برودة العلاقات الأوروبية الأمريكية ولهيب هرمز
نيسان ـ نشر في 2026/05/31 الساعة 00:00
كان وزير خارجية الولايات المتحدة ماركو روبيو صريحاً وواضحاً حينما أبلغ وزراء خارجية حلف الناتو في اجتماعهم الأخير، الذي عقد في مدينة هلسنبوري/هلسينغبورغ في الجنوب السويدي الجميل، بأن الرئيس الأمريكي وإدارته شعروا بخيبة أمل من مواقف بعض دول الحلف من الحرب الأمريكية على إيران، وهي الدول التي منعت استخدام القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها لدعم تلك الحرب. وأشار إلى إسبانيا على وجه التخصيص، هذا مع العلم بأن إسبانيا لم تكن وحدها التي اتخذت هذا الموقف، وإنما شاركتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وحتى إيطاليا. ولكنه، ولاعتبارات سياسية على الأغلب، لم يعمم بل أشاد بدول أوروبية أخرى، لم يسمها بالاسم، لما قدّمته، على حدّ قوله، من دعم في نطاق الحرب المعنية.
ولكن الأوروبيين من جانبهم لهم عتبهم على الإدارة الأمريكية، وعلى مواقف الرئيس ترامب منهم تحديداً. فقد أهملهم الأخير في استراتيجيته الدفاعية، إن لم نقل أنه تخلى عنهم؛ وفرض عليهم قبل ذلك الرسوم الجمركية المرتفعة التي لا تنسجم مع العلاقات التجارية بين الحلفاء والشركاء الاستراتيجيين. كما قلًص دعمه لأوكرانيا، بل وصل به الأمر إلى حد توبيخ الرئيس الأوكراني في البيت الأبيض أمام مرأى ومسمع العالم كله، والاستهزاء بمعظم القادة الأوروبيين. هذا في حين أنه كان، وما زال، يحرص على إظهار الود والاحترام للرئيس الروسي الذي يمثل بالنسبة للأوروببين، خاصة بالنسبة لدول البلطيق والشمال والمنطقة القطبية، خطراً جدياً وجودياً محتملاً لا يمكن غضّ النظر عنه.
كما أن الأوروبيين لديهم عتب آخر على إدارة ترامب يعبرون عنه على الوجه الآتي: لا يمكن أن ندخل حرباً لا نعلم الهدف أو الأهداف من ورائها، ونجهل ماهية وأبعاد الخطط والقرارات الأمريكية المستعجلة الخاصة بها.
والجدير بالذكر هنا هو أن الاجتماع الذي تم في السويد كان تمهيداً لاجتماع دول الحلف الذي سيعقد على مستوى القمة في أنقرة يومي 7 و 8 تموز/يوليو القادم، وهو الاجتماع الذي ستكون له أهمية خاصة في ضوء التطورات بالغة الأهمية التي جرت، وتجري، في المنطقة وعلى المستوى العالمي.
فهو يأتي في مناخات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومآلاتها وتفاعلاتها على المستويين الإقليمي والدولي. فقد تسبّب إغلاق مضيق هرمز في أزمة عالمية في ميدان النفط، وأدى إلى توتر الأجواء. كما بيّن للجميع أن الولايات المتحدة لم تعد تلك القوة التي تستطيع بمفردها حسم الأمور ومواجهة التحديات المتنامية على الصعيد الدولي. وهذا ما تجلّى بوضوح من خلال الزيارة الأخيرة التي قادم بها ترامب إلى الصين؛ إذ ظهر أن خيارات الصين أكثر، وإمكانياتها في ميدان بناء العلاقات والشراكات مع مختلف الأطراف وعقد التحالفات أكبر. وقد شكلت زيارة الرئيس الروسي بوتين إلى بكين غداة مغادرة ترامب لها؛ وكذلك زيارة رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف بعد زيارة بوتين، إشارتين سياسيتين بالغتي الأهمية في هذا المجال.
