ضجيج الزائفين

رمزي الغزوي
نيسان ـ نشر في 2026/06/09 الساعة 00:00
لا أحد يعرف على وجه الدقة من أين تنبع أنهار الثقة الجارفة عند بعض الناس هذه الأيام، لكننا نرى بوضوح كيف تتدفق، وبأي قوة تهدر، وإلى أين تمضي.
نراها تمنح أصحابها قدرة عجيبة على الحديث في كل شيء، وبنبرة تعلو أحيانا على نبرة العلماء والخبراء وأصحاب الاختصاص. فهم يفهمون ويفقهون في كل شيء تقريبا؛ من طريقة إعداد العوامة المدعومة بالبطاطا المهروسة، إلى تفاصيل تخمير الكعكة الصفراء في المفاعلات النووية.
وهؤلاء أيضا ضليعون في شرح ركائز الاقتصاد الياباني والفنزويلي والغيني، وخبراء في شؤون الأسرة وخصائص المراهقين، وقادرون على تفكيك جديلة الحمض النووي DNA، وموازنة معادلات الطاقة استنادا إلى النظرية النسبية. وهم، في الوقت نفسه، بحور في الفقه والشريعة، مع تخصص فرعي في علم الإفتاء، جناح التحريم تحديدا. وهم ساسة متمرسون يشرحون الأسباب الخفية لتوتر العلاقات بين هندوراس والسلفادور، ويفكون ألغاز الجماعات المسلحة في إفريقيا، ويفهمون تركيبة شعوب آسيا الوسطى، ويعرفون ما يباع في أسواق دوشنبه حتى آخر خيط وإبرة. وهم كذلك زراعيون بامتياز، وعلماء آثار، وأطباء ممارسون ببوردات عالمية لا نعرف من أين حصلوا عليها.
لم تعد المجالس تشهد ذلك الإنصات الذي يفضي إلى التعلم حين يتحدث من هو أكثر علما وخبرة ودراية. صرنا نغالبه، ونكاسره، ونخطف منه حبال الحديث باستعراض للقوى، وكأن طريق المعرفة حلبة مصارعة لا رحلة بحث. وإذا أنصتنا قليلا، فليس من أجل أن نفهم أو نستوعب، وإنما استعدادا لرد سريع يدغدغ أوهامنا ويشبع غرورنا.
وفي مواقع التواصل الاجتماعي تجلت هذه الظاهرة بأوضح صورها وأكثرها فجاجة. فالجميع يمتلك منصة، والجميع يشعر أن عليه أن يقول شيئا في كل قضية وكل حدث وكل خبر. لم يعد هناك متسع لدور المتعلم السائل أو المنصت المتأمل. كل واحد منا صار يفسر، ويحاجج، ويحلل، ويفتي، ويستنبط، ويستنتج، ويقترح، وكأن الصمت لحظة واحدة بات تهمة تستوجب الدفاع.
اللافت أن أصحاب الاختصاص الحقيقيين يسيرون غالبا في الاتجاه المعاكس. فهم يترددون قبل إطلاق الأحكام، ويطلبون الوقت الكافي للدراسة والتحليل والمراجعة، لأن الشك المنهجي جزء أصيل من العلم وأخلاقه. أما غيرهم فيسارعون إلى الفتوى والتفسير وإعلان النتائج النهائية، ممتلئين بيقين صلب وثقة لا تحدها حدود.
ولعل المفارقة الأشد إثارة للتأمل أن المعرفة الحقيقية تجعل صاحبها أكثر حذرا، فيما يدفع الجهل بصاحبه إلى مزيد من الجزم. فكلما اتسعت دائرة العلم أمام الإنسان، أدرك حجم ما يجهله. أما من يقف على عتبة المعرفة، فإنه يظن أحيانا أنه بلغ نهايتها. وهنا يولد وهم التفوق؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يتحدث أكثر مما يعرف، ويوقن أكثر مما ينبغي، ويستعرض ما لا يملك، في زمن صار فيه الرأي أسهل من المعرفة، والