الإبستينية الإسرائيلية.. هندسة الكذب وإدارة الوحشية
نيسان ـ نشر في 2026/05/26 الساعة 00:00
هندسة الوحش
الإبستينية ليست مجرد استعارة لغوية مشتقة من اسم إبستين – المرتبط بإسرائيل – بل توصيف لبنية كاملة من الانحلال الأخلاقي والسياسي حين تتحول الجريمة إلى أداة نفوذ، والابتزاز إلى شبكة حماية، والقوة إلى وسيلة لإعادة تعريف الحقيقة نفسها. فإبستين لم يكن في الوعي العالمي مجرد متهم بجرائم جنسية مروعة، بل رمزًا لعالمٍ تختلط فيه السلطة بالمال والابتزاز والعلاقات النافذة، حيث تستطيع المنظومات المتورطة أن تخفي القبح خلف واجهات النفوذ والخطاب العام. ومن هنا لا تبدو “الإبستينية” مجرد انحراف أخلاقي وحشي، بل نموذجًا لبنية قادرة على إعادة إنتاج الجريمة داخل منظومة سياسية وإعلامية كاملة، بحيث يصبح النفوذ أداةً لإدارة الإدراك العام، لا لإخفاء الحقيقة فقط بل لإعادة تصنيعها أيضًا.
بهذا المعنى، تبدو “الإبستينية” نمطًا سياسيًا وإعلاميًا قائمًا على ممارسة أبشع أشكال العنف ثم إعادة إنتاجها سرديًا بصورة معكوسة من خلال القوة أو الابتزاز أو كلاهما معًا.. لكن الأخطر أن هذا النموذج لا يكتفي بالكذب، بل يحاول احتكار تعريف الحقيقة ذاتها؛ أي احتكار من هو الإنسان، ومن هو الإرهابي، ومن يستحق الحياة، ومن يُسمح بموته بلا تعاطف أو مساءلة. وهنا تتحول الدعاية من مجرد أداة إعلامية إلى سلطة معرفية تحاول التحكم بالوعي العالمي وإعادة تشكيله.
احتكار الحقيقة
إسرائيل، ضمن هذا التصور، لا تكتفي بممارسة العنف المادي، بل تمارس عنفًا معرفيًا أيضًا؛ إذ تسعى إلى احتكار تعريف الإرهاب، واحتكار تعريف الضحية، واحتكار المعنى الأخلاقي ذاته. فهي ترتكب أفعالًا يراها العالم انتهاكًا صارخًا للقانون والإنسانية، ثم تعود لتقدّم نفسها بوصفها ممثلًا للقيم الغربية والأخلاق والديمقراطية. وهنا يتحول الإسقاط من مجرد أداة دعائية إلى عقيدة سياسية كاملة: اتهام الفلسطيني بما تمارسه المؤسسة الإسرائيلية نفسها من قتل جماعي وتجويع وحصار وتدمير ممنهج. فالمشكلة هنا ليست في الكذب وحده، بل في تحويل الكذب إلى بنية حكم، وإلى أداة لإدارة العالم أخلاقيًا وإعلاميًا، بحيث تصبح القوة قادرة على إعادة تعريف الجريمة بوصفها دفاعًا عن النفس، وإعادة تعريف الإبادة بوصفها ضرورة أمنية أو حضارية.
وهنا تتقاطع “الإبستينية” مع البنية الاستعمارية الحديثة نفسها؛ فكل مشروع هيمنة يحتاج أولًا إلى السيطرة على المعنى، وإلى امتلاك القدرة على تعريف الخير والشر، والإنسان واللاإنسان، والضحية والجلاد.
