العلاقة بين السياسي والمثقف وأفول النموذج الأمريكي
نيسان ـ نشر في 2026/06/05 الساعة 00:00
بين السياسة والمواكبة النظرية سؤال دائم التردد حول من يسبق من، هل النظرية تسبق الحدث، أم التحولات تدفع المثقف إلى تأطير الزمن، والبحث عن الكلي في جزئياته؟
بعد النكسة، وربما بالتحديد بعد حرب أكتوبر1973 طرحت بقوة مقولة «حوار الحضارات»، وأنتجت عناوين كثيرة فرعية تندرج ضمنها، كان أبرزها حوار الأديان، ولم تكن المقولة في جوهرها سوى صدى لوقع الضرر الذي أحس به الغرب المهيمن بعد استعمال العرب لورقة النفط.
يلاحظ عبد العزيز بن عثمان التويجري، وهو أحد أهم المشتغلين بحوار الحضارات، من موقع مسؤولية دامت طويلا في المؤسسة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو أنه لم ينتج عن هذه الأجندة أي شيء ذي قيمة، سوى ما كان من حوار ديني، انخرطت فيه الكنيسة الكاثوليكية لدورات محدودة، ثم انتهى كل شيء.
مر عقدان من الزمن على هذه المقولة، وأنتج المفكرون سلسلة نقدية متنوعة لها ركزت بالكامل على أفقها، واستحالة أن تثمر شيئا إيجابيا، بحكم أن المشكلة ليست في فك سوء التفاهم بين الإسلام والغرب، وإنما هي في الهيمنة الغربية، ومحاولة عولمة نموذجها الاقتصادي والثقافي والقيمي، بالقوة المادية والرمزية.
كتب المفكر الفرنسي روجيه جارودي في الثمانينيات كتبا كثيرة في نقد هذه الأطروحة ومستقبل القرن العشرين وبيان استحالة أن تثمر شئيا ما لم يقدم الغرب على إحداث عدة نقلات على المستوى السياسي والاقتصادي والعلمي والقيمي، وكتب إدوارد سعيد «تغطية الإسلام» يشير فيه بوضوح إلى أنه يستحيل تصور حوار بين الغرب والإسلام، وفي الغرب بنية فكرية كاملة، تقوم من خلفها مؤسسات إعلامية ومعاهد أبحاث ومراكز استطلاع ونخب ممولة، وضعت هدف بث صورة إسلام مرعب مخيف يسوغ العنف ويمثل تهديدا وجوديا للغرب وإقناع الجمهور الغربي بها، وقال إن المدخل لمثل هذا الحوار يتطلب التعامل مع الإسلام ومع تراث المسلمين بشكل موضوعي منصف.
لم يمر على مقولة «حوار الحضارات» عقد أو عقد ونصف من الزمن، حتى تحركت المقولة النقيض في أروقة مستودعات التفكير الأمريكية، وللدقة، في ردهات البيت الأبيض، من مستشاري الإدارة الأمريكية، ممن كلف بمهمة التمهيد للسياسة الأمريكية القادمة، فنشر خلال أربع سنوات بين 1992 و 1996 كتابين مهمين، يبشر الأول بـ»نهاية التاريخ»، ويرسم صورة الليبرالية الأمريكية بوصفها منتهى التفكير الإنساني، ويؤصل الثاني لـ»صدام الحضارات»، كما ولو أن الإدارة الأمريكية، حركت مثقفيها، لوضع العالم بين خيارين، إما الانخراط في النموذج الأمريكي بوصفه نهاية للتاريخ، أو الحرب.
مثقفو العالم العربي، تفاعلوا بشكل كثيف مع هذين الكتابين، وشعروا بأن العمق الثقافي مع اهتزازه وافتقاده للحجة، استعير قسرا للتمهيد لمهمة عسكرية استراتيجية قصدها بالدرجة الأولى، إعادة صياغة المنطقة العربية، وبالتحديد منطقة الشرق الأوسط والخليج، فكتب محمد عابد الجابري وبرهان غليون وطيب تزيني وغيرهم نقدا علميا وجه أساسا لطبيعة المواكبة التنظيرية، وأنها تخلو من أي حجة علمية تاريخية يمكن الاستناد إليها، ونبهوا إلى المخاطر التي تهدد العالم العربي في المرحلة التي تعقب التسعينيات.
