جنرال يحرّك الملايين خلف ستار السلطة.. من هو الرجل الثاني في إيران؟

نيسان ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 00:00
شراكة جديدة غامضة بين اثنين من أقوى الشخصيات داخل الحرس الثوري الإيراني، تبرز في ظل تشتت مراكز القوى في إيران بعد اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.إقصاء «بوتين» إيرانبعد وفاة خامنئي والغياب الغامض لابنه وخليفته المحتمل مجتبى، سار السرد الإعلامي السائد بسرعة نحو توصيف رئيس البرلمان الإيراني والقيادي المخضرم في الحرس الثوري محمد باقر قاليباف بأنه «بوتين» إيران.ورغم أن الحرس الثوري لا يزال بالفعل يمسك بزمام السلطة في النظام (وهو مسار بدأ قبل الحرب بوقت طويل)، سرعان ما اتضح أن قاليباف ليس مركز القوة الحقيقي في طهران، حسبما جاء في تقرير لصحيفة التلغراف البريطانية..لم يقتصر الأمر على تراجع نفوذ قاليباف خلال المفاوضات مع الولايات المتحدة، بل إن تسريبات متداولة داخل شبكات من قيادات الحرس الأصغر سنًا تشير إلى أن الرجل بات مهمشًا بعد إبعاده عن مراكز التأثير.إعادة تشكيل مراكز القوىفي مارس/آذار، كُشف أن أحمد وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري، هو فعليًا الشخصية الأكثر نفوذًا داخل النظام، وهو ما أكدته لاحقًا مصادر استخباراتية غربية. لكن هذه ليست سوى نصف الصورة.ورغم أن وحيدي يُعد شخصية محورية في النظام، فإنه ابتعد خلال السنوات الأخيرة عن القيادة الميدانية للحرس لانشغاله بمناصب حكومية، منها وزير الداخلية في حكومة الراحل إبراهيم رئيسي عام 2021، ورئاسته لجامعة الدفاع الوطني العليا منذ 2018. لذلك، منذ لحظة توليه قيادة الحرس، كان بحاجة إلى توسيع قاعدته داخل المؤسسة، خصوصًا بين الأجيال الشابة وميليشيا الباسيج.وهنا يظهر دور محمد علي جعفري (المعروف أيضًا بعزيز جعفري)، القائد السابق للحرس الثوري، والذي يُنظر إليه على أنه ربما ثاني أقوى شخصية داخل إيران حاليًا. جعفري يمثل الحل لمشكلة وحيدي، وتشير المعطيات إلى تشكل تحالف غير واضح بينهما، في مواجهة مباشرة مع قاليباف.من هو جعفري؟جعفري هو قائد عسكري إيراني، تولى رئاسة مركز الأبحاث الاستراتيجية التابع للقوات البرية الإيرانية، ثم عُين في 1 سبتمبر/أيلول 2007 قائدًا للحرس الثوري خلفًا للفريق يحيى رحيم صفوي.شارك جعفري، المولود في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1957، في حرب الخليج الأولى (حرب العراق وإيران) متطوعًا في قوات التعبئة العامة (الباسيج)، قبل أن يلتحق رسميًا بالحرس الثوري عام 1981.وخلال الحرب الإيرانية العراقية، قاد معسكر "غرب" ثم معسكر "نجف"، إلى جانب توليه مناصب أخرى، من بينها قائد لواء "عاشوراء"، ومساعد الحرس في مدينة تستر، وقائد معسكر القدس.تولى قيادة القوات البرية للحرس الثوري لمدة 13 عامًا، كما ترأس مركز الأبحاث الاستراتيجية التابع للحرس الثوري منذ عام 2005.أما الحدث الأبرز في مسيرته، فكان تعيينه في 1 سبتمبر/أيلول 2007 قائدًا للحرس الثوري الإيراني خلفًا للفريق يحيى رحيم صفوي، مع ترقيته من رتبة عميد إلى جنرال، ليصبح ثالث قائد لهذه المؤسسة العسكرية المهمة في إيران بعد الجنرال يحيى رحيم صفوي وسلفه الجنرال محسن رضائي.ويُنظر إلى القائد السابق للحرس الثوري محمد علي جعفري داخل النخبة الأمنية الإيرانية باعتباره أحد أبرز العقول العسكرية في المؤسسة الإيرانية.وقد تولى قيادة الحرس الثوري بين عامي 2007 و2019، وهي واحدة من أطول فترات القيادة في تاريخ المؤسسة، وشهدت توسع نفوذ الحرس إقليميًا وتعزيز دوره الأمني داخل إيران.استراتيجية الفسيفساءوتنسب إليه صحيفة "نيويورك تايمز" تطوير ما يُعرف بـ«استراتيجية الفسيفساء»، وهي منظومة قيادة لامركزية صُممت لضمان استمرار العمليات العسكرية حتى في حال اغتيال عدد كبير من القادة، وهو ما تقول الصحيفة إن إيران استفادت منه خلال الحرب الحالية.