العراق: دولة الميليشيات ثانية!

يحيى الكبيسي
نيسان ـ نشر في 2026/06/05 الساعة 00:00
في مقال الاسبوع الماضي قلنا إنه لا يمكن لعاقل أن يصدق خرافة «فك الارتباط» بين الميليشيات ومرجعياتها الدينية والسياسية، أو بينها وبين زعمائها من أمراء الحرب، كما كان مطروحا طوال السنوات العشر الماضية، أي من لحظة إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016، وصولا الى اليوم. فقد فشل القانون في فك الارتباط بين أعضاء ميليشيات هيئة الحشد الشعبي والأطر السياسية والحزبية والاجتماعية التي أنتجتها وتأتمر بأمرها حصرا، وفشل في منع العمل السياسي في صفوفها. كما أفشلت هذه الميليشيات، وبدعم من الفاعلين السياسيين الشيعة أنفسهم في مرحلة لاحقة، محاولات رؤساء مجلس الوزراء السابقين؛ حيدر العبادي وعادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي لتقنين أوضاع هذه الميليشيات عبر أوامر ديوانية، أو عبر إجراءات إدارية، لننتهي الى مأسسة هذه الميليشيات لدولة موازية حرفيا!
وقد أشرنا مرارا إلى أن الغرض الحقيقي الكامن وراء تكريس الفاعل السياسي الشيعي لهذه الدولة الموازية، ذات الحمولة العقائدية/ الطائفية، وبدفع إيراني، هو حماية وهم «الحاكمية الشيعية»، وضمان احتكار الفاعل السياسي الشيعي للسلطة والدولة في العراق، واستخدامها لإخضاع السنة والكرد، في حال فشل الإخضاع عبر السياسة. وقد جاءت لحظة سقوط نظام الأسد لتدفع كلا الطرفين نحو مزيد من التمسك بهذه الدولة الموازية.
ومع هذا لم يتوقف التدليس الفاضح طوال السنوات العشر الماضية عن أن هذه الميليشيات إنما هي تشكيلات قانونية، وأنها تخضع لأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وأن سلاحها هو سلاح الدولة، حتى في اللحظات التي كانت فيها المواجهة بين هذه الميليشيات تواجه بالسلاح الدولة نفسها، وكانت هناك شيطنة منهجية، واتهامات مرسلة، وتهديدات علنية، وملاحقات قضائية، لكل من يعري هذه السردية ويثبت كذبها!
ولكن المتغير الأمريكي بداية من تسلم الرئيس الأمريكي ترامب مهامه في العام 2025، والذي ترسخ بعيد حرب الـ12 يوما مع إيران، أربك حسابات الفاعل السياسي الشيعي والإيرانيين معا، خاصة وأن الأمر لم يتوقف عند حدود الخطاب هذه المرة، بل كنا أمام تهديدات حقيقية (مثل الاعتراض على تشريع قانون جديد للحشد الشعبي وتهديد المؤسسات المالية التي تمول الحشد الشعبي)، وعقوبات صارمة (رفع تصنيف أربع ميليشيات عاملة في الحشد الشعبي إلى منظمة إرهابية أجنبية FTO)، واجراءات مالية قاسية (فيما يتعلق بتحويلات الدولار)، ليصل الأمر ذروته بالفيتو الأمريكي ضد عودة نوري المالكي الى رئاسة مجلس الوزراء، وضد تمثيل الميليشيات في الكابينة الوزارية!
فشل القانون في فك الارتباط بين أعضاء ميليشيات هيئة الحشد الشعبي والأطر السياسية والحزبية والاجتماعية التي أنتجتها وتأتمر بأمرها حصرا
هذا المتغير وحده هو الذي يفسر إعلان مقتدى الصدر قبل أيام فك ارتباط ميليشيا (سرايا السلام) «عن التيار الشيعي الوطني انفكاكا تاما، والتحاقهم بالدولة وبالمسؤول العام عن التشكيلات المسلحة»، ويفسر إعلان قيس الخزعلي زعيم ميليشيا عصائب أهل الحق بعدها مباشرة «فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي»، والارتباط «بالقائد العام للقوات المسلحة». ثم إعلان شبل الزيدي زعيم ميليشيا كتائب الإمام علي «فك الارتباط بتشكيلات الحشد الشعبي، والمباشرة بالارتباط بإجراءات حصر السلاح بيد الدولة». وعلى الرغم من التناقض الواضح بين البيان الأول الذي تحدث عن فك الارتباط بالتيار الصدري/ التيار الشيعي الوطني، وبين البيانين الثاني والثالث اللذين يتحدثان عن فك الارتباط بالحشد الشعبي نفسه، وجدنا رئيس مجلس الوزراء «يثمن» هذه البيانات الثلاثة من دون أي التفات إلى التناقض الصارخ بينهما. ومن دون الانتباه الى المشكلة القانونية المتعلقة بالحشد الشعبي نفسه، الذي يصفه القانون أنه جزء من القوات المسلحة» ومن ثم هو جزء من الدولة نفسها، فكيف يعد فك الارتباط به التحاقا بالدولة. ومن دون أن يخبرنا ما الصيغة التي ستلتحق فيها هذه الميليشيات بالدولة، وما معنى «وضعها بإمرة القائد العام للقوات المسلحة»!
