدار أوغلو إلى لجنة الانضباط في الحزب. في جميع الأحوال من الصعب أن يستعيد الحزب زمام المبادرة ويلملم جراحه في وقت قصير، في حين أن أردوغان يعمل بكامل طاقته لسد جميع الثغرات وتمهيد الطريق أمامه. وأحد السيناريوهات المحتملة التي يتداولها الرأي العام بهذا الخصوص، هو إجراء تعديل دستوري يعود فيه انتخاب الرئيس من قبل البرلمان كما كانت الحال قبل الانتقال إلى النظام الرئاسي، وبذلك يتجنب خسارة محتملة في اقتراع عام.
غير أن الطريقة التي أزيح بها أوزال من قيادة حزبه قد تأتي بنتائج عكسية. فاقتحام مقر قيادة حزب سياسي معارض لتنصيب زعيم محل الزعيم المنتخب هو سابقة في تاريخ تركيا السياسي لا يمكن التكهن بنتائجه.
أبعد مما حدث للحزب الجمهوري، يزداد المواطنون في تركيا فقداناً لثقتهم بالنظام الديمقراطي وتشكيكاً بجدوى تحمل عناء الانتظار في الطوابير للإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع، ما دامت السلطة قادرة على إلغاء نتائج أصواتهم بشتى أنواع الألاعيب.
الواقع أن هناك مرجعية وحيدة للتعامل مع مثل هذه الشكاوى وهي الهيئة العليا للانتخابات، لكن هذه رفضت النظر في دعوى كلجدار أوغلو، فلجأ إلى القضاء العادي الذي لا يعتبر ذا اختصاص في التدخل في خلافات داخلية داخل الأحزاب السياسية. كانت هذه فرصة ثمينة للسلطة لتوجيه ضربة قاصمة للحزب المنافس على السلطة، في بيئة قضائية مسيسة لصالحها.
كون القرار متوقعاً لم يحل دون المفاجأة في توقيت إصداره ومن ثم طريقة تنفيذه، كما في سلوك الزعيم السابق للحزب الذي لم يفز بأي انتخابات طوال سنوات قيادته. فمن حيث التوقيت صدر القرار عشية عطلة عيد الأضحى التي ستمتد لعشرة أيام، بإضافة أيام عطلتين أسبوعيتين قبل العيد وبعده، تجنباً لنزول مظاهرات احتجاجية من جهة، ودرءاً لتأثير الحدث سلباً على سوق الأوراق المالية وسعر صرف الليرة أمام العملات الصعبة من جهة ثانية. وإذ أعلن أوزغور أوزال أنه لن يغادر المقر الرئيسي للحزب في العاصمة أنقرة، تنفيذاً للقرار القضائي الذي أعاد زعامة الحزب إلى كلجدار أوغلو، لجأ هذا الأخير إلى مطالبة محافظ المدينة بإخلاء المقر لمصلحته.
ما حدث بعد ذلك يتجاوز وصف المفاجأة إلى مرتبة فضيحة سياسية. فقد طوقت قوات الشرطة المقر في الصباح الباكر من يوم الأحد، يوم العطلة الأسبوعية، ثم اقتحمته بعد تحطيم بابه الزجاجي، وخربت محتوياته، واستخدمت الغاز المسيل للدموع والهراوات لإجبار الموجودين على الخروج. وكان أوزال آخر الخارجين، ألقى كلمة أمام أنصاره دعاهم فيها إلى المسير باتجاه مبنى البرلمان، معلناً أنه سيكون المقر الجديد له. «سنترك المقر لهواته، ونتابع نضالنا في الشارع» قال، ثم توجه مع جمهرة من مرافقيه إلى البرلمان سيراً على الأقدام تحت زخات المطر.
