في الدفاع عن الظل
نيسان ـ نشر في 2026/06/03 الساعة 00:00
بعض الأشياء لا تزدهر إلا بعيدا عن الضوء. البذور في باطن الأرض، والأجنة في الأرحام، والأفكار عند لحظات تخلقها. حتى الروح تحتاج أحيانا إلى عتمتها الخاصة لتنمو بعيدا عن وخزات الضوء. غير أن عصرنا لا يثق كثيرا بما يختبئ ويلوذ. يريد لكل شيء أن يظهر، وأن يروى، وأن يوثّق، وأن يصبح قابلا للمشاهدة والقياس والتعليق. أي لم تعد الخصوصية حقا بديهيا كما كانت، وإنما مساحة تتقلص باستمرار، كأن إنسان هذا العصر مطالب كل يوم بالتنازل عن جزء جديد من عالمه الداخلي مقابل أن يبقى حاضرا في العالم الخارجي.
فلم يعد السؤال: ماذا تريد أن تكشف؟ وإنما: لماذا تخفي؟ وكأن الواحد منا مطالب على الدوام بتقديم نسخة معلنة من ذاته، نسخة قابلة للمشاهدة والتعليق والتقييم. للأسف تسللت هذه الفكرة إلى تفاصيل حياتنا اليومية حتى غدت جزءا من سلوكنا دون أن نشعر؛ إلى هواتفنا وشاشاتنا، إلى صداقاتنا وعلاقاتنا العاطفية، وحتى إلى أحزاننا التي كانت يوما شأنا شخصيا لا يحتاج إلى جمهور.
نعيش أكثر فأكثر تحت سقف شفاف، يضغط علينا لنكشف ما نود إخفاءه، وأن نشارك ما لا يحتاج إلى مشاركة. وكلما اتسعت مساحة العرض، ضاقت مساحة التأمل. وكلما ازدادت قدرتنا على نشر تفاصيل حياتنا، تراجعت قدرتنا على الاحتفاظ بشيء لأنفسنا. وهنا يبرز سؤال نادرا ما نتوقف عنده: من الذي أقنعنا أن الشفافية الكاملة فضيلة مطلقة؟ ولماذا أصبح الغموض مرادفا للذنب، وأصبح الاحتفاظ بسر شخصي مدعاة للشك؟
في الظل يقيم الحنين بعيدا عن الضجيج، وتنام الخيبات دون أن تتحول إلى مادة للفرجة، وتتشكل الرغبات والأفكار قبل أن تخرج إلى العالم. فمن حق الإنسان أن يحلم وحيدا، وأن يحب بصمت، وأن يتردد دون أن يشرح أسباب تردده، وأن يحتفظ ببعض آلامه لنفسه. فليست كل المشاعر صالحة للنشر، وليست كل الجراح بحاجة إلى جمهور.
في زمن تقاس فيه قيمة التجربة بمدى ظهورها على الشاشات، تبدو الحاجة إلى الظل أقرب إلى فعل مقاومة. مقاومة هادئة لا ترفع الشعارات بقدر ما تستعيد حق الإنسان في أن يكون أكثر مما يعرضه للآخرين. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد كيف نحمي خصوصيتنا، إنما ما إذا كنا ما نزال نؤمن بأن للإنسان غرفة داخلية لا يحق لأحد دخولها. غرفة لا تفتحها كلمات المرور ولا الخوارزميات، لأنها آخر ما تبقى من سيادتنا على أنفسنا، وآخر ما يجعلنا بشرا لا ملفات مفتوحة على مدار الساعة.
فلم يعد السؤال: ماذا تريد أن تكشف؟ وإنما: لماذا تخفي؟ وكأن الواحد منا مطالب على الدوام بتقديم نسخة معلنة من ذاته، نسخة قابلة للمشاهدة والتعليق والتقييم. للأسف تسللت هذه الفكرة إلى تفاصيل حياتنا اليومية حتى غدت جزءا من سلوكنا دون أن نشعر؛ إلى هواتفنا وشاشاتنا، إلى صداقاتنا وعلاقاتنا العاطفية، وحتى إلى أحزاننا التي كانت يوما شأنا شخصيا لا يحتاج إلى جمهور.
نعيش أكثر فأكثر تحت سقف شفاف، يضغط علينا لنكشف ما نود إخفاءه، وأن نشارك ما لا يحتاج إلى مشاركة. وكلما اتسعت مساحة العرض، ضاقت مساحة التأمل. وكلما ازدادت قدرتنا على نشر تفاصيل حياتنا، تراجعت قدرتنا على الاحتفاظ بشيء لأنفسنا. وهنا يبرز سؤال نادرا ما نتوقف عنده: من الذي أقنعنا أن الشفافية الكاملة فضيلة مطلقة؟ ولماذا أصبح الغموض مرادفا للذنب، وأصبح الاحتفاظ بسر شخصي مدعاة للشك؟
في الظل يقيم الحنين بعيدا عن الضجيج، وتنام الخيبات دون أن تتحول إلى مادة للفرجة، وتتشكل الرغبات والأفكار قبل أن تخرج إلى العالم. فمن حق الإنسان أن يحلم وحيدا، وأن يحب بصمت، وأن يتردد دون أن يشرح أسباب تردده، وأن يحتفظ ببعض آلامه لنفسه. فليست كل المشاعر صالحة للنشر، وليست كل الجراح بحاجة إلى جمهور.
في زمن تقاس فيه قيمة التجربة بمدى ظهورها على الشاشات، تبدو الحاجة إلى الظل أقرب إلى فعل مقاومة. مقاومة هادئة لا ترفع الشعارات بقدر ما تستعيد حق الإنسان في أن يكون أكثر مما يعرضه للآخرين. ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد كيف نحمي خصوصيتنا، إنما ما إذا كنا ما نزال نؤمن بأن للإنسان غرفة داخلية لا يحق لأحد دخولها. غرفة لا تفتحها كلمات المرور ولا الخوارزميات، لأنها آخر ما تبقى من سيادتنا على أنفسنا، وآخر ما يجعلنا بشرا لا ملفات مفتوحة على مدار الساعة.
نيسان ـ نشر في 2026/06/03 الساعة 00:00