الإبادة والسردية
وتكمن خطورة النموذج الإسرائيلي؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بارتكاب المجازر أو تبريرها، بل ببناء منظومة خطابية عالمية تعيد هندسة الإدراك نفسه، بحيث يصبح الفلسطيني – رغم كونه الضحية المباشرة للاحتلال والحصار والقتل والتجويع – موضع اتهام أخلاقي وسياسي دائم. وكأن المثل العربي القديم “رمتني بدائها وانسلت” لم يعد مجرد حكمة، بل وصفًا دقيقًا لآلية اشتغال الخطاب الإسرائيلي. فإسرائيل لا تواجه الفلسطيني بوصفه خصمًا سياسيًا فقط، بل تعمل على إنتاجه رمزيًا ككائن منزوع الإنسانية، لأن كل مشروع استعماري يحتاج أولًا إلى تجريد ضحيته من إنسانيتها قبل الشروع في سحقها ماديًا.
والأخطر في “الإبستينية” ليس الكذب بحد ذاته، بل القدرة على إنتاج بيئة دولية يصبح فيها تزييف الوعي أكثر تأثيرًا من الحقيقة نفسها؛ حيث تُستخدم القوة الإعلامية والسياسية والاقتصادية لإعادة تشكيل الإدراك العالمي، لا لإخفاء الجريمة فقط، بل لتحويلها إلى سردية دفاع أخلاقي، وكأن امتلاك النفوذ يمنح الحق في إعادة تعريف الواقع والإنسانية والمعنى.
وما تكشف في غزة لم يكن فقط أزمة إسرائيل، بل أزمة النظام الدولي ذاته؛ إذ بدا العالم عاجزًا أخلاقيًا أمام جريمة تُبث مباشرة، بينما تستمر اللغة السياسية والإعلامية الغربية في البحث عن تبريرات للجلاد أكثر من بحثها عن عدالة للضحية.
وفي الأسابيع الأولى من حرب الإبادة على غزة، دفعت إسرائيل بآلة دعائية هائلة لتوصيف الفلسطينيين بوصفهم “وحوشًا بشرية” و”حيوانات” و”مغتصبين” وكيانًا متعطشًا للدم، في محاولة لتجريدهم من إنسانيتهم أخلاقيًا أمام العالم، وتوفير الغطاء النفسي والسياسي لأي مستوى من مستويات القتل والتدمير اللاحق. لم يكن الخطاب الإسرائيلي حينها مجرد خطاب حرب، بل عملية شيطنة شاملة تهدف إلى صناعة صورة متوحشة للفلسطيني، بحيث يصبح قتله أو تجويعه أو سحق مدنه فعلًا يمكن تبريره ضمنيًا داخل الوعي الغربي، بل وتحويل الإبادة نفسها إلى فعل يبدو وكأنه دفاع عن الحضارة أو عن “العالم الحر”. وقد استندت هذه العملية إلى ضخ هائل للروايات الكاذبة، والتضخيم العاطفي، والاستثمار المكثف في المخاوف التي تشكلت في الوعي الغربي، في واحدة من أكثر عمليات تصنيع الإدراك الجماعي كثافة في العصر الحديث.
فكل استعمار يحتاج إلى “وحش” يبرر وجوده، وكل مشروع إبادة يحتاج إلى ضحية جرى نزع إنسانيتها مسبقًا داخل الوعي العالمي.
ارتداد السردية
لكن ما جرى في حقيقة الأمر شكّل واحدة من أكثر لحظات الانكشاف التاريخي فجاجة؛ إذ بدأت كبرى الصحف والمؤسسات الإعلامية والحقوقية الدولية تتراجع عن كثير من الروايات والاتهامات التي ضُخّت في الأيام الأولى عن الفلسطينيين، بل وكذّبت السردية الإسرائيلية نفسها، بعدما اصطدمت الرواية بالوقائع الميدانية والصور والشهادات والتقارير المستقلة. وبينما كانت آلة الدعاية تواصل إنتاج خطاب “الهمجية الفلسطينية”، كانت صور غزة الحقيقية تُبث يوميًا أمام العالم: أحياء كاملة تُمحى، عشرات الآلاف من المدنيين يُقتلون، أطفال يُنتشلون من تحت الركام، مستشفيات وجامعات ومدارس ومخيمات ومراكز إيواء تُستهدف بصورة ممنهجة، وتجويع جماعي وحصار خانق وعقاب شامل لسكان محاصرين، وشهادات مروعة عن القتل والاغتصاب والتعذيب والإذلال. ومع تراكم المشاهد، بدا وكأن الواقع نفسه أخذ يهدم السردية الإسرائيلية حجرًا فوق حجر، ويكشف أن ما جرى كان انكشافًا لعنف استعماري عارٍ فقد قدرته على إخفاء نفسه.
والجديد في غزة لم يكن فقط حجم الجريمة المروعة، بل انهيار قدرة القوة على احتكار الرواية؛ فالمجزرة كانت تُبث مباشرة، بينما كانت السردية الرسمية تنهار في اللحظة نفسها أمام أعين العالم.
والأخطر أن إسرائيل لم تسقط فقط في تناقض دعائي، بل وقعت في فضيحة أخلاقية وسياسية وقانونية متكاملة؛ إذ بدا للعالم فجاجة كذبها بما وصفت به الفلسطينيين، بل إن كثيرًا من الشهادات الصادرة عن أسرى إسرائيليين أنفسهم تحدثت عن مستويات عالية من المعاملة الإنسانية والأخلاقية التي تلقوها من الفلسطينيين رغم ظروف الحرب والحصار والقصف، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تمارس، على مرأى البشرية كلها، الجرائم والوحشية ذاتها التي ألصقتها بالفلسطينيين. وهنا بدا المشهد وكأن إسرائيل لم تكن تصف الفلسطيني بقدر ما كانت تكشف عن صورتها العميقة هي؛ أي أنها مارست عملية إسقاط كاملة، تتهم فيها الضحية بما يختزنه الجلاد في بنيته النفسية والسياسية والعسكرية. وكأن إسرائيل كانت تخوض حربًا ضد صورتها المنعكسة في المرآة؛ فكل تهمة ألصقتها بالفلسطينيين عادت لتظهر في سلوكها هي بصورة أكثر عنفًا وتنظيمًا ووحشية.
وبينما رُفع خطاب “الهمجية الفلسطينية” لتبرير الحرب، تكشفت تدريجيًا مشاهد القتل الوحشي، والتدمير الشامل، والانتهاكات الصادمة بحق الأسرى والمعتقلين، والتقارير المتزايدة عن التعذيب والإذلال والانتهاكات الجنسية والاغتصاب والقتل داخل السجون ومراكز الاحتجاز، فضلًا عن سياسات التجويع الجماعي، واستهداف الطواقم الطبية والصحفيين، وتحويل الحياة المدنية بكاملها إلى هدف عسكري مفتوح. وهنا لم تعد القضية مجرد دعاية كاذبة، بل تحولت إلى حالة إسقاط سياسي وأخلاقي شبه كاملة: اتهام الضحية بما يفعله الجلاد، ثم ارتكاب ذلك بصورة أكثر اتساعًا ووحشية وتوثيقًا، إلى درجة بدا معها أن إسرائيل كانت تبني منذ البداية خطابًا استباقيًا لتبرير الجرائم التي كانت تستعد لارتكابها.
ولم يعد السؤال هنا متعلقًا فقط بما فعلته إسرائيل، بل بكيف استطاعت لعقود طويلة أن تُقدَّم عالميًا بوصفها ضحية دائمة رغم كل هذا العنف البنيوي الكامن في مشروعها السياسي والعسكري والاستعماري.
سقوط القناع
ومع مرور الوقت، لم تنكشف فقط هشاشة السردية الإسرائيلية، بل انكشفت أيضًا البنية العميقة للعنف الكامن خلفها؛ إذ رأى العالم، بصورة غير مسبوقة، كيف يمكن لدولة تدّعي الدفاع عن “القيم والحضارة” أن تمارس هذا القدر من القذارة وإبادة شعب والتدمير والقتل والتجويع والإلغاء الإنساني، ثم تستمر في مخاطبة العالم بلغة الأخلاق والتمدّن. وهكذا ارتدت الدعاية الإسرائيلية على نفسها بصورة مذهلة؛ فبدل أن تُثبت “وحشية الفلسطيني”، انتهت إلى كشف الوحشية البنيوية الكامنة في آلة الحرب والخطاب الإسرائيلي ذاته، في لحظة تاريخية بدا فيها الانكشاف أكبر من قدرة السردية على التغطية أو الإنكار، وأكبر حتى من قدرة القوة ذاتها على احتكار الحقيقة أو التحكم بالوعي العالمي كما كان يحدث لعقود طويلة.
وربما تكمن خطورة هذه اللحظة التاريخية لا في حجم الجريمة وحده، بل في سقوط القناع؛ إذ لم يعد العالم يرى فقط ما تفعله إسرائيل، بل كيف يمكن للقوة حين تتحالف مع الخوف والدعاية والنفوذ أن تحاول إعادة تعريف الحقيقة نفسها.
غير أن غزة، بكل دمها وركامها وصمودها، حوّلت هذا المشروع من أداة هيمنة إلى لحظة انكشاف تاريخي يصعب محوه من الذاكرة الإنسانية، لحظة لم تسقط فيها فقط سردية سياسية، بل انكشف فيها وجه عصر كامل كان يعتقد أن امتلاك القوة يكفي لامتلاك الحقيقة.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم بعد سقوط القناع: هل يكفي انكشاف الوحشية لإسقاط الوحش نفسه؟ صحيح أن التاريخ لا تحكمه الأخلاق وحدها، بل موازين القوة والمصالح والبنى الدولية التي كثيرًا ما حمت الاستعمار وأعادت إنتاجه. ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع استعماري ليس الهزيمة العسكرية فقط، بل فقدانه قدرته على إقناع العالم بشرعيته الأخلاقية. وحين يسقط القناع بهذا الشكل الفجّ، فإن ذلك قد لا يعني نهاية الوحش فورًا، لكنه قد يكون الإنذار الأقوى ببداية أفوله التاريخي؛ لأن الاستعمار يستطيع أن يعيش طويلًا بالقوة، لكنه لا يستطيع أن ينجو إلى الأبد بعد انكشاف حقيقته أمام الوعي الإنساني العالمي.
الإبستينية ليست مجرد استعارة لغوية مشتقة من اسم إبستين – المرتبط بإسرائيل – بل توصيف لبنية كاملة من الانحلال الأخلاقي والسياسي حين تتحول الجريمة إلى أداة نفوذ، والابتزاز إلى شبكة حماية، والقوة إلى وسيلة لإعادة تعريف الحقيقة نفسها. فإبستين لم يكن في الوعي العالمي مجرد متهم بجرائم جنسية مروعة، بل رمزًا لعالمٍ تختلط فيه السلطة بالمال والابتزاز والعلاقات النافذة، حيث تستطيع المنظومات المتورطة أن تخفي القبح خلف واجهات النفوذ والخطاب العام. ومن هنا لا تبدو “الإبستينية” مجرد انحراف أخلاقي وحشي، بل نموذجًا لبنية قادرة على إعادة إنتاج الجريمة داخل منظومة سياسية وإعلامية كاملة، بحيث يصبح النفوذ أداةً لإدارة الإدراك العام، لا لإخفاء الحقيقة فقط بل لإعادة تصنيعها أيضًا.
بهذا المعنى، تبدو “الإبستينية” نمطًا سياسيًا وإعلاميًا قائمًا على ممارسة أبشع أشكال العنف ثم إعادة إنتاجها سرديًا بصورة معكوسة من خلال القوة أو الابتزاز أو كلاهما معًا.. لكن الأخطر أن هذا النموذج لا يكتفي بالكذب، بل يحاول احتكار تعريف الحقيقة ذاتها؛ أي احتكار من هو الإنسان، ومن هو الإرهابي، ومن يستحق الحياة، ومن يُسمح بموته بلا تعاطف أو مساءلة. وهنا تتحول الدعاية من مجرد أداة إعلامية إلى سلطة معرفية تحاول التحكم بالوعي العالمي وإعادة تشكيله.
