واشنطن بوست: دولة صغيرة لا يمكنها الهيمنة على 500 مليون نسمة وحروب نتنياهو فاشلة وتزيد من نفور الأمريكيين

نيسان ـ نشر في 2026/05/26 الساعة 00:00
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقال رأي لماكس بوت قال فيه إن حروب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومحاولته تشكيل منطقة الشرق الأوسط حسبما يريد، ترتد عليه وتنتهي بالفشل، في وقت تتراجع فيه شعبية إسرائيل في الولايات المتحدة.
وبدأ الكاتب مقاله باستعادة تحذير لرئيس وزراء إسرائيل الأول، ديفيد بن غوريون، عام 1951، الذي دعا فيه إسرائيل للتخلص من “الوهم الساذج القائل بأننا نستطيع الحفاظ على أمن الدولة بالجيش وحده، فالأمن يقوم على سياسة خارجية سلمية ونية صادقة للعيش بسلام مع جيراننا، ومع جميع الأمم”. وقد سبق لنتنياهو أن استمع لتحذير سلفه، فرغم أنه كان دائما من دعاة الحرب، إلا أنه كان حذرا، وقوض اتفاقيات أوسلو، لكنه لم يتخل عنها.
وفي الماضي، عندما كان يشن الحروب، كانت حروبا قصيرة، تهدف إلى “تقليم العشب” لا إلى استئصاله. وكان إنجازه الأبرز هو اتفاقيات إبراهيم لعام 2020، التي أقامت علاقات دبلوماسية رسمية مع عدة دول عربية، وكان يطمح إلى توسيع نطاق هذا التقارب ليشمل المملكة العربية السعودية.
حروب نتنياهو ومحاولته تشكيل منطقة الشرق الأوسط حسبما يريد، ترتد عليه وتنتهي بالفشل
وقد تغير كل هذا بعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر، التي أصابت، كما يقول بوت، الإسرائيليين بصدمة نفسية وجعلتهم متطرفين ساعين إلى الأمن المطلق والانتقام الكامل.
ومنذ ذلك الحين، شنت إسرائيل عمليات عسكرية في قطاع غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران والعراق واليمن. وبدلا من السعي لردع أعداء إسرائيل وإضعافهم، تحدث نتنياهو عن “إبادتهم” وتعهد بتغيير “وجه الشرق الأوسط” و”إعادة رسم” خريطة المنطقة.
والكاتب، وإن تفهم رغبة نتنياهو في شن هجوم شامل بعد هذا الهجوم المفاجئ المدمر، إلا أنه يرى أن ذلك يأتي بنتائج عكسية، ففي سعيه وراء الأمن المطلق، يقوض نتنياهو مصالح إسرائيل طويلة الأمد، ويرهق الجيش الإسرائيلي، ويحول الدولة إلى منبوذة دوليا، كما أنه يجعل إسرائيل أكثر اعتمادا من أي وقت مضى على الحماية الأمريكية، في الوقت الذي تنهار فيه شعبية إسرائيل بشكل متزايد في أمريكا.
وقد كشفت الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران مدى صعوبة تحقيق أهداف دولة صغيرة كهذه، حتى مع تعاونها الوثيق مع قوة عظمى.
ففي حزيران/يونيو الماضي، وبعد 12 يوما من الغارات الجوية على إيران، أعلن نتنياهو “انتصارا تاريخيا سيبقى خالدا لأجيال”، وبعد ثمانية أشهر فقط، قاد إسرائيل، بالتحالف مع أمريكا، إلى صراع آخر أكثر طموحا مع إيران. وكان الهدف من هذا الصراع تدمير برامجها النووية والصاروخية وتغيير نظامها، ولم يتحقق أي من هذه الأهداف، وردت إيران بإغلاق مضيق هرمز.
ويقول بوت إن نتنياهو حاول جاهدا شن الحرب، لكنه فقد السيطرة عليها، وهمشه حليفه الرئيس دونالد ترامب من مفاوضات السلام، ويحاول إذلال رئيس الوزراء المتغطرس بقوله: “سيفعل ما أريده منه”.
وفي الشهر الماضي، أجبر ترامب إسرائيل على قبول وقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما رفضه نتنياهو رفضا قاطعا، ومن المرجح أن تعيد اتفاقية جديدة بين الولايات المتحدة وإيران إحياء الصراع.