فالصين تتصرف اليوم كقوة ندّية للولايات المتحدة وهي تمتلك الامكانيات الاقتصادية والتكنولوجية والبحثية، وحتى العسكرية، التي تؤهلها لذلك. وقد عبّر الرئيس الصيني شي جين بينغ عن ذلك بذكاء لافت مستلهم من التاريخ الإغريقي حينما أشار إلى مخاطر وقوع قوتين: واحدة مهيمنة (الولايات المتحدة)، وأخرى صاعدة طموحة (الصين) في فخ ثوسيديدس الذي يشير إلى الصراع الذي نشب بين أسبرطة وأثينا خلال الحروب البيلوبونيسية.
ليس من الواضح بعد ما إذا كان الرئيس ترامب سيشارك في قمة الأطلسي في أنقرة بعد نحو شهرين أم لا، ولكن في جميع الأحوال ستكون مشاركته بصورة شخصية أفضل من عدمها، لتتم مناقشة كل القضايا الخلافية مع زعماء الحلف بصورة علنية وصريحة.
وما يُرجّح مشاركة ترامب في القمة هو الاتصال الهاتفي الأخير الذي تم بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وهو الاتصال الذي أظهر فيه ترامب اهتمامه بشؤون المنطقة. وكان من اللافت بخصوص هذا الاتصال قول اردوغان بأنه بحث مع ترامب أهمية موضوع الاستقرار في سوريا التي تمثل مفتاح استقرار المنطقة. ولكن رغم كل الجهود التي بذلت، وتبذل، من قبل باكستان وقطر وربما أطراف أخرى، ورغم التصريحات الإيحائية التفاؤلية بعض الشيء التي يطلقها المسؤولون الأمريكان، لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق مبدئي أو مرحلي بين الولايات المتحدة وإيران.
ولكن أوروبا ما زالت بعيدة عن صميم ما يجري، ولا يتجاوز دورها سقف العبارات الدبلوماسية العامة التي لا تجد صدى لها في الواقع الميداني، خاصة من جهة التشاور والتنسيق مع الجانب الأمريكي.
هل سيراجع الرئيس ترامب مع إدارته استراتيجياته وماهية علاقاته في التعامل مع الدول الأوروبية؟ أم أنه سيظل في خطه الحالي الذي يتجسّد في التبرّم والشكوى والتقليل من الأهمية، والسخرية من الديمقراطيات الأوروبية واتهامها بالضعف والجهل؟ وسيستمر في التعويل على الحركات القوموية اليمينية المتشدددة، هذه الحركات التي يبدو أنها رغم كل صخبها وشعوبيتها وتزايد تأثيرها في الأوساط الشعبية المتذمرة من أوضاعها الاقتصادية نتيجة الأزمات المتلاحقة في العقد الأخير (أزمة اللاجئين 2015، أزمة كورونا/كوفيد 19، 2020، الحرب الروسية على أوكرانيا 2022، وأزمة الطاقة نتيجة اغلاق مضيق هرمز 2026).
ولكن بغض النظر عما سيقدم عليه ترامب في المدى المنظور، فقد تعرضت ثقة الأوروبيين بالحليف الأمريكي لهزّة كبيرة في عهده، وليس من السهولة بمكان استعادتها. لاسيما أن هناك خشية من استمرارية النزعة الترامبية حتى بعد مغادرة صاحبها البيت الأبيض.
وبالتوافق مع هذا الاستنتاج، يُلاحظ بروز توجه أوروبي واضح نحو رفع الإنفاق العسكري، وتطوير الصناعات والتكنولوجيات العسكرية؛ وإعادة هيكلة الأجهزة والأنظمة الاستخباراتية. ولعل الصفقة التي عقدتها السويد مع فرنسا للحصول على أربع فرقاطات لتعزيز قوة ترسانتها البحرية والدفاعية بصورة عامة هي خطوة في هذا المجال، وهي خطوة تنسجم مع توجه فرنسا نحو بناء قوة دفاعية ذاتية أوروبية تحسباً لأي طارئ غير مرغوب فيه.
