إبطال آلية التعرق.. كيف يتحول الحر والرطوبة إلى قاتل صامت؟

نيسان ـ نشر في 2026/06/07 الساعة 00:00
يحذر خبراء أن الخطر الحقيقي مع ارتفاع درجات الحرارة قد لا يكمن في الحرارة وحدها، بل في اقترانها بنسبة رطوبة مرتفعة.
ومع تزايد موجات الحر حول العالم بفعل التغير المناخي، أصبحت مناطق لم تكن معتادة على درجات الحرارة المرتفعة، مثل أجزاء واسعة من أوروبا الشمالية والقريبة من الدائرة القطبية، تواجه ظروفًا جوية قاسية تجمع بين الحر الشديد والرطوبة العالية، ما يضاعف المخاطر الصحية على الإنسان.
عندما يتوقف الجسم عن تبريد نفسه
ويقول د. منير الديب ، استشاري الغدد الصماء بوزارة الصحة المصرية لـ "العين الإخبارية"، إن جسم الإنسان يمتلك في الظروف الطبيعية نظاما دفاعيا فعالا ضد الحرارة يتمثل في التعرق. فعندما ترتفع درجة حرارة الجسم، يفرز الجلد العرق الذي يتبخر في الهواء، فيسحب معه جزءا من الحرارة ويخفض حرارة الجسم الداخلية.
لكن هذه الآلية الحيوية قد تتعطل بالكامل عندما تصبح الرطوبة مرتفعة للغاية. ففي الهواء المشبع ببخار الماء، يفقد العرق قدرته على التبخر، ما يعني أن الجسم يستمر في إنتاج العرق دون أن يحصل على الفائدة الأساسية منه وهي التبريد، كما يوضح د.الديب.
ويصف د.الديب هذه الحالة بأنها واحدة من أخطر الظروف المناخية التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان، لأن الجسم يصبح عاجزًا عن التخلص من الحرارة المتراكمة داخله.
الحرارة المسجلة ليست ما نشعر به
ويؤكد المختصون في الأرصاد الجوية ضرورة التمييز بين درجة الحرارة المسجلة ودرجة الحرارة المحسوسة.
فدرجة الحرارة المسجلة هي القيمة التي ترصدها محطات الأرصاد الجوية على ارتفاع مترين فوق سطح الأرض، بينما تعبر درجة الحرارة المحسوسة عن الشعور الفعلي للإنسان، وهي تتأثر بعوامل عديدة أبرزها الرطوبة والرياح.
فعلى سبيل المثال، قد تبلغ درجة الحرارة الفعلية 30 درجة مئوية، لكن مع رطوبة نسبتها 70% يشعر الإنسان وكأن الحرارة تجاوزت 35 درجة مئوية بسبب صعوبة تبخر العرق من سطح الجلد.
ويحذر الخبراء دوما عند مناقشة هذه العلاقة، من سيناريو متطرف تكون فيه درجة الحرارة
40 درجة والرطوبة 100%. ففي هذا السيناريو المتطرف، يصبح الهواء مشبعًا تمامًا ببخار الماء، ما يمنع أي تبخر للعرق تقريبا، وهنا يتعطل نظام التبريد الطبيعي للجسم بشكل شبه كامل.
وتشير التقديرات إلى أن الإحساس الحراري في مثل هذه الظروف قد يقترب من 80 درجة مئوية أو أكثر، وهو مستوى يفوق قدرة الجسم البشري على التحمل لفترات طويلة.
ومع استمرار التعرض لهذه الأجواء، تبدأ درجة حرارة الجسم الداخلية بالارتفاع سريعًا. وعندما تتجاوز 38.5 إلى 40 درجة مئوية، يدخل الجسم مرحلة الخطر، بينما يؤدي وصولها إلى نحو 41 درجة مئوية إلى بدء تحلل بعض الإنزيمات الحيوية واضطراب وظائف الأعضاء الرئيسية.
وفي حال عدم التدخل الطبي السريع، قد تتطور الحالة إلى ضربة شمس حادة، ثم تلف دائم في الدماغ أو غيبوبة، وقد تنتهي بالوفاة.
القلب أيضًا تحت الضغط
ولا يقتصر الخطر على ارتفاع حرارة الجسم فقط، إذ يحاول الجسم تعويض الأزمة عبر ضخ كميات أكبر من الدم نحو الجلد للتخلص من الحرارة.
وهذا الجهد الإضافي يفرض عبئًا كبيرًا على القلب والأوعية الدموية، وقد يؤدي إلى تسارع شديد في ضربات القلب أو هبوط حاد في ضغط الدم، خصوصًا لدى كبار السن ومرضى القلب والأوعية الدموية.
إشارات تحذيرية لا ينبغي تجاهلها
عادة ما تبدأ الأعراض الأولى للإجهاد الحراري الشديد بالظهور على شكل دوخة وصداع قوي، يليهما غثيان أو تقيؤ وشعور بالإرهاق الشديد.
ومع استمرار ارتفاع حرارة الجسم، قد يعاني المصاب من ارتباك ذهني وفقدان القدرة على التركيز، ثم تظهر أعراض أكثر خطورة مثل الهلوسة وفقدان الوعي.
ويحذر الأطباء من أن التوقف المفاجئ للتعرق بعد مرحلة من التعرق الغزير يعد علامة خطيرة تشير إلى أن الجسم بدأ يفقد قدرته على تنظيم حرارته، وهي حالة تستدعي طلب المساعدة الطبية بشكل عاجل.
تهديد يتزايد مع تغير المناخ
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، يتوقع العلماء أن تصبح موجات الحر المصحوبة بالرطوبة العالية أكثر شيوعًا خلال العقود المقبلة.
لذلك لم يعد تقييم الطقس يعتمد على درجة الحرارة وحدها، بل على مزيج الحرارة والرطوبة معا، لأن هذا المزيج قد يكون العامل الحاسم بين يوم صيفي حار وحالة طوارئ صحية تهدد حياة الإنسان.
    نيسان ـ نشر في 2026/06/07 الساعة 00:00