احتكار الحقيقة
إسرائيل، ضمن هذا التصور، لا تكتفي بممارسة العنف المادي، بل تمارس عنفًا معرفيًا أيضًا؛ إذ تسعى إلى احتكار تعريف الإرهاب، واحتكار تعريف الضحية، واحتكار المعنى الأخلاقي ذاته. فهي ترتكب أفعالًا يراها العالم انتهاكًا صارخًا للقانون والإنسانية، ثم تعود لتقدّم نفسها بوصفها ممثلًا للقيم الغربية والأخلاق والديمقراطية. وهنا يتحول الإسقاط من مجرد أداة دعائية إلى عقيدة سياسية كاملة: اتهام الفلسطيني بما تمارسه المؤسسة الإسرائيلية نفسها من قتل جماعي وتجويع وحصار وتدمير ممنهج. فالمشكلة هنا ليست في الكذب وحده، بل في تحويل الكذب إلى بنية حكم، وإلى أداة لإدارة العالم أخلاقيًا وإعلاميًا، بحيث تصبح القوة قادرة على إعادة تعريف الجريمة بوصفها دفاعًا عن النفس، وإعادة تعريف الإبادة بوصفها ضرورة أمنية أو حضارية.
وهنا تتقاطع “الإبستينية” مع البنية الاستعمارية الحديثة نفسها؛ فكل مشروع هيمنة يحتاج أولًا إلى السيطرة على المعنى، وإلى امتلاك القدرة على تعريف الخير والشر، والإنسان واللاإنسان، والضحية والجلاد.
الإبادة والسردية
وتكمن خطورة النموذج الإسرائيلي؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بارتكاب المجازر أو تبريرها، بل ببناء منظومة خطابية عالمية تعيد هندسة الإدراك نفسه، بحيث يصبح الفلسطيني – رغم كونه الضحية المباشرة للاحتلال والحصار والقتل والتجويع – موضع اتهام أخلاقي وسياسي دائم. وكأن المثل العربي القديم “رمتني بدائها وانسلت” لم يعد مجرد حكمة، بل وصفًا دقيقًا لآلية اشتغال الخطاب الإسرائيلي. فإسرائيل لا تواجه الفلسطيني بوصفه خصمًا سياسيًا فقط، بل تعمل على إنتاجه رمزيًا ككائن منزوع الإنسانية، لأن كل مشروع استعماري يحتاج أولًا إلى تجريد ضحيته من إنسانيتها قبل الشروع في سحقها ماديًا.
والأخطر في “الإبستينية” ليس الكذب بحد ذاته، بل القدرة على إنتاج بيئة دولية يصبح فيها تزييف الوعي أكثر تأثيرًا من الحقيقة نفسها؛ حيث تُستخدم القوة الإعلامية والسياسية والاقتصادية لإعادة تشكيل الإدراك العالمي، لا لإخفاء الجريمة فقط، بل لتحويلها إلى سردية دفاع أخلاقي، وكأن امتلاك النفوذ يمنح الحق في إعادة تعريف الواقع والإنسانية والمعنى.
وما تكشف في غزة لم يكن فقط أزمة إسرائيل، بل أزمة النظام الدولي ذاته؛ إذ بدا العالم عاجزًا أخلاقيًا أمام جريمة تُبث مباشرة، بينما تستمر اللغة السياسية والإعلامية الغربية في البحث عن تبريرات للجلاد أكثر من بحثها عن عدالة للضحية.
وفي الأسابيع الأولى من حرب الإبادة على غزة، دفعت إسرائيل بآلة دعائية هائلة لتوصيف الفلسطينيين بوصفهم “وحوشًا بشرية” و”حيوانات” و”مغتصبين” وكيانًا متعطشًا للدم، في محاولة لتجريدهم من إنسانيتهم أخلاقيًا أمام العالم، وتوفير الغطاء النفسي والسياسي لأي مستوى من مستويات القتل والتدمير اللاحق. لم يكن الخطاب الإسرائيلي حينها مجرد خطاب حرب، بل عملية شيطنة شاملة تهدف إلى صناعة صورة متوحشة للفلسطيني، بحيث يصبح قتله أو تجويعه أو سحق مدنه فعلًا يمكن تبريره ضمنيًا داخل الوعي الغربي، بل وتحويل الإبادة نفسها إلى فعل يبدو وكأنه دفاع عن الحضارة أو عن “العالم الحر”. وقد استندت هذه العملية إلى ضخ هائل للروايات الكاذبة، والتضخيم العاطفي، والاستثمار المكثف في المخاوف التي تشكلت في الوعي الغربي، في واحدة من أكثر عمليات تصنيع الإدراك الجماعي كثافة في العصر الحديث.