فالسويد التي تخلت عن حياديتها، وخالفت عقيدتها السياسية التي اعتمدتها على مدى نحو مئتي عام، فوجئت بموقف إدارة ترامب السلبي من موضوع الاستمرار في دعم أوكرانيا لتتمكن الأخيرة من مواجهة الغزو الروسي؛ هذا مع العلم أن السويد، رغم حجمها المتواضع على مستوى الاتحاد الأوروبي، تعد الدولة الثالثة في حلف الناتو على صعيد كمية المساعدات العسكرية التي تقدمها لأوكرانيا لتصمد الأخيرة في الحرب التي فرضتها عليها روسيا، وهي الحرب المشتعلة على أبوابها، وتثير في السويديين هواجسهم القديمة تجاه روسيا، وتفعّل وذكرياتهم غير السارة معها في تاريخهم القريب نسبياً.
والسويد ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي تراقب بعين الشك سياسات ترامب تجاه أوروبا، وإنما تشاركها دول الشمال، خاصة الدانمارك التي تعاني مجددا من تدخلات الولايات المتحدة في شؤون غرينلاند ومساعيها للهيمنة على الجزيرة التابعة للسيادة الدانماركية، وذلك بشكل قد لا يرتقي إلى مستوى السيطرة والإلحاق، ولكنها رغبة في الهيمنة، وتكريس للغطرسة في جميع الأحوال.
من جهة أخرى يعاني ترامب من تراجع مستمر في شعبيته بين الأمريكان حاليا، وعلى الأغلب ستنعكس آثار ذلك، ما لم يحدث أي تغيير أو تظهر أي مفاجآت، على نتائج الانتخابات الأمريكية النصفية القادمة. وهذا فحواه التضييق على حرية ترامب في اتخاذ القرارات المتسرّعة التي لا يمكن فهمها وفق الأساليب المنطقية المعتادة في عالم اتخاذ القرارات الكبرى الاستراتيجية من قبل الدول الكبرى. لذلك يشعر الأوروبيون وكأنهم قد ربطوا مصيرهم بمصير أخ أكبر لا يفكر سوى في نفسه، ومستعد لعقد الصفقات مع الآخرين على حسابهم. ولعل هذا ما يفسر توجههم نحو البدائل استعداداً لأي طارئ؛ وإعادة النظر في قواعد اتخاذ القرارات ضمن الاتحاد الأوروبي تحاشياً لمخاطر محتملة لظهور أي أوربان جديد، قد يكون قريباً من ترامب وبوتين في الوقت ذاته.
ومن البدائل المحتملة التي يمكن أن يلجا إليها الأوروبيون على مستوى العلاقات الدولية ربما تكون الصين وحتى الهند، ولكن تبقى منطقة الشرق الأوسط هي الأقرب إليهم. وهي المنطقة التي تمتلك الطاقة والأسواق الواعدة، وإمكانيات بناء الشراكات المنتجة إذا ما تحقق الأمن والاستقرار؛ وسوريا تمثل في هذا المجال المنطقة الأكثر حيوية التي تجذب اهتمام الأوروبيين رغم الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها راهناً.
لذلك نلاحظ هذا الحرص الأوروبي المستمر على توجيه الدعوات إلى المسؤولين السوريين لحضور الفعاليات السياسية والاقتصادية على مختلف المستويات، والموضوع الأهم بالنسبة للأوروبيين لا يقتصر على موضوع اللاجئين كما يسوّقه بعضهم؛ وإنما يشمل أيضاً فكرة عقد شراكات مستقبلية في ميادين التجارة والإنتاج والمواصلات وغيرها من الميادين التي قد يكون من المفيد للطرفين الاستثمار فيها.
وهذا ما يؤكد أهمية إقدام الإدارة السورية على خطوات عملية جادّة، تتجاوز حدود التصريحات والإعلانات والوعود. خطوات تفضي إلى ترسيخ الاستقرار والسلام المجتمعي عبر العدالة الانتقالية العادلة وفق الشروط والمعايير القانونية الدولية؛ وتحقيق المصالحة الوطنية عبر المصارحة والاعتذار وتعويض الأضرار، وتجاوز الأحقاد وروحية الانتقام، وكل ذلك يمرّ عبر بوابة القطع مع الخطاب التجييشي المحرّض بكل أشكاله.
