أمريكا تعطل فتح المضيق

اسماعيل الشريف
نيسان ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 00:00
إذا كنت تسيطر على العملة الاحتياطية العالمية، فأنت تسيطر على العالم- جيمس ريكارد، كتاب حروب العملات.ما الذي سيحدث بعد فتح مضيق هرمز؟قد تستغرق شركات الشحن والتأمين بعض الوقت قبل أن تعود حركة الملاحة إلى سابق عهدها، ريثما تتأكد من زوال جميع الأخطار. ومع مرور الوقت، ستنتهي أزمة النفط والأمونيا، وتستعيد سلاسل الإمداد استقرارها تدريجياً. عندها سيشعر الجميع بالارتياح باستثناء دولة واحدة: الولايات المتحدة الأمريكية.كما هو معلوم، يُسعَّر النفط عالمياً بالدولار الأمريكي، أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع الطلب على النفط، وبالتالي ارتفاع الطلب على الدولار، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في أداء مؤشر الدولار الأمريكي DXY.ومؤشر الدولار الأمريكي هو مقياس لقيمة الدولار مقارنة بسلة من العملات العالمية.في السابع والعشرين من شباط كان المؤشر عند مستوى 97.59، ثم بدأ بالارتفاع ليبلغ ذروته عند أكثر من 110 في آذار، قبل أن يتراجع مجدداً ليستقر اليوم حول 98.25، أي قريباً جداً من مستواه قبل إغلاق المضيق، وذلك رغم ارتفاع الطلب على الدولار لشراء النفط.إذا فُتح المضيق، فمن المرجح أن ينخفض الطلب على الدولار بشكل كبير، الأمر الذي قد يدفع مؤشره إلى تراجع حاد، وربما إلى حدود 91 نقطة. وهذا يعني ارتفاعاً كبيراً في كلفة الواردات الأمريكية نتيجة تراجع القوة الشرائية للدولار أمام العملات الأخرى.إذن، نحن أمام مرحلة قد يشهد فيها الدولار تراجعاً ملحوظاً، خصوصاً في ظل الأزمة الحادة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي. وقد تناولت إحدى الأوراق البحثية هذه الإشكالية تحت عنوان: «فك ارتباط امتياز الدولار وسندات الخزانة (Decoupling Dollar and Treasury Privilege)، وهي تحاول الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن للدولار أن يبقى قوياً ومطلوباً عالمياً، في الوقت الذي تفقد فيه سندات الخزانة الأمريكية جاذبيتها؟كان يُنظر دائماً إلى الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الأمريكية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة؛ فهناك طلب عالمي على الدولار، وعلى السندات الأمريكية كذلك، بوصفها من أشهر الأصول الآمنة في العالم: سهلة التداول، عالية الأمان، ويمكن استخدامها كضمان مالي حتى مع انخفاض العوائد عليها.لكن بعد أزمة عام 2008، استمر الطلب على الدولار، في حين بدأ الطلب على سندات الخزانة الأمريكية بالتراجع نتيجة تآكل ما يُعرف بـ «Convenience Yield» أو «عائد الملاءمة/الراحة». فقبل عام 2008، كان المستثمرون مستعدين للتضحية بجزء من أرباحهم مقابل الاحتفاظ بالسندات الأمريكية لما توفره من أمان وسيولة وموثوقية. غير أن هذه الميزة بدأت بالتراجع لعدة أسباب، أبرزها تضخم الدين الأمريكي، وقدرة الشركات والمؤسسات على الحصول على الدولار عبر أدوات مالية أخرى دون الحاجة إلى شراء السندات الأمريكية، إضافة إلى القيود التنظيمية التي جعلت البنوك أقل استعداداً للاحتفاظ بكميات ضخمة من السندات طويلة الأجل.تعتمد الولايات المتحدة بصورة أساسية على بيع سندات الخزانة لتمويل عجزها الضخم. ولذلك، فإن أي تراجع في الطلب على هذه السندات سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية؛ ما يعني زيادة عبء خدمة الدين واتساع الضغوط على الاقتصاد الأمريكي. ومع تراجع الطلب على الدولار نفسه، سيصبح ضعف العملة الأمريكية أكثر وضوحاً وتأثيراً.