هذا التناقض والارتباك يفضح طبيعة هذه الخطوات الارتجالية والعبثية، ويكشف أنه ليست هناك رؤية أو خطة واضحة للتعاطي مع هذه الميليشيات، وأن الفاعل السياسي الشيعي ما زال مصرا على الإبقاء على هذه الميليشيات، وأن الغاية الحقيقية من كل ما يجري هي محاولة خداع الأمريكيين أن هناك انصياعا حقيقيا لشروطهم المعلنة، ويبدو أنها نجحت، مؤقتا على الأقل، كما بدا من تغريدة توم براك التي وصفت ما جرى أنه «تقدم مهم نحو ترسيخ الاستقرار واستعادة السيادة»!
فما الذي نحن أمامه اليوم؟
هل نحن أمام قرار بحل الحشد الشعبي، وهذا يتطلب تشريعا وليس قرارا من زعماء الميليشيات أنفسهم، أو قرارا من رئيس مجلس الوزراء نفسه؟
أم نحن أمام قرار بدمج هذه الميليشيات في المؤسسة العسكرية والأمنية العراقية، في استنساخ لتجربة الأمر رقم 91 سيئ الصيت الذي أصدره رئيس سلطة الاحتلال في العام 2004، والذي حول المؤسسة العسكرية والأمنية الى تجمع لميليشيات عقائدية/ طائفية، كانت فاعلة بقوة في الحرب الأهلية في العام 2006، وفي صناعة المقدمات التي أنتجت ظاهرة داعش؟
وما موقف إيران من المسرحية التي تجري، خاصة وأنها كما أعطت الضوء الأخضر لبعض الميليشيات المرتبطة بها، مثل العصائب، للاشتراك فيها، منعت آخرين من ذلك (كما كتائب حزب الله والنجباء)؟ وهل ستقبل إيران بهذه السلاسة فقدان ذراعها الأقوى في العراق؟
في تصريح أكثر إرباكا للناطق الرسمي باسم القائد العام للقوات المسلحة أوضح أن فك الارتباط «يشمل إعادة هيكلة التشكيلات ودمج المقاتلين ضمن الأجهزة الأمنية»، من دون أن نعرف ما معنى «إعادة الهيكلة»؟ وكيف سيتم «دمج المقاتلين»، هل بصفتهم أفرادا، أم بصفتهم تشكيلات ميليشياوية غير قابلة للتفكيك؟ ومن دون أن يقول لنا ما مستقبل الحشد الشعبي؟
بعيدا عن هذا الارتجال والإرباك، فإن دمج الميليشيات في القوات المسلحة والقوات الأمنية يعني عمليا إنهاء الدولة الموازية بتسليمها الدولة نفسها! وأن هذه الميليشيات، التي لن تفك ارتباطها بمرجعياتها مطلقا، ستحول المؤسسة العسكرية والأمنية نفسها إلى مؤسسة عقائدية/ طائفية (الجميع يعرف أن الشرطة الاتحادية ومنذ لحظة التأسيس كانت مجرد غطاء لمنظمة بدر)!
ومن ثم ليس من مخرج منطقي وعقلاني للتعاطي مع هذه الأزمة إلا عبر المسار الآتي: أولا إصدار تشريع صريح وواضح بحل هيئة الحشد الشعبي. ثانيا دمج أعضاء الميليشيات التي كانت منضوية ضمن الهيئة في الوظائف المدنية وفقا لمؤهلاتهم، وفقا للنموذج الذي تم بموجبه دمج أعضاء الصحوات في الوظائف المدنية. ثالثا تفعيل المادة التي تمنع الأحزاب السياسية من أن يكون لها جناح مسلح، وهي مادة تم إغفالها عمدا لإتاحة المجال لهذه الميليشيات أن تكون جزءا من التمثيل السياسي في العراق، ومن دون هذا المسار لن نكون سوى أمام دوران في الحلقة المفرغة نفسها، وتكريس لمسار الخراب!
    نيسان ـ نشر في 2026/06/05 الساعة 00:00