ماركيز: الأب لا يرحل دفعة واحدة. يرحل على دفعات.

سليمان قبيلات
نيسان ـ نشر في 2026/05/31 الساعة 00:00
ليت الآباء لا يشيبون.. ولا يمرضون.. ولا يحزنون.. ولا يرحلون.
ليت الزمن يتوقف عند ملامحهم الأولى، حين كانوا أقوياء كالجذور، لا تهزّهم الأيام ولا تُثقلهم التفاصيل الصغيرة التي تسرق العمر بصمت.
لكن الآباء لا يُشبهون ما نريد.
يمضون مثل ضوء خافت لا يعلن عن انطفائه، بل يتلاشى ببطء حتى نكتشف متأخرين أننا كنا نعيش على دفئه دون أن ننتبه.
نراهم يشيخون فجأة، كأن الشيخوخة كانت تنتظر لحظة غفلة واحدة لتدخل دون استئذان.
نسمع في سعالهم اعتذارًا لا يقولونه، وفي صمتهم جملة واحدة: “لا تقلقوا، ما زلت بخير”… رغم أن التعب صار واضحًا ككتاب مفتوح.
الأب لا يرحل دفعة واحدة.
يرحل على دفعات صغيرة:
في نظرة أضعف، في خطوة أبطأ، في يد ترتجف قليلًا وهي تخفي ذلك.
ثم يأتي الغياب الحقيقي… ليس حين يغلقون الباب، بل حين ندرك أن الباب كان يُغلق منذ زمن ونحن نظنّه مفتوحًا.
هناك نوع من الحزن لا يُبكى كاملًا، لأنه أكبر من الدموع، وأهدأ من الصراخ.
حزن يأتي متأخرًا دائمًا، حين يصبح كل ما نريده هو دقيقة إضافية فقط… لا لتغيير شيء، بل لنقول ما لم نقل، وننظر كما ينبغي أن ننظر منذ البداية.
وحين يغيب الأب، لا يغيب شخص فقط.
يغيب شكل العالم كما كنا نعرفه.
ويبقى في الداخل فراغ لا يملؤه الزمن، بل يعلمه فقط كيف يُؤلمنا بصمت أقل كل يوم.
    نيسان ـ نشر في 2026/05/31 الساعة 00:00