في حسبان.. الرصاص يطرح أسئلة أكبر من الجريمة
نيسان ـ نشر في 2026/06/06 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
في كل مرة تقع فيها جريمة تهز المجتمع، نسارع إلى البحث عن القاتل ودوافعه وتفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت المأساة. لكننا نادرا ما نتوقف أمام السؤال الأكثر إيلاما: ماذا جرى لنا نحن؟
اليوم، وقفت حسبان مذهولة أمام فاجعة جديدة. لم يكن المشهد مجرد جريمة وقعت داخل مبنى رسمي، بل لحظة صادمة اختلط فيها الذهول بالحزن والخوف. مكان أُنشئ ليكون ملاذا للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع تحول في لحظات إلى عنوان للمأساة، تاركا خلفه أسئلة أكبر من تفاصيل الحادثة نفسها.
في مركز التنمية الاجتماعية، ذلك المكان الذي يفترض أن تلتقي فيه حاجات الناس مع يد الدولة الراعية، دوى الرصاص. سقطت زوجة الجاني أولا، ثم لحق بها موظفان من العاملين في المركز، قبل أن تنتهي الحكاية بمصرع مطلق النار نفسه.
خلال دقائق معدودة، تحولت أروقة اعتادت استقبال المحتاجين وأصحاب القضايا الاجتماعية إلى مسرح لفاجعة ستبقى عالقة في الذاكرة طويلا.
نعم، ستقوم الأجهزة الأمنية بعملها، وستكشف التحقيقات تفاصيل ما جرى، وستُعرف الدوافع والملابسات. لكن ثمة مسرح جريمة آخر لا تحيط به الأشرطة الصفراء، ولا تصل إليه فرق التحقيق.
إنه ذلك التآكل البطيء الذي يصيب منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية، وذلك الغضب المتراكم الذي بات يجد طريقه إلى الشارع والبيت ومكان العمل.
لم تعد المشكلة في الجريمة وحدها، بل في تكرارها، لم يعد الخوف من حادثة منفردة، بل من اعتياد المجتمع على سماع أخبار الفواجع حتى تكاد تتحول إلى جزء من يومياته.
قبل سنوات، كانت مثل هذه الجرائم تهز البلاد لأشهر. أما اليوم، فما إن ننتهي من صدمة حتى نستقبل أخرى. وكأن شيئا عميقا يتصدع في الداخل.
ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا بصراحة: ما الذي تغير في مجتمع كان يتفاخر بالتكافل الاجتماعي وروابط العائلة والجيرة؟ وما الذي أوصل بعض الناس إلى قناعة بأن الرصاص يمكن أن يكون حلا للخلاف أو مخرجا من الأزمة؟
لقد أمضينا سنوات طويلة نحاول تقليد أنماط حياة لا تشبهنا، ونستهلك قيما لا نفهم سياقاتها كاملة، فيما تراجعت منظومات الضبط الاجتماعي التقليدية التي كانت، رغم كل ما يؤخذ عليها، تشكل شبكة أمان أخلاقية وسلوكية.
المشكلة ليست في الحداثة، وليست في الانفتاح، بل في ذلك الفراغ الذي نشأ بين ما تركناه خلفنا وما لم ننجح في بنائه بعد.
هناك، في تلك المسافة المعلقة بين عالمين، تتكاثر مشاعر العزلة والغضب والاغتراب، وتتراجع قدرة الإنسان على احتمال الضغوط والخسارات والإحباطات.
لهذا فإن فاجعة حسبان ليست مجرد خبر أمني، بل جرس إنذار اجتماعي، إنها دعوة إلى مراجعة عميقة لما يحدث حولنا، وإلى البحث عن الأسباب الكامنة خلف هذا التصاعد المقلق في العنف.
فالمجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل بصمت، حادثة بعد أخرى، حتى تكتشف متأخرة أن الخلل لم يكن في فرد واحد، بل في الطريق الذي سلكه الجميع.