هذا بالإضافة إلى ضرورة ضمان الأمن، وتحريك العجلة الاقتصادية، وتوفير فرص العمل، وإشراك السوريين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية والجهوية في الإدارة والعملية التنموية. وكل هذه الأمور تستوجب حوارا حقيقيا بين السوريين. حوار هدفه تحديد أولويات المرحلة الانتقالية، والتوافق بشأن خريطة طريق تبين بوضوح السقف الزمني لما ينبغي إنجازه كل مرحلة فرعية ضمن العملية الانتقالية العامة، حتى يصل السوريون إلى بر الأمان، ويتمكّنوا من انتخاب حكومتهم الاعتيادية بعد التوافق على دستور وطني عام يطمئن الجميع من دون أي تمييز أو استثناء.
ولكن الأوروبيين من جانبهم لهم عتبهم على الإدارة الأمريكية، وعلى مواقف الرئيس ترامب منهم تحديداً. فقد أهملهم الأخير في استراتيجيته الدفاعية، إن لم نقل أنه تخلى عنهم؛ وفرض عليهم قبل ذلك الرسوم الجمركية المرتفعة التي لا تنسجم مع العلاقات التجارية بين الحلفاء والشركاء الاستراتيجيين. كما قلًص دعمه لأوكرانيا، بل وصل به الأمر إلى حد توبيخ الرئيس الأوكراني في البيت الأبيض أمام مرأى ومسمع العالم كله، والاستهزاء بمعظم القادة الأوروبيين. هذا في حين أنه كان، وما زال، يحرص على إظهار الود والاحترام للرئيس الروسي الذي يمثل بالنسبة للأوروببين، خاصة بالنسبة لدول البلطيق والشمال والمنطقة القطبية، خطراً جدياً وجودياً محتملاً لا يمكن غضّ النظر عنه.
كما أن الأوروبيين لديهم عتب آخر على إدارة ترامب يعبرون عنه على الوجه الآتي: لا يمكن أن ندخل حرباً لا نعلم الهدف أو الأهداف من ورائها، ونجهل ماهية وأبعاد الخطط والقرارات الأمريكية المستعجلة الخاصة بها.
والجدير بالذكر هنا هو أن الاجتماع الذي تم في السويد كان تمهيداً لاجتماع دول الحلف الذي سيعقد على مستوى القمة في أنقرة يومي 7 و 8 تموز/يوليو القادم، وهو الاجتماع الذي ستكون له أهمية خاصة في ضوء التطورات بالغة الأهمية التي جرت، وتجري، في المنطقة وعلى المستوى العالمي.
فهو يأتي في مناخات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ومآلاتها وتفاعلاتها على المستويين الإقليمي والدولي. فقد تسبّب إغلاق مضيق هرمز في أزمة عالمية في ميدان النفط، وأدى إلى توتر الأجواء. كما بيّن للجميع أن الولايات المتحدة لم تعد تلك القوة التي تستطيع بمفردها حسم الأمور ومواجهة التحديات المتنامية على الصعيد الدولي. وهذا ما تجلّى بوضوح من خلال الزيارة الأخيرة التي قادم بها ترامب إلى الصين؛ إذ ظهر أن خيارات الصين أكثر، وإمكانياتها في ميدان بناء العلاقات والشراكات مع مختلف الأطراف وعقد التحالفات أكبر. وقد شكلت زيارة الرئيس الروسي بوتين إلى بكين غداة مغادرة ترامب لها؛ وكذلك زيارة رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف بعد زيارة بوتين، إشارتين سياسيتين بالغتي الأهمية في هذا المجال.
فالصين تتصرف اليوم كقوة ندّية للولايات المتحدة وهي تمتلك الامكانيات الاقتصادية والتكنولوجية والبحثية، وحتى العسكرية، التي تؤهلها لذلك. وقد عبّر الرئيس الصيني شي جين بينغ عن ذلك بذكاء لافت مستلهم من التاريخ الإغريقي حينما أشار إلى مخاطر وقوع قوتين: واحدة مهيمنة (الولايات المتحدة)، وأخرى صاعدة طموحة (الصين) في فخ ثوسيديدس الذي يشير إلى الصراع الذي نشب بين أسبرطة وأثينا خلال الحروب البيلوبونيسية.
ليس من الواضح بعد ما إذا كان الرئيس ترامب سيشارك في قمة الأطلسي في أنقرة بعد نحو شهرين أم لا، ولكن في جميع الأحوال ستكون مشاركته بصورة شخصية أفضل من عدمها، لتتم مناقشة كل القضايا الخلافية مع زعماء الحلف بصورة علنية وصريحة.