فكرة «الإمبراطورية» التي يتهم ترامب بها، تحمل في الأصل إيحاءات الغزو والاستيلاء الخارجي، وتغيير قواعد السياسة الخارجية
لم يمر عقد آخر من الزمن عن انطلاق أطروحة «صدام الحضارات» التي واكبت بالتنظير الحرب الأمريكية الأولى على الخليج، والهيمنة الأمريكية على المنطقة، حتى تحركت مقولة ثالثة، خرجت هي الأخرى من رحم الاستشارة النظرية المقدمة للإدارة الأمريكية، فطرحت عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر مقولة «مكافحة الإرهاب» و»نشر الاعتدال وشبكاته في العالم العربي والإسلامي»، ثم بموازاة معها مقولة «ترقية الديمقراطية في العالم العربي»، فوقع اهتزاز في العالم العربي، بحكم استحقاقات هذه المقولة وما يترتب عنها، إذ كان الجميع حكاما ونخبا، منزعجين من خلفيات هذه الأطروحة والأجندة السياسية التي تحركها، فالنظم السياسية استقبلت رسالة مهمة مفادها أن أمريكا لم تعد تربط مصالحها باستمرار النظم الشمولية، مما يعني أن عليها أن تتكيف وتنفتح، وإلا فإنها ستكون معرضة للتغير القسري، والنخب، لم تعرف على وجه التحديد أي منها معني بأن يشكل مفتاح التغيير، أو أي منها تراهن عليه أمريكا وتحاول أن تجعله في دفة القيادة.
في البدء كانت مستودعات التفكير الأمريكية تضع البيض كله في سلة النخب العلمانية والليبرالية بوصفها الأكثر موثوقية وقربا من مقاصد الأمريكيين، وكان التحير على أشده من الإسلاميين، حتى انتشرت مقولة «ليس هناك فرق بين الراديكاليين والمعتدلين» وأنه «ليس في القنافذ أملس»، ثم ما فتئت مستودعات التفكير الأمريكية على قلتها، مثل كارنيجي وبروكينز وغيرهما، تؤكد على أن النخب الليبرالية نخب أقلية معزولة وهامشية مجتمعيا ولا يمكن أن تشكل رهانا موضوعيا، وأنه لا بد من التفكير في الإسلاميين وفتح أفق النقاش معهم وطرح المناطق الرمادية في تفكيرهم للنقاش، خاصة ما يتعلق بالقضايا الحقوقية وموقع الشريعة الإسلامية في تفكيرهم السياسي، بما يسمح بتأهيلهم للحكم أو على الأقل فتح جسر للتواصل معهم بعد وصولهم إليه.
نستطيع القول اليوم، وبكل طمأنينة، أن صدى هذه الأطروحات هو الذي أطر بشكل كامل مرحلة الربيع العربي، وما بعدها من صعود الإسلاميين في عدد من الدول، وأن هذه الأطروحات خفتت وماتت تماما بعد 2013، أي السنة التي تم فيها إغلاق القوس الديمقراطي في العالم العربي.
من الفترة الترامبية الأولى إلى ولايته الثانية، حصل فقر كبير في المواكبة التنظيرية، ولم تستطع مستودعات التفكير الأمريكية، ولا الاستشارة المقربة من البيت الأبيض أن تنتج أي أطروحة ذات عمق ثقافي تحظى بقدر من المقبولية أو الجدل، فباستثناء «صفقة القرن»، التي تبدو عنوانا إسرائيليا أكثر منه أمريكيا، حصل فقر فظيع في العقل النظري الأمريكي، فسر في أوساط كثيرة، على أساس أنه انعكاس للأهمية الضئيلة الثقافة لدى النخبة الجديدة التي تحكم البيت الأبيض، بينما ركزت الأطروحة النقدية العربية والإسلامية على تنامي تأثيرات الإنجيلية الصهيونية، واختراقها للسياسة الأمريكية.