كما لعب دورًا محوريًا في توسيع شبكة الجماعات الحليفة لإيران في المنطقة، وكان قد صرح عام 2015 بأن "الحرس الثوري سيواصل القتال حتى نهاية النظام الصهيوني".مواجهة علنيةوقد أصبحت مواجهة جعفري مع قاليباف علنية عام 2022، بعد تسريب تسجيل صوتي يعود إلى 2018 يُظهر اتهامات بالفساد طالت قاليباف. ورغم ذلك، فإن جعفري هو الذي خسر منصبه لاحقًا.لكن جعفري لم يُقصَ فعليًا. ففي عام 2019، تولى قيادة واحدة من أكثر المؤسسات سرية وتأثيرًا داخل النظام، وهي مقر «بقية الله» المرتبط بالحرس الثوري، والذي يرفع تقاريره مباشرة إلى مكتب المرشد الأعلى.وتؤكد تسريبات من داخل هذا المقر أن له وضعًا خاصًا يماثل قوة القدس، حيث يرفع تقاريره مباشرة إلى مكتب المرشد.يُعد جعفري أحد أبرز العقول الاستراتيجية داخل الحرس الثوري. وخلال فترة قيادته بين 2007 و2019، أعاد هيكلة الحرس عبر سياسة اللامركزية العسكرية، وهي استراتيجية باتت اليوم تُستخدم في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. كما أنشأ تشكيلات إقليمية للحرس تحضيرًا لحرب خارجية محتملة واضطرابات داخلية.كما أسهم في تطوير قدرات الحرب غير التقليدية، وأشرف على تأسيس جهاز استخبارات الحرس، ووحدة الحرب السيبرانية، وتعزيز قدرات المواجهة غير المتكافئة مع الولايات المتحدة. وكان له دور بارز في قمع احتجاجات 2009 و2017–2018.الحلقة الوسطىوفي 2019، أنشأ جعفري «مقر بقية الله» كذراع اجتماعية وثقافية للحرس، هدفه تنظيم وتعبئة القاعدة الشعبية الراديكالية للنظام عبر ما يسمى «الحلقة الوسطى»، وهي شبكة من الشباب الإسلاميين المتشددين.تسعى هذه الشبكة إلى بناء نحو 800 ألف مجموعة صغيرة تضم قرابة أربعة ملايين عضو، موزعين على الأحياء، خلال خمس سنوات، بهدف تنفيذ عمليات ثقافية وسياسية تشمل الدعاية والتأثير السياسي وإعادة تشكيل النتائج الانتخابية.كما استُخدمت هذه البنية في الانتخابات، حيث أشار تسجيل مسرّب عام 2024 إلى دور جعفري في التأثير على المسارات الانتخابية، ودعم السياسي سعيد جليلي ومنع قاليباف من الوصول إلى الجولة الثانية.وبذلك تمكن جعفري من ترسيخ نفوذ قوي داخل الجيلين الثالث والرابع من الحرس الثوري والباسيج، وهي القاعدة نفسها التي يحتاجها وحيدي اليوم.كما أن النظرة الأيديولوجية المتشددة لكل من وحيدي وجعفري تجاه قاليباف تعزز هذا التقارب، خاصة في ظل اتهامات الفساد التي طالت الأخير وأثرت على صورة الحرس الثوري كقوة أيديولوجية.وتعود بعض هذه الاتهامات إلى نمط حياة عائلة قاليباف، بما في ذلك ارتباط ابنه إسحاق لفترة طويلة بأستراليا، وامتلاكه ممتلكات ودخلًا عقاريًا، إضافة إلى فضيحة «لايته غيت» عام 2022.سياسيًا، يُنظر إلى قاليباف على أنه شخصية براغماتية متقلبة بين أدوار متعددة، ما جعله موضع شك داخل دوائر النظام.وبذلك يبدو أن تقاطع المصالح بين وحيدي وجعفري قد أسس لتحالف يهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوة داخل الحرس الثوري، عبر إضعاف قاليباف وتعزيز النفوذ الأيديولوجي الصارم داخل المؤسسة.إذا نجح هذا التحالف، فقد يؤدي إلى إعادة تشكيل بنية الحرس الثوري بالكامل من حيث الأفراد والتكتيكات. فكلا الرجلين يمثلان رؤية أيديولوجية متشددة ترى السياسة والمجتمع والإقليم من منظور أمني-ديني صارم.وإذا استمر هذا المسار، فقد يتحول النظام من دولة دينية يحميها الحرس الثوري إلى نظام أمني-ديني يهيمن عليه الحرس نفسه.داخليًا، قد يصبح النظام أكثر قمعًا. وخارجيًا، قد يتبنى الحرس سياسة أكثر عدوانية، حيث يصبح الصراع مع الخصوم لغة طبيعية لا خيارًا استثنائيًا، وفي حال استمرار هذا التحالف، ستتضح هذه التحولات بشكل أكبر في المرحلة المقبلة.
    نيسان ـ نشر في 2026/06/01 الساعة 00:00