وما يُرجّح مشاركة ترامب في القمة هو الاتصال الهاتفي الأخير الذي تم بينه وبين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وهو الاتصال الذي أظهر فيه ترامب اهتمامه بشؤون المنطقة. وكان من اللافت بخصوص هذا الاتصال قول اردوغان بأنه بحث مع ترامب أهمية موضوع الاستقرار في سوريا التي تمثل مفتاح استقرار المنطقة. ولكن رغم كل الجهود التي بذلت، وتبذل، من قبل باكستان وقطر وربما أطراف أخرى، ورغم التصريحات الإيحائية التفاؤلية بعض الشيء التي يطلقها المسؤولون الأمريكان، لم يتم التوصل حتى الآن إلى اتفاق مبدئي أو مرحلي بين الولايات المتحدة وإيران.
ولكن أوروبا ما زالت بعيدة عن صميم ما يجري، ولا يتجاوز دورها سقف العبارات الدبلوماسية العامة التي لا تجد صدى لها في الواقع الميداني، خاصة من جهة التشاور والتنسيق مع الجانب الأمريكي.
هل سيراجع الرئيس ترامب مع إدارته استراتيجياته وماهية علاقاته في التعامل مع الدول الأوروبية؟ أم أنه سيظل في خطه الحالي الذي يتجسّد في التبرّم والشكوى والتقليل من الأهمية، والسخرية من الديمقراطيات الأوروبية واتهامها بالضعف والجهل؟ وسيستمر في التعويل على الحركات القوموية اليمينية المتشدددة، هذه الحركات التي يبدو أنها رغم كل صخبها وشعوبيتها وتزايد تأثيرها في الأوساط الشعبية المتذمرة من أوضاعها الاقتصادية نتيجة الأزمات المتلاحقة في العقد الأخير (أزمة اللاجئين 2015، أزمة كورونا/كوفيد 19، 2020، الحرب الروسية على أوكرانيا 2022، وأزمة الطاقة نتيجة اغلاق مضيق هرمز 2026).
ولكن بغض النظر عما سيقدم عليه ترامب في المدى المنظور، فقد تعرضت ثقة الأوروبيين بالحليف الأمريكي لهزّة كبيرة في عهده، وليس من السهولة بمكان استعادتها. لاسيما أن هناك خشية من استمرارية النزعة الترامبية حتى بعد مغادرة صاحبها البيت الأبيض.
وبالتوافق مع هذا الاستنتاج، يُلاحظ بروز توجه أوروبي واضح نحو رفع الإنفاق العسكري، وتطوير الصناعات والتكنولوجيات العسكرية؛ وإعادة هيكلة الأجهزة والأنظمة الاستخباراتية. ولعل الصفقة التي عقدتها السويد مع فرنسا للحصول على أربع فرقاطات لتعزيز قوة ترسانتها البحرية والدفاعية بصورة عامة هي خطوة في هذا المجال، وهي خطوة تنسجم مع توجه فرنسا نحو بناء قوة دفاعية ذاتية أوروبية تحسباً لأي طارئ غير مرغوب فيه.
فالسويد التي تخلت عن حياديتها، وخالفت عقيدتها السياسية التي اعتمدتها على مدى نحو مئتي عام، فوجئت بموقف إدارة ترامب السلبي من موضوع الاستمرار في دعم أوكرانيا لتتمكن الأخيرة من مواجهة الغزو الروسي؛ هذا مع العلم أن السويد، رغم حجمها المتواضع على مستوى الاتحاد الأوروبي، تعد الدولة الثالثة في حلف الناتو على صعيد كمية المساعدات العسكرية التي تقدمها لأوكرانيا لتصمد الأخيرة في الحرب التي فرضتها عليها روسيا، وهي الحرب المشتعلة على أبوابها، وتثير في السويديين هواجسهم القديمة تجاه روسيا، وتفعّل وذكرياتهم غير السارة معها في تاريخهم القريب نسبياً.