من المؤكد أن هناك حركية نقد في الداخل الأمريكي لم تكن مسبوقة بهذه الوتيرة من قبل، فهناك حالة من اللا اطمئنان على مفردات السياسة في الداخل والخارج، فعدد من كتاب «الفورين البوليسي»، يطرحون محاذير من إمكان حصول انحراف في النموذج الديمقراطي الأمريكي، وبدا الحديث بشكل عال عن «ملكية» ترامبية، وهي مقولة لا تغطي فقط عنوان السياسة الداخلية، بل تغطي حتى السياسة الخارجية، ففكرة «الإمبراطورية» التي يتهم ترامب بها، تحمل في الأصل إيحاءات الغزو والاستيلاء الخارجي، وتغيير قواعد السياسة الخارجية، لجهة عدم الاكتراث بالمطلق بالقانون الدولي، وبالمؤسسات الدولية، وفعل ما يقدر صناع القرار بالسياسي الأمريكي أنه مصلحة أمريكية.
في ثلاثينيات القرن الماضي، حتى فكرة الإمبراطورية، لم تفقد المواكبة النظرية، فقد أنتجت الأطروحة النازية والفاشستية مقولاتهما، وكان محور الارتكاز النظري على فكرة العرق والتفوق القومي، لكن من الظاهر، أن العقل النظري الأمريكي فقد القدرة تماما عن المواكبة لمفردات السياسة، ولم يعد للإدارة الأمريكية، من المثقفين الباحثين من يقوم بالمهمة، وهذا بالنظر الاستراتيجي البعيد يمثل أحد أبعاد الأزمة، إن لم يكن عنوانا لبداية الأفول، فتراجع العقل النظري، وعدم قدرته على المسايرة، وعلى تأطير السياسة، يعني أن العلاقة بين السياسي والمثقف لم تعد على ما يرام، ليس بسبب أن السياسي لا يريد أن يضع المثقف في مكانه، ولكن لأن السياسة التي ينتجها لا تجد العقل النظري القادر على تبريرها.
٭ كاتب وباحث مغربي
بعد النكسة، وربما بالتحديد بعد حرب أكتوبر1973 طرحت بقوة مقولة «حوار الحضارات»، وأنتجت عناوين كثيرة فرعية تندرج ضمنها، كان أبرزها حوار الأديان، ولم تكن المقولة في جوهرها سوى صدى لوقع الضرر الذي أحس به الغرب المهيمن بعد استعمال العرب لورقة النفط.
يلاحظ عبد العزيز بن عثمان التويجري، وهو أحد أهم المشتغلين بحوار الحضارات، من موقع مسؤولية دامت طويلا في المؤسسة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو أنه لم ينتج عن هذه الأجندة أي شيء ذي قيمة، سوى ما كان من حوار ديني، انخرطت فيه الكنيسة الكاثوليكية لدورات محدودة، ثم انتهى كل شيء.
مر عقدان من الزمن على هذه المقولة، وأنتج المفكرون سلسلة نقدية متنوعة لها ركزت بالكامل على أفقها، واستحالة أن تثمر شيئا إيجابيا، بحكم أن المشكلة ليست في فك سوء التفاهم بين الإسلام والغرب، وإنما هي في الهيمنة الغربية، ومحاولة عولمة نموذجها الاقتصادي والثقافي والقيمي، بالقوة المادية والرمزية.
كتب المفكر الفرنسي روجيه جارودي في الثمانينيات كتبا كثيرة في نقد هذه الأطروحة ومستقبل القرن العشرين وبيان استحالة أن تثمر شئيا ما لم يقدم الغرب على إحداث عدة نقلات على المستوى السياسي والاقتصادي والعلمي والقيمي، وكتب إدوارد سعيد «تغطية الإسلام» يشير فيه بوضوح إلى أنه يستحيل تصور حوار بين الغرب والإسلام، وفي الغرب بنية فكرية كاملة، تقوم من خلفها مؤسسات إعلامية ومعاهد أبحاث ومراكز استطلاع ونخب ممولة، وضعت هدف بث صورة إسلام مرعب مخيف يسوغ العنف ويمثل تهديدا وجوديا للغرب وإقناع الجمهور الغربي بها، وقال إن المدخل لمثل هذا الحوار يتطلب التعامل مع الإسلام ومع تراث المسلمين بشكل موضوعي منصف.
