حين يصبح برّ الوالدين خبراً ..شكرا للفقهاء وقد أعاد الأب إلى مكانه الطبيعي

نيسان ـ نشر في 2026/06/02 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
تستوقفني دائما التفاصيل الصغيرة التي تمر على عجل، بينما يظن الناس أن التاريخ يُصنع فقط في قصور السياسة، أو في الحروب الكبرى، أو في الغرف المغلقة التي تتخذ فيها القرارات المصيرية.
في الحقيقة، التاريخ يبدأ من مكان آخر تماما.
يبدأ من الطريقة التي يعامل بها الإنسان والده، ومن مقدار الحياء الذي بقي في النفوس، ومن تلك المسطرة الأخلاقية التي تضبط سلوك الناس حين لا يكون هناك قانون يراقبهم ولا كاميرا تصورهم.
قبل أيام، لفت انتباهي مشهد بسيط في أحد الاحتفالات الرسمية لوزارة التربية والتعليم. الشاب أحمد فلاح الفقهاء، مدير شؤون الموظفين في تربية لواء ذيبان، رفض أن يجلس في الصف الأول وترك المقعد لوالده.
انتهت القصة هنا.
أو هكذا يفترض أن تكون.
لكن الذي لم ينتهِ هو حجم الاحتفاء الذي تلاها. فقد اجتاح الفيديو منصات التواصل الاجتماعي والمجالس والهواتف، وتدفقت عبارات الإشادة وكأن الناس اكتشفوا شيئا نادرا أو معجزة اجتماعية غير مسبوقة.
وهنا بالضبط توقفت طويلا.
فالمشهد في جوهره ليس استثنائيا. بل على العكس تماما. هو من أبسط ما يمكن أن يفعله ابن تجاه أبيه.
قبل عقود قليلة، كان هذا التصرف يمر مرور الكرام. لم يكن أحد سيكتب عنه، أو يصوره، أو يحتفي به. لأن احترام الوالدين وتقديم الكبير كانا جزءا طبيعيا من الحياة اليومية، مثل شرب الماء أو إلقاء السلام.
أما اليوم، فقد أصبح البرّ خبرا.
وهذه ليست شهادة على عظمة الفعل بقدر ما هي شهادة على عمق الفراغ الذي نعيشه.
لقد وصلنا إلى مرحلة باتت فيها الممارسات الأخلاقية الطبيعية تثير الدهشة، وأصبح الناس يصفقون للبديهيات لأنها أصبحت نادرة.
نحن لا نحتفي بالمشهد لأن أحمد الفقهاء فعل شيئا خارقا للعادة، بل لأننا نفتقد ما يرمز إليه المشهد.
نفتقد زمنًا كانت فيه القيم تُمارس دون ضجيج، ويُحترم فيه الأب لأنه أب، لا لأن كاميرا وثّقت لحظة احترامه.
ولهذا أعتقد أن آلاف الأشخاص الذين تفاعلوا مع الصورة لم يكونوا يصفقون لأحمد وحده.
كانوا يصفقون لذكرياتهم.
كانوا يصفقون لبيوت عرفوا فيها آباء يجلسون في صدر المجالس دون حاجة إلى دعوات بروتوكولية.
وكانوا يصفقون لطفولة أبسط، ولمجتمع أكثر وضوحا، ولمسطرة أخلاقية كانت مستقرة في الوجدان العام.
ربما لهذا السبب انتشر الفيديو بهذه السرعة.
فالناس متعبون من الضجيج، ومن الاستعراض، ومن زمن اختلطت فيه الأولويات حتى أصبح الجلوس في الصف الأول أهم عند البعض من الجلوس إلى جوار الأب نفسه.
أما أحمد الفقهاء، فلم يفعل معجزة. كل ما فعله أنه أعاد ترتيب المقاعد كما يجب أن تكون.
أعاد الأب إلى مكانه الطبيعي. وأعاد تذكيرنا، ولو للحظة قصيرة، بأن الأوطان لا تُبنى بالمناصب وحدها، بل بالقيم التي تمنح هذه المناصب معناها.
تحية إلى هذا الشاب الحميدي النبيل، ليس لأنه قام بعمل استثنائي، بل لأنه أعاد تذكيرنا بالمسطرة التي كادت تضيع.

    نيسان ـ نشر في 2026/06/02 الساعة 00:00