وقد بدأت بعض الشركات الأمريكية الكبرى بالفعل الاقتراض بعملات أجنبية، سواء خارج الولايات المتحدة أو حتى داخلها. فعلى سبيل المثال، أصدرت كل من آبل وأمازون سندات مقومة باليورو، في حين أصدرت ألفابت (جوجل) سندات طويلة الأجل بالجنيه الإسترليني. ويعكس هذا التوجه سعي تلك الشركات إلى تنويع مصادر التمويل والاستفادة من ظروف اقتراض قد تكون أكثر ملاءمة خارج إطار الدولار الأمريكي.ويعود السبب في ذلك إلى أن أي شركة تُصدر سندات بالدولار الأمريكي تجد نفسها في منافسة مباشرة مع الحكومة الأمريكية. وبما أن الحكومة تمتلك القدرة على طباعة المزيد من النقود، فإن سنداتها تُعد أكثر أماناً في نظر المستثمرين، ما يمنحها أفضلية في الحصول على التمويل بعوائد أقل وشروط أفضل. لذلك، تلجأ بعض الشركات إلى حل أكثر عملية: إصدار سندات بعملات أجنبية أخرى بدلاً من الدولار، هرباً من منافسة يصعب مجاراتها داخل السوق الأمريكية.لكن إذا تراجع الطلب العالمي على الدولار الأمريكي، فما الذي سيبقيه قوياً ويدعمه؟ عملياً، لا شيء. فعندما يفقد الدولار جزءاً من جاذبيته، ويتراجع الطلب على سندات الخزانة الأمريكية في الوقت ذاته، سيجد نفسه في نهاية المطاف مضطراً إلى الانحدار بالتوازي مع تآكل امتياز السندات الأمريكية وتراجع عوائدها الحقيقية.متى سيحدث ذلك؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين. لكن مضيق هرمز قد يكون أحد العوامل المحفِّزة المحتملة لهذه التحولات. فربما، بعد إعادة فتح المضيق وعودة تدفقات الطاقة إلى طبيعتها، يبدأ مؤشر الدولار الأمريكي بالتراجع، ثم يواصل الانخفاض تدريجياً مع تآكل العوامل التي كانت تدعمه لعقود طويلة.للاستزادة وضعت رابطا للدراسة:https://tinyurl.com/mr39j964جاهز ///////////// إسماعيل الشريف أمريكا تعطل فتح المضيق.إذا كنت تسيطر على العملة الاحتياطية العالمية، فأنت تسيطر على العالم- جيمس ريكارد، كتاب حروب العملات.ما الذي سيحدث بعد فتح مضيق هرمز؟قد تستغرق شركات الشحن والتأمين بعض الوقت قبل أن تعود حركة الملاحة إلى سابق عهدها، ريثما تتأكد من زوال جميع الأخطار. ومع مرور الوقت، ستنتهي أزمة النفط والأمونيا، وتستعيد سلاسل الإمداد استقرارها تدريجياً. عندها سيشعر الجميع بالارتياح باستثناء دولة واحدة: الولايات المتحدة الأمريكية.كما هو معلوم، يُسعَّر النفط عالمياً بالدولار الأمريكي، أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع الطلب على النفط، وبالتالي ارتفاع الطلب على الدولار، وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح في أداء مؤشر الدولار الأمريكي DXY.ومؤشر الدولار الأمريكي هو مقياس لقيمة الدولار مقارنة بسلة من العملات العالمية.في السابع والعشرين من شباط كان المؤشر عند مستوى 97.59، ثم بدأ بالارتفاع ليبلغ ذروته عند أكثر من 110 في آذار، قبل أن يتراجع مجدداً ليستقر اليوم حول 98.25، أي قريباً جداً من مستواه قبل إغلاق المضيق، وذلك رغم ارتفاع الطلب على الدولار لشراء النفط.إذا فُتح المضيق، فمن المرجح أن ينخفض الطلب على الدولار بشكل كبير، الأمر الذي قد يدفع مؤشره إلى تراجع حاد، وربما إلى حدود 91 نقطة. وهذا يعني ارتفاعاً كبيراً في كلفة الواردات الأمريكية نتيجة تراجع القوة الشرائية للدولار أمام العملات الأخرى.