وقال أوزال في أحد تصريحاته أيضاً: «ما حدث هو انتقام من فوزنا في الانتخابات البلدية». الواقع أن ذلك الفوز الكبير، في آذار 2024، الذي تصدر فيه الحزب من حيث عدد الناخبين الذين صوتوا لمرشحيه، متفوقاً على حزب العدالة والتنمية الذي لم يبرح موقع الصدارة هذا منذ صعوده إلى السلطة في العام 2002. أضف إلى ذلك انتزاعه رئاسة بلديات المدن الكبرى من الحزب الحاكم. لم يتقبل أردوغان هذه الهزيمة، فبدأ بإطلاق حملاته القضائية ضد الحزب المعارض، فتم سجن رئيس بلدية اسطنبول أكرم إمام أوغلو – المنافس الأقوى على منصب رئاسة الجمهورية – ثم توالت حملات العزل والاعتقال لرؤساء بلديات آخرين بدعاوى فساد، بحيث أفرغت نتائج الانتخابات من محتواها. ولم يكتف بذلك بل استهدف قيادة الحزب الجمهوري بالذات من خلال دعوى «البطلان» بشأن نتائج المؤتمر المشار إليه أعلاه.
اقتحام مقر قيادة حزب سياسي معارض لتنصيب زعيم محل الزعيم المنتخب هو سابقة في تاريخ تركيا السياسي لا يمكن التكهن بنتائجه
المفجع من وجهة نظر الحزب الجمهوري هو أن زعيمه السابق هو الذي ارتضى لنفسه دور الدمية في يد السلطة لضرب حزبه. هل يكفي تفسير هذا السلوك بالطموح الشخصي والرغبة في استعادة قيادته للحزب؟ لا يمكن للحس السليم أن يقتنع بهذا التفسير. فهل هناك أسباب «عميقة» لها صلة بالدولة العميقة التي تريد أن يستمر أردوغان في منصب الرئاسة على رغم استنفاده لفرصه الدستورية؟ ربما علينا انتظار سنوات قبل أن تتسرب معلومات موثوقة تفسر ما حدث.
من وجهة نظر أردوغان يمكن القول إنه بهذه الضربة، إذا لم يحدث ما يبدد آثارها، قد أزال أهم العوائق أمام إعادة انتخابه رئيساً لولاية رابعة. الخطوة التالية المتوقعة هي الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة، وهذا يتطلب أغلبية في مجلس النواب لا يحوزها التحالف الحاكم، لكنه قد يتمكن من تأمينها بتعاون أحزاب أخرى أو بنقل مزيد من النواب من أحزابهم إلى «العدالة والتنمية» كما جرى لعدد من النواب إلى الآن تحت التهديد برفع دعاوى قضائية ضدهم.
بات من المحتمل أن يحدث انشقاق في حزب الشعب الجمهوري يضعفه في الانتخابات القادمة. فأوزال يستعد للدعوة إلى مؤتمر استثنائي يعيد فيه الأمور إلى نصابها. كما رفع أحد المقربين منه شكوى بحق كلجدار أوغلو إلى لجنة الانضباط في الحزب. في جميع الأحوال من الصعب أن يستعيد الحزب زمام المبادرة ويلملم جراحه في وقت قصير، في حين أن أردوغان يعمل بكامل طاقته لسد جميع الثغرات وتمهيد الطريق أمامه. وأحد السيناريوهات المحتملة التي يتداولها الرأي العام بهذا الخصوص، هو إجراء تعديل دستوري يعود فيه انتخاب الرئيس من قبل البرلمان كما كانت الحال قبل الانتقال إلى النظام الرئاسي، وبذلك يتجنب خسارة محتملة في اقتراع عام.
غير أن الطريقة التي أزيح بها أوزال من قيادة حزبه قد تأتي بنتائج عكسية. فاقتحام مقر قيادة حزب سياسي معارض لتنصيب زعيم محل الزعيم المنتخب هو سابقة في تاريخ تركيا السياسي لا يمكن التكهن بنتائجه.
أبعد مما حدث للحزب الجمهوري، يزداد المواطنون في تركيا فقداناً لثقتهم بالنظام الديمقراطي وتشكيكاً بجدوى تحمل عناء الانتظار في الطوابير للإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع، ما دامت السلطة قادرة على إلغاء نتائج أصواتهم بشتى أنواع الألاعيب.
نيسان ـ نشر في 2026/05/26 الساعة 00:00