والسويد ليست الدولة الأوروبية الوحيدة التي تراقب بعين الشك سياسات ترامب تجاه أوروبا، وإنما تشاركها دول الشمال، خاصة الدانمارك التي تعاني مجددا من تدخلات الولايات المتحدة في شؤون غرينلاند ومساعيها للهيمنة على الجزيرة التابعة للسيادة الدانماركية، وذلك بشكل قد لا يرتقي إلى مستوى السيطرة والإلحاق، ولكنها رغبة في الهيمنة، وتكريس للغطرسة في جميع الأحوال.
من جهة أخرى يعاني ترامب من تراجع مستمر في شعبيته بين الأمريكان حاليا، وعلى الأغلب ستنعكس آثار ذلك، ما لم يحدث أي تغيير أو تظهر أي مفاجآت، على نتائج الانتخابات الأمريكية النصفية القادمة. وهذا فحواه التضييق على حرية ترامب في اتخاذ القرارات المتسرّعة التي لا يمكن فهمها وفق الأساليب المنطقية المعتادة في عالم اتخاذ القرارات الكبرى الاستراتيجية من قبل الدول الكبرى. لذلك يشعر الأوروبيون وكأنهم قد ربطوا مصيرهم بمصير أخ أكبر لا يفكر سوى في نفسه، ومستعد لعقد الصفقات مع الآخرين على حسابهم. ولعل هذا ما يفسر توجههم نحو البدائل استعداداً لأي طارئ؛ وإعادة النظر في قواعد اتخاذ القرارات ضمن الاتحاد الأوروبي تحاشياً لمخاطر محتملة لظهور أي أوربان جديد، قد يكون قريباً من ترامب وبوتين في الوقت ذاته.
ومن البدائل المحتملة التي يمكن أن يلجا إليها الأوروبيون على مستوى العلاقات الدولية ربما تكون الصين وحتى الهند، ولكن تبقى منطقة الشرق الأوسط هي الأقرب إليهم. وهي المنطقة التي تمتلك الطاقة والأسواق الواعدة، وإمكانيات بناء الشراكات المنتجة إذا ما تحقق الأمن والاستقرار؛ وسوريا تمثل في هذا المجال المنطقة الأكثر حيوية التي تجذب اهتمام الأوروبيين رغم الأوضاع الاستثنائية التي تعيشها راهناً.
لذلك نلاحظ هذا الحرص الأوروبي المستمر على توجيه الدعوات إلى المسؤولين السوريين لحضور الفعاليات السياسية والاقتصادية على مختلف المستويات، والموضوع الأهم بالنسبة للأوروبيين لا يقتصر على موضوع اللاجئين كما يسوّقه بعضهم؛ وإنما يشمل أيضاً فكرة عقد شراكات مستقبلية في ميادين التجارة والإنتاج والمواصلات وغيرها من الميادين التي قد يكون من المفيد للطرفين الاستثمار فيها.
وهذا ما يؤكد أهمية إقدام الإدارة السورية على خطوات عملية جادّة، تتجاوز حدود التصريحات والإعلانات والوعود. خطوات تفضي إلى ترسيخ الاستقرار والسلام المجتمعي عبر العدالة الانتقالية العادلة وفق الشروط والمعايير القانونية الدولية؛ وتحقيق المصالحة الوطنية عبر المصارحة والاعتذار وتعويض الأضرار، وتجاوز الأحقاد وروحية الانتقام، وكل ذلك يمرّ عبر بوابة القطع مع الخطاب التجييشي المحرّض بكل أشكاله.
هذا بالإضافة إلى ضرورة ضمان الأمن، وتحريك العجلة الاقتصادية، وتوفير فرص العمل، وإشراك السوريين بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية والجهوية في الإدارة والعملية التنموية. وكل هذه الأمور تستوجب حوارا حقيقيا بين السوريين. حوار هدفه تحديد أولويات المرحلة الانتقالية، والتوافق بشأن خريطة طريق تبين بوضوح السقف الزمني لما ينبغي إنجازه كل مرحلة فرعية ضمن العملية الانتقالية العامة، حتى يصل السوريون إلى بر الأمان، ويتمكّنوا من انتخاب حكومتهم الاعتيادية بعد التوافق على دستور وطني عام يطمئن الجميع من دون أي تمييز أو استثناء.
نيسان ـ نشر في 2026/05/31 الساعة 00:00