إذن، نحن أمام مرحلة قد يشهد فيها الدولار تراجعاً ملحوظاً، خصوصاً في ظل الأزمة الحادة التي يمر بها الاقتصاد الأمريكي. وقد تناولت إحدى الأوراق البحثية هذه الإشكالية تحت عنوان: «فك ارتباط امتياز الدولار وسندات الخزانة (Decoupling Dollar and Treasury Privilege)، وهي تحاول الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن للدولار أن يبقى قوياً ومطلوباً عالمياً، في الوقت الذي تفقد فيه سندات الخزانة الأمريكية جاذبيتها؟كان يُنظر دائماً إلى الدولار الأمريكي وسندات الخزانة الأمريكية باعتبارهما وجهين لعملة واحدة؛ فهناك طلب عالمي على الدولار، وعلى السندات الأمريكية كذلك، بوصفها من أشهر الأصول الآمنة في العالم: سهلة التداول، عالية الأمان، ويمكن استخدامها كضمان مالي حتى مع انخفاض العوائد عليها.لكن بعد أزمة عام 2008، استمر الطلب على الدولار، في حين بدأ الطلب على سندات الخزانة الأمريكية بالتراجع نتيجة تآكل ما يُعرف بـ «Convenience Yield» أو «عائد الملاءمة/الراحة». فقبل عام 2008، كان المستثمرون مستعدين للتضحية بجزء من أرباحهم مقابل الاحتفاظ بالسندات الأمريكية لما توفره من أمان وسيولة وموثوقية. غير أن هذه الميزة بدأت بالتراجع لعدة أسباب، أبرزها تضخم الدين الأمريكي، وقدرة الشركات والمؤسسات على الحصول على الدولار عبر أدوات مالية أخرى دون الحاجة إلى شراء السندات الأمريكية، إضافة إلى القيود التنظيمية التي جعلت البنوك أقل استعداداً للاحتفاظ بكميات ضخمة من السندات طويلة الأجل.تعتمد الولايات المتحدة بصورة أساسية على بيع سندات الخزانة لتمويل عجزها الضخم. ولذلك، فإن أي تراجع في الطلب على هذه السندات سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية؛ ما يعني زيادة عبء خدمة الدين واتساع الضغوط على الاقتصاد الأمريكي. ومع تراجع الطلب على الدولار نفسه، سيصبح ضعف العملة الأمريكية أكثر وضوحاً وتأثيراً.وقد بدأت بعض الشركات الأمريكية الكبرى بالفعل الاقتراض بعملات أجنبية، سواء خارج الولايات المتحدة أو حتى داخلها. فعلى سبيل المثال، أصدرت كل من آبل وأمازون سندات مقومة باليورو، في حين أصدرت ألفابت (جوجل) سندات طويلة الأجل بالجنيه الإسترليني. ويعكس هذا التوجه سعي تلك الشركات إلى تنويع مصادر التمويل والاستفادة من ظروف اقتراض قد تكون أكثر ملاءمة خارج إطار الدولار الأمريكي.ويعود السبب في ذلك إلى أن أي شركة تُصدر سندات بالدولار الأمريكي تجد نفسها في منافسة مباشرة مع الحكومة الأمريكية. وبما أن الحكومة تمتلك القدرة على طباعة المزيد من النقود، فإن سنداتها تُعد أكثر أماناً في نظر المستثمرين، ما يمنحها أفضلية في الحصول على التمويل بعوائد أقل وشروط أفضل. لذلك، تلجأ بعض الشركات إلى حل أكثر عملية: إصدار سندات بعملات أجنبية أخرى بدلاً من الدولار، هرباً من منافسة يصعب مجاراتها داخل السوق الأمريكية.لكن إذا تراجع الطلب العالمي على الدولار الأمريكي، فما الذي سيبقيه قوياً ويدعمه؟ عملياً، لا شيء. فعندما يفقد الدولار جزءاً من جاذبيته، ويتراجع الطلب على سندات الخزانة الأمريكية في الوقت ذاته، سيجد نفسه في نهاية المطاف مضطراً إلى الانحدار بالتوازي مع تآكل امتياز السندات الأمريكية وتراجع عوائدها الحقيقية.متى سيحدث ذلك؟ لا أحد يعلم على وجه اليقين. لكن مضيق هرمز قد يكون أحد العوامل المحفِّزة المحتملة لهذه التحولات. فربما، بعد إعادة فتح المضيق وعودة تدفقات الطاقة إلى طبيعتها، يبدأ مؤشر الدولار الأمريكي بالتراجع، ثم يواصل الانخفاض تدريجياً مع تآكل العوامل التي كانت تدعمه لعقود طويلة.للاستزادة وضعت رابطا للدراسة:https://tinyurl.com/mr39j964
    نيسان ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 00:00