لم يمر على مقولة «حوار الحضارات» عقد أو عقد ونصف من الزمن، حتى تحركت المقولة النقيض في أروقة مستودعات التفكير الأمريكية، وللدقة، في ردهات البيت الأبيض، من مستشاري الإدارة الأمريكية، ممن كلف بمهمة التمهيد للسياسة الأمريكية القادمة، فنشر خلال أربع سنوات بين 1992 و 1996 كتابين مهمين، يبشر الأول بـ»نهاية التاريخ»، ويرسم صورة الليبرالية الأمريكية بوصفها منتهى التفكير الإنساني، ويؤصل الثاني لـ»صدام الحضارات»، كما ولو أن الإدارة الأمريكية، حركت مثقفيها، لوضع العالم بين خيارين، إما الانخراط في النموذج الأمريكي بوصفه نهاية للتاريخ، أو الحرب.
مثقفو العالم العربي، تفاعلوا بشكل كثيف مع هذين الكتابين، وشعروا بأن العمق الثقافي مع اهتزازه وافتقاده للحجة، استعير قسرا للتمهيد لمهمة عسكرية استراتيجية قصدها بالدرجة الأولى، إعادة صياغة المنطقة العربية، وبالتحديد منطقة الشرق الأوسط والخليج، فكتب محمد عابد الجابري وبرهان غليون وطيب تزيني وغيرهم نقدا علميا وجه أساسا لطبيعة المواكبة التنظيرية، وأنها تخلو من أي حجة علمية تاريخية يمكن الاستناد إليها، ونبهوا إلى المخاطر التي تهدد العالم العربي في المرحلة التي تعقب التسعينيات.
فكرة «الإمبراطورية» التي يتهم ترامب بها، تحمل في الأصل إيحاءات الغزو والاستيلاء الخارجي، وتغيير قواعد السياسة الخارجية
لم يمر عقد آخر من الزمن عن انطلاق أطروحة «صدام الحضارات» التي واكبت بالتنظير الحرب الأمريكية الأولى على الخليج، والهيمنة الأمريكية على المنطقة، حتى تحركت مقولة ثالثة، خرجت هي الأخرى من رحم الاستشارة النظرية المقدمة للإدارة الأمريكية، فطرحت عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر مقولة «مكافحة الإرهاب» و»نشر الاعتدال وشبكاته في العالم العربي والإسلامي»، ثم بموازاة معها مقولة «ترقية الديمقراطية في العالم العربي»، فوقع اهتزاز في العالم العربي، بحكم استحقاقات هذه المقولة وما يترتب عنها، إذ كان الجميع حكاما ونخبا، منزعجين من خلفيات هذه الأطروحة والأجندة السياسية التي تحركها، فالنظم السياسية استقبلت رسالة مهمة مفادها أن أمريكا لم تعد تربط مصالحها باستمرار النظم الشمولية، مما يعني أن عليها أن تتكيف وتنفتح، وإلا فإنها ستكون معرضة للتغير القسري، والنخب، لم تعرف على وجه التحديد أي منها معني بأن يشكل مفتاح التغيير، أو أي منها تراهن عليه أمريكا وتحاول أن تجعله في دفة القيادة.