ومع ذلك، لا يملك نتنياهو خيارا سوى التغاضي عن الأمر، لأنه، في انتهاك للشعار الصهيوني القديم المتمثل في الاعتماد على الذات: “سندافع عن أنفسنا بأنفسنا”، جعل إسرائيل تعتمد بشكل خطير على الولايات المتحدة.
وأشار الكاتب إلى ما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست” في الأسبوع الماضي، من أن الجيش الأمريكي استهلك “كميات هائلة من الذخائر المتطورة للدفاع عن إسرائيل وسط الأعمال العدائية مع إيران، أكثر بكثير مما أنفقته القوات الإسرائيلية نفسها”. ونقل الكاتب عن مسؤول في الإدارة الأمريكية قوله: “إسرائيل غير قادرة على خوض الحروب والفوز بها بمفردها، لكن لا أحد يعلم ذلك حقا، لأنهم لا يرون ما يحدث خلف الكواليس”.
وهذه مشكلة كبيرة وطويلة الأمد في إسرائيل، لأن دعمها في الولايات المتحدة يتراجع بشدة، ويعود ذلك جزئيا إلى تصاعد معاداة السامية، وأيضا إلى التقارير السلبية الكثيرة حول الخسائر في صفوف المدنيين في غزة. وتشير استطلاعات “غالوب” إلى أن الأمريكيين، ولأول مرة، يتعاطفون مع الفلسطينيين أكثر من تعاطفهم مع إسرائيل. ووجد مركز “بيو” للأبحاث أن 60% من الأمريكيين لديهم نظرة سلبية تجاه إسرائيل، مقارنة بـ42% في عام 2022.
دولة يبلغ تعداد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة، مهما بلغت قوتها، لا يمكنها الهيمنة على منطقة يزيد تعداد سكانها عن 500 ملايين نسمة
ويبدو أحيانا أن حكومة نتنياهو تتعمد استثارة الاستنكار الدولي. ففي الأسبوع الماضي، قامت قوات الأمن الإسرائيلية، بقيادة الوزير اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، بتقييد ناشطين دوليين ضمن “أسطول السلام” الذي كان يحاول تحدي الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة، وسخرت منهم. حتى إن السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، وصف تصرفات بن غفير بأنها “حقيرة”. واعترف نتنياهو نفسه عبر الإنترنت بأن “طريقة تعامل الوزير بن غفير مع ناشطي الأسطول لا تتوافق مع قيم إسرائيل ومعاييرها”. ومع ذلك، لا يزال بن غفير في منصبه.
ويعلق بوت بأن المشاعر المعادية لإسرائيل قد تستحق العناء لو كانت تحقق الأمن المطلق الذي يسعى إليه نتنياهو، لكن الواقع ليس كذلك. فقد احتلت إسرائيل أكثر من نصف قطاع غزة، لكن حماس لا تزال تسيطر على معظم السكان. ولا يزال حزب الله يمثل تهديدا رغم عملية البيجر عام 2024، وتجد القوات الإسرائيلية نفسها الآن غارقة في احتلال طويل الأمد لجنوب لبنان، مما يجعلها عرضة لهجمات حزب الله بطائراته المسيرة.
وذكرت شبكة “سي إن إن” أنه بعد أكثر من شهر من الغارات الجوية الإسرائيلية الأمريكية، “يتعافى الجيش الإيراني بوتيرة أسرع بكثير مما كان متوقعا في البداية”. وفي غضون ذلك، يتزايد الضغط على الجيش الإسرائيلي المنهك. ففي آذار/مارس، أبلغ رئيس الأركان العامة، الفريق إيال زامير، المجلس الوزاري الأمني أنه “يرفع عشرة أعلام حمراء”، وأن الجيش “ينهار على نفسه” بسبب عبء القتال المتواصل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
ويقول الكاتب إنه يفتقد نتنياهو القديم، الذي كان يدرك حدود قوة إسرائيل، فدولة يبلغ تعداد سكانها حوالي 10 ملايين نسمة، مهما بلغت قوتها، لا يمكنها الهيمنة على منطقة يزيد تعداد سكانها عن 500 ملايين نسمة. ومحاولة تحقيق هذا الهدف الوهمي لن يؤدي إلا إلى استنزاف قوة إسرائيل وأمنها.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/26 الساعة 00:00