حين تصبح الخريطة أكثر قداسة من الدولة

مالك عثامنة
نيسان ـ نشر في 2026/06/02 الساعة 00:00
أطلق الدكتور جواد العناني، وهو رئيس ديوان ملكي سابق ونائب سابق لرئيس الوزراء الأردني وصاحب سجل طويل في مواقع الدولة العليا، تصريحا ساخرا عن طريقة رسم الحدود الأردنية، مستخدما عبارة أوحت بأن من رسمها لم يكن في أفضل أحواله، فاشتعلت المنصات، وتصدر اسمه قوائم التداول بالتخوين والإساءة والتعريض والهمز واللمز الإقليمي، وانهال عليه من يتهمه بالخيانة، ومن يصفه بالعمالة، ومن يطالب بمحاسبته، كأن الدفاع عن خطوط جغرافية رسمها موظف بريطاني في مكتب لندني صار واجبا دينيا مقدسا.
لكن قبل أن نسأل إن كان العناني قد أخطأ، علينا أن نسأل السؤال الأصعب، هل كل الذين هاجموه يعرفون تاريخ تلك الحدود أصلا، وبعيدا عن إنشائيات من نوع "حدود وطن بنيناه بالدم والشهداء"، وهي مرافعة جميلة لموضوع إذاعة مدرسية من ثمانينات القرن الماضي، فإن التاريخ لا يدار بالعاطفة وحدها، ولا تحمي الدول حيلة تحويل الخرائط إلى أصنام سياسية لا يجوز الاقتراب منها.
لنبدأ من نقد منصف يتعلق بجواد العناني نفسه، فهو رجل دولة محنك، عاش في قلب صناعة القرار الأردني عقودا، وشارك في مفاوضات السلام، وأدار ملفات خارجية بالغة الحساسية، وهذه التجربة تمنحه رصيدا عميقا في فهم تاريخ المنطقة وخرائطها وكيف نشأت، لذلك ما يمكن أن يقال في حقه ليس أنه أخطأ في المضمون، بل ربما أخطأ في الأسلوب، أو ربما تعمد ذلك، فالرجل الذي اختار الدبلوماسية مسارا لحياته يعرف أن المفردات ليست بريئة، وأن الصياغة الساخرة في الفضاء العام لا تعمل كما تعمل في قاعة محاضرات أكاديمية، وحين يقول مسؤول سابق كلاما قابلا للتأويل بأكثر من طريقة، فإنه يتحمل جزءا من مسؤولية ما ينتج عن ذلك التأويل.
كان بإمكان العناني أن يقول الشيء ذاته بلغة المؤرخ أو المحلل، فيحدث الأثر المطلوب من دون أن يفتح الباب أمام حملة الإسكات المعهودة، لكن ما لا نعرفه هو إن كان قد تعمد الصدمة ذاتها، وربما يكون الرجل قد بلغ مرحلة يرى فيها أن التلميح والتهذيب لم يعودا كافيين، وأن الصدمة هي الأداة الوحيدة القادرة على تحريك ضمائر راسخة في يقينها، وإن كان الأمر كذلك، فالحكمة في حكمته تلك لا يعرفها إلا هو.
لكي نفهم لماذا لم يكن العناني مخطئا في جوهر ما قاله، نحتاج إلى جولة قصيرة في التاريخ، وهو تاريخ موثق ومعلن ومتاح، ففي مايو 1916 التقى دبلوماسيان، البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو، واتفقا سرا على تقسيم بلاد الشام والعراق وما حولهما إلى مناطق نفوذ بين لندن وباريس، بينما كان العرب يقاتلون في الصحراء بوعود استقلال لم تف بها القوى الكبرى، ولم تكن تلك الخطوط حدودا نهائية، بل مناطق نفوذ أعيد رسمها مرات لاحقة في مؤتمر سان ريمو عام 1920، ومعاهدة لوزان عام 1923، وسلسلة طويلة من الترتيبات والاتفاقيات التي تلت ذلك.
الأردن نفسه لم ينبثق كدولة من فراغ تاريخي، ولم يكن خطا هندسيا نازلا من السماء، بل تأسس عام 1921 حين قررت بريطانيا إنشاء إمارة شرق الأردن بقيادة الأمير عبدالله بن الحسين في سياق التسويات الكبرى بعد الحرب العالمية الأولى وبعد خروج الهاشميين من الحجاز، وحتى حدوده لم تكتمل دفعة واحدة، ففي عام 1965، وهذا ليس زمنا بعيدا، وقع الأردن اتفاقية مع المملكة العربية السعودية تنازل بموجبها عن آلاف الكيلومترات المربعة من الصحراء الشمالية مقابل امتداد إضافي على ساحل خليج العقبة، وتم ذلك كله بهدوء، ومن دون أن يصرخ أحد بأن الوطن في خطر، لأن العقلاء فهموا أن الحدود أداة في إدارة الدولة وليست عقيدة مغلقة.
وهكذا كان الحال في كثير من المنطقة، فلواء الإسكندرون اقتطع من سوريا وضم إلى تركيا عام 1939 في صفقة سياسية صنعتها فرنسا، وسوريا بقيت ترفض الاعتراف بذلك، وحدود الكويت والعراق ونجد رسمت في اجتماع العقير عام 1922 بقرار من موظف بريطاني اسمه برسي كوكس، ولبنان صمم بحدود تخدم مصالح طائفية وفرنسية أكثر مما تعكس طبيعة جغرافية أو ديموغرافية خالصة، فإن كان هذا كله لا يستحق سؤالا ساخرا، فماذا يستحق.