في كل مرة تقع فيها جريمة تهز المجتمع، نسارع إلى البحث عن القاتل ودوافعه وتفاصيل الساعات الأخيرة التي سبقت المأساة. لكننا نادرا ما نتوقف أمام السؤال الأكثر إيلاما: ماذا جرى لنا نحن؟
اليوم، وقفت حسبان مذهولة أمام فاجعة جديدة. لم يكن المشهد مجرد جريمة وقعت داخل مبنى رسمي، بل لحظة صادمة اختلط فيها الذهول بالحزن والخوف. مكان أُنشئ ليكون ملاذا للفئات الأكثر هشاشة في المجتمع تحول في لحظات إلى عنوان للمأساة، تاركا خلفه أسئلة أكبر من تفاصيل الحادثة نفسها.
في مركز التنمية الاجتماعية، ذلك المكان الذي يفترض أن تلتقي فيه حاجات الناس مع يد الدولة الراعية، دوى الرصاص. سقطت زوجة الجاني أولا، ثم لحق بها موظفان من العاملين في المركز، قبل أن تنتهي الحكاية بمصرع مطلق النار نفسه.
خلال دقائق معدودة، تحولت أروقة اعتادت استقبال المحتاجين وأصحاب القضايا الاجتماعية إلى مسرح لفاجعة ستبقى عالقة في الذاكرة طويلا.
نعم، ستقوم الأجهزة الأمنية بعملها، وستكشف التحقيقات تفاصيل ما جرى، وستُعرف الدوافع والملابسات. لكن ثمة مسرح جريمة آخر لا تحيط به الأشرطة الصفراء، ولا تصل إليه فرق التحقيق.
إنه ذلك التآكل البطيء الذي يصيب منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية، وذلك الغضب المتراكم الذي بات يجد طريقه إلى الشارع والبيت ومكان العمل.
لم تعد المشكلة في الجريمة وحدها، بل في تكرارها، لم يعد الخوف من حادثة منفردة، بل من اعتياد المجتمع على سماع أخبار الفواجع حتى تكاد تتحول إلى جزء من يومياته.
قبل سنوات، كانت مثل هذه الجرائم تهز البلاد لأشهر. أما اليوم، فما إن ننتهي من صدمة حتى نستقبل أخرى. وكأن شيئا عميقا يتصدع في الداخل.
ربما آن الأوان لأن نسأل أنفسنا بصراحة: ما الذي تغير في مجتمع كان يتفاخر بالتكافل الاجتماعي وروابط العائلة والجيرة؟ وما الذي أوصل بعض الناس إلى قناعة بأن الرصاص يمكن أن يكون حلا للخلاف أو مخرجا من الأزمة؟
لقد أمضينا سنوات طويلة نحاول تقليد أنماط حياة لا تشبهنا، ونستهلك قيما لا نفهم سياقاتها كاملة، فيما تراجعت منظومات الضبط الاجتماعي التقليدية التي كانت، رغم كل ما يؤخذ عليها، تشكل شبكة أمان أخلاقية وسلوكية.
المشكلة ليست في الحداثة، وليست في الانفتاح، بل في ذلك الفراغ الذي نشأ بين ما تركناه خلفنا وما لم ننجح في بنائه بعد.
هناك، في تلك المسافة المعلقة بين عالمين، تتكاثر مشاعر العزلة والغضب والاغتراب، وتتراجع قدرة الإنسان على احتمال الضغوط والخسارات والإحباطات.
لهذا فإن فاجعة حسبان ليست مجرد خبر أمني، بل جرس إنذار اجتماعي، إنها دعوة إلى مراجعة عميقة لما يحدث حولنا، وإلى البحث عن الأسباب الكامنة خلف هذا التصاعد المقلق في العنف.
فالمجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل بصمت، حادثة بعد أخرى، حتى تكتشف متأخرة أن الخلل لم يكن في فرد واحد، بل في الطريق الذي سلكه الجميع.
نيسان ـ نشر في 2026/06/06 الساعة 00:00