فكل استعمار يحتاج إلى “وحش” يبرر وجوده، وكل مشروع إبادة يحتاج إلى ضحية جرى نزع إنسانيتها مسبقًا داخل الوعي العالمي.
ارتداد السردية
لكن ما جرى في حقيقة الأمر شكّل واحدة من أكثر لحظات الانكشاف التاريخي فجاجة؛ إذ بدأت كبرى الصحف والمؤسسات الإعلامية والحقوقية الدولية تتراجع عن كثير من الروايات والاتهامات التي ضُخّت في الأيام الأولى عن الفلسطينيين، بل وكذّبت السردية الإسرائيلية نفسها، بعدما اصطدمت الرواية بالوقائع الميدانية والصور والشهادات والتقارير المستقلة. وبينما كانت آلة الدعاية تواصل إنتاج خطاب “الهمجية الفلسطينية”، كانت صور غزة الحقيقية تُبث يوميًا أمام العالم: أحياء كاملة تُمحى، عشرات الآلاف من المدنيين يُقتلون، أطفال يُنتشلون من تحت الركام، مستشفيات وجامعات ومدارس ومخيمات ومراكز إيواء تُستهدف بصورة ممنهجة، وتجويع جماعي وحصار خانق وعقاب شامل لسكان محاصرين، وشهادات مروعة عن القتل والاغتصاب والتعذيب والإذلال. ومع تراكم المشاهد، بدا وكأن الواقع نفسه أخذ يهدم السردية الإسرائيلية حجرًا فوق حجر، ويكشف أن ما جرى كان انكشافًا لعنف استعماري عارٍ فقد قدرته على إخفاء نفسه.
والجديد في غزة لم يكن فقط حجم الجريمة المروعة، بل انهيار قدرة القوة على احتكار الرواية؛ فالمجزرة كانت تُبث مباشرة، بينما كانت السردية الرسمية تنهار في اللحظة نفسها أمام أعين العالم.
والأخطر أن إسرائيل لم تسقط فقط في تناقض دعائي، بل وقعت في فضيحة أخلاقية وسياسية وقانونية متكاملة؛ إذ بدا للعالم فجاجة كذبها بما وصفت به الفلسطينيين، بل إن كثيرًا من الشهادات الصادرة عن أسرى إسرائيليين أنفسهم تحدثت عن مستويات عالية من المعاملة الإنسانية والأخلاقية التي تلقوها من الفلسطينيين رغم ظروف الحرب والحصار والقصف، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تمارس، على مرأى البشرية كلها، الجرائم والوحشية ذاتها التي ألصقتها بالفلسطينيين. وهنا بدا المشهد وكأن إسرائيل لم تكن تصف الفلسطيني بقدر ما كانت تكشف عن صورتها العميقة هي؛ أي أنها مارست عملية إسقاط كاملة، تتهم فيها الضحية بما يختزنه الجلاد في بنيته النفسية والسياسية والعسكرية. وكأن إسرائيل كانت تخوض حربًا ضد صورتها المنعكسة في المرآة؛ فكل تهمة ألصقتها بالفلسطينيين عادت لتظهر في سلوكها هي بصورة أكثر عنفًا وتنظيمًا ووحشية.