الظاهرة الأكثر إثارة للقلق في هذه القضية لم تكن تصريح العناني، بل ردة الفعل عليه، فثمة نمط متكرر في مجتمعاتنا، كلما طرح سؤال جوهري حول الجغرافيا أو التاريخ أو الهوية، خرجت جوقة تحمل درع الوطنية سلاحا للإسكات لا للحوار، وهؤلاء لا يدافعون في الحقيقة عن الوطن، بل يدافعون عن راحتهم في عدم التفكير، فالوطنية الحقيقية هي أن تسأل بلدك الأسئلة الصعبة كي تخدمه بوعي أفضل، لا أن تصرخ في وجه كل من يقترب من تلك الأسئلة.
الدول التي قرأت تاريخها بعيون مفتوحة هي التي تقدمت فعلا، فألمانيا بنت هويتها الجديدة على مواجهة جرائم الماضي لا على إنكارها، وفرنسا تناقش فلسفيا وسياسيا معنى حدودها وموقعها ودورها في عالم متغير، وإسرائيل، وهنا المفارقة الموجعة، تتصرف في الجغرافيا التي تحتلها بمنطق استراتيجي بارد، ولا يوقفها صراخ أحد عن قدسية الحدود حين ترى فرصة أو فراغا أو مصلحة.
وحين سقط نظام الأسد في ديسمبر 2024، فتح الزلزال السياسي نافذة نادرة في تاريخ المنطقة، فراغ استراتيجي هائل، ودولة تبحث عن هوية، وحدود فعلية بلا سلطة حقيقية تديرها، إسرائيل فهمت الدرس في الساعات الأولى، فتحركت قواتها لاحتلال المنطقة العازلة في الجولان وما وراءها، وتوغلت داخل الأراضي السورية، لا لأن ذلك قانوني أو أخلاقي بالضرورة، بل لأن منطقها يقول إن الفراغ يملؤه من يتحرك أولا، وتركيا موجودة في شمال سوريا منذ سنوات، تدير مناطق نفوذ، وتبني منظومات إدارية واقتصادية، وتمتص الديموغرافيا لصالحها، من دون أن يتوقف أحد عند قدسية الحدود السورية.
أما الأردن، فله في هذا الملف ما لا يملكه غيره، امتداد عشائري وقبلي وعائلي عميق في جنوب سوريا، وحوران ودرعا ليستا عمقا سوريا خالصا بالمعنى الشامي بالنسبة إلى كثير من الأردنيين في الشمال، بل كانتا ولا تزالان مرتبطتين بالشمال الأردني بشبكة من العلاقات الاجتماعية والتجارية والعائلية التي لم تفصلها الحدود التي فرضها الفرنسيون، ولم يكن مطلوبا من الأردن أن يرسل جيشه، لكن كان يمكنه أن يطرح بجرأة أجندة مناطق آمنة في جنوب سوريا، وأن يبني حضورا مؤسسيا، وأن يستثمر شبكة علاقاته القبلية والعائلية، وأن يتحرك كما تتحرك الدول التي تعرف أن الفرص لا تطرق الباب مرتين.
بدلا من ذلك، جاء الموقف الأردني محافظا وانتظاريا، يخشى الخطوة أكثر مما يخشى ضياع الفرصة، وهنا يصبح السؤال موجها لا إلى العناني وحده، بل إلى كل المتشدقين بالوطنية، لماذا يجوز لإسرائيل وتركيا أن تتحركا بمنطق استراتيجي لخدمة مصالحهما، فيسمى ذلك براغماتية ودهاء، بينما حين يقترح أردني التفكير في الجغرافيا، يصبح الأمر خيانة وعمالة.
الحدود في التاريخ لم يحمها الذين يصرخون في وجه المفكرين، بل حمتها الجيوش والدبلوماسية والاقتصاد والتحالفات والذكاء الاستراتيجي ومنطق الدولة بكامل أهليتها المؤسساتية ودستورها وقوانينها، أما الصراخ المبني على عاطفة مجردة، فلم يسترجع أرضا، ولم يحم حدودا، ولم يصنع سياسة في أي يوم من الأيام.
ربما اختار الدكتور العناني مفرداته بطريقة تصادمية أكثر مما تقنع، وهذا نقد مشروع يحتمل المواجهة النقدية والمعرفية، لكن الذين يريدون إسكاته يفعلون شيئا أخطر بكثير، فهم يجعلون التفكير في الجغرافيا تهمة، ويحولون الأسئلة الاستراتيجية إلى محرمات، ويبنون هوية وطنية على قدسية زائفة لخطوط رسمها آخرون لحساب آخرين.
ومع كل ما قلته أعلاه، فأنا أردني فخور بدولتي الأردنية، وهي دولة أنجزت مئويتها باقتدار، وتجاوزت كل تحديات الشطب والإزالة، بل تلاشى كل الذين راهنوا على زوال الأردن وبقي هو دولة بكامل عافيتها في محيط مضطرب، لكن هذا الإنجاز لم يكن يوما وليد الحناجر الصاخبة، بل وليد وعي جمعي عميق، وعي لا يقوضه إلا الجهل والديماغوجيا الشوفينية التي تظن أن حب الوطن يبدأ بتكميم الأفواه.
    نيسان ـ نشر في 2026/06/02 الساعة 00:00