في البدء كانت مستودعات التفكير الأمريكية تضع البيض كله في سلة النخب العلمانية والليبرالية بوصفها الأكثر موثوقية وقربا من مقاصد الأمريكيين، وكان التحير على أشده من الإسلاميين، حتى انتشرت مقولة «ليس هناك فرق بين الراديكاليين والمعتدلين» وأنه «ليس في القنافذ أملس»، ثم ما فتئت مستودعات التفكير الأمريكية على قلتها، مثل كارنيجي وبروكينز وغيرهما، تؤكد على أن النخب الليبرالية نخب أقلية معزولة وهامشية مجتمعيا ولا يمكن أن تشكل رهانا موضوعيا، وأنه لا بد من التفكير في الإسلاميين وفتح أفق النقاش معهم وطرح المناطق الرمادية في تفكيرهم للنقاش، خاصة ما يتعلق بالقضايا الحقوقية وموقع الشريعة الإسلامية في تفكيرهم السياسي، بما يسمح بتأهيلهم للحكم أو على الأقل فتح جسر للتواصل معهم بعد وصولهم إليه.
نستطيع القول اليوم، وبكل طمأنينة، أن صدى هذه الأطروحات هو الذي أطر بشكل كامل مرحلة الربيع العربي، وما بعدها من صعود الإسلاميين في عدد من الدول، وأن هذه الأطروحات خفتت وماتت تماما بعد 2013، أي السنة التي تم فيها إغلاق القوس الديمقراطي في العالم العربي.
من الفترة الترامبية الأولى إلى ولايته الثانية، حصل فقر كبير في المواكبة التنظيرية، ولم تستطع مستودعات التفكير الأمريكية، ولا الاستشارة المقربة من البيت الأبيض أن تنتج أي أطروحة ذات عمق ثقافي تحظى بقدر من المقبولية أو الجدل، فباستثناء «صفقة القرن»، التي تبدو عنوانا إسرائيليا أكثر منه أمريكيا، حصل فقر فظيع في العقل النظري الأمريكي، فسر في أوساط كثيرة، على أساس أنه انعكاس للأهمية الضئيلة الثقافة لدى النخبة الجديدة التي تحكم البيت الأبيض، بينما ركزت الأطروحة النقدية العربية والإسلامية على تنامي تأثيرات الإنجيلية الصهيونية، واختراقها للسياسة الأمريكية.
من المؤكد أن هناك حركية نقد في الداخل الأمريكي لم تكن مسبوقة بهذه الوتيرة من قبل، فهناك حالة من اللا اطمئنان على مفردات السياسة في الداخل والخارج، فعدد من كتاب «الفورين البوليسي»، يطرحون محاذير من إمكان حصول انحراف في النموذج الديمقراطي الأمريكي، وبدا الحديث بشكل عال عن «ملكية» ترامبية، وهي مقولة لا تغطي فقط عنوان السياسة الداخلية، بل تغطي حتى السياسة الخارجية، ففكرة «الإمبراطورية» التي يتهم ترامب بها، تحمل في الأصل إيحاءات الغزو والاستيلاء الخارجي، وتغيير قواعد السياسة الخارجية، لجهة عدم الاكتراث بالمطلق بالقانون الدولي، وبالمؤسسات الدولية، وفعل ما يقدر صناع القرار بالسياسي الأمريكي أنه مصلحة أمريكية.
في ثلاثينيات القرن الماضي، حتى فكرة الإمبراطورية، لم تفقد المواكبة النظرية، فقد أنتجت الأطروحة النازية والفاشستية مقولاتهما، وكان محور الارتكاز النظري على فكرة العرق والتفوق القومي، لكن من الظاهر، أن العقل النظري الأمريكي فقد القدرة تماما عن المواكبة لمفردات السياسة، ولم يعد للإدارة الأمريكية، من المثقفين الباحثين من يقوم بالمهمة، وهذا بالنظر الاستراتيجي البعيد يمثل أحد أبعاد الأزمة، إن لم يكن عنوانا لبداية الأفول، فتراجع العقل النظري، وعدم قدرته على المسايرة، وعلى تأطير السياسة، يعني أن العلاقة بين السياسي والمثقف لم تعد على ما يرام، ليس بسبب أن السياسي لا يريد أن يضع المثقف في مكانه، ولكن لأن السياسة التي ينتجها لا تجد العقل النظري القادر على تبريرها.
٭ كاتب وباحث مغربي
نيسان ـ نشر في 2026/06/05 الساعة 00:00