وبينما رُفع خطاب “الهمجية الفلسطينية” لتبرير الحرب، تكشفت تدريجيًا مشاهد القتل الوحشي، والتدمير الشامل، والانتهاكات الصادمة بحق الأسرى والمعتقلين، والتقارير المتزايدة عن التعذيب والإذلال والانتهاكات الجنسية والاغتصاب والقتل داخل السجون ومراكز الاحتجاز، فضلًا عن سياسات التجويع الجماعي، واستهداف الطواقم الطبية والصحفيين، وتحويل الحياة المدنية بكاملها إلى هدف عسكري مفتوح. وهنا لم تعد القضية مجرد دعاية كاذبة، بل تحولت إلى حالة إسقاط سياسي وأخلاقي شبه كاملة: اتهام الضحية بما يفعله الجلاد، ثم ارتكاب ذلك بصورة أكثر اتساعًا ووحشية وتوثيقًا، إلى درجة بدا معها أن إسرائيل كانت تبني منذ البداية خطابًا استباقيًا لتبرير الجرائم التي كانت تستعد لارتكابها.
ولم يعد السؤال هنا متعلقًا فقط بما فعلته إسرائيل، بل بكيف استطاعت لعقود طويلة أن تُقدَّم عالميًا بوصفها ضحية دائمة رغم كل هذا العنف البنيوي الكامن في مشروعها السياسي والعسكري والاستعماري.
سقوط القناع
ومع مرور الوقت، لم تنكشف فقط هشاشة السردية الإسرائيلية، بل انكشفت أيضًا البنية العميقة للعنف الكامن خلفها؛ إذ رأى العالم، بصورة غير مسبوقة، كيف يمكن لدولة تدّعي الدفاع عن “القيم والحضارة” أن تمارس هذا القدر من القذارة وإبادة شعب والتدمير والقتل والتجويع والإلغاء الإنساني، ثم تستمر في مخاطبة العالم بلغة الأخلاق والتمدّن. وهكذا ارتدت الدعاية الإسرائيلية على نفسها بصورة مذهلة؛ فبدل أن تُثبت “وحشية الفلسطيني”، انتهت إلى كشف الوحشية البنيوية الكامنة في آلة الحرب والخطاب الإسرائيلي ذاته، في لحظة تاريخية بدا فيها الانكشاف أكبر من قدرة السردية على التغطية أو الإنكار، وأكبر حتى من قدرة القوة ذاتها على احتكار الحقيقة أو التحكم بالوعي العالمي كما كان يحدث لعقود طويلة.
وربما تكمن خطورة هذه اللحظة التاريخية لا في حجم الجريمة وحده، بل في سقوط القناع؛ إذ لم يعد العالم يرى فقط ما تفعله إسرائيل، بل كيف يمكن للقوة حين تتحالف مع الخوف والدعاية والنفوذ أن تحاول إعادة تعريف الحقيقة نفسها.
غير أن غزة، بكل دمها وركامها وصمودها، حوّلت هذا المشروع من أداة هيمنة إلى لحظة انكشاف تاريخي يصعب محوه من الذاكرة الإنسانية، لحظة لم تسقط فيها فقط سردية سياسية، بل انكشف فيها وجه عصر كامل كان يعتقد أن امتلاك القوة يكفي لامتلاك الحقيقة.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأهم بعد سقوط القناع: هل يكفي انكشاف الوحشية لإسقاط الوحش نفسه؟ صحيح أن التاريخ لا تحكمه الأخلاق وحدها، بل موازين القوة والمصالح والبنى الدولية التي كثيرًا ما حمت الاستعمار وأعادت إنتاجه. ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع استعماري ليس الهزيمة العسكرية فقط، بل فقدانه قدرته على إقناع العالم بشرعيته الأخلاقية. وحين يسقط القناع بهذا الشكل الفجّ، فإن ذلك قد لا يعني نهاية الوحش فورًا، لكنه قد يكون الإنذار الأقوى ببداية أفوله التاريخي؛ لأن الاستعمار يستطيع أن يعيش طويلًا بالقوة، لكنه لا يستطيع أن ينجو إلى الأبد بعد انكشاف حقيقته أمام الوعي الإنساني العالمي.
نيسان ـ نشر في 2026/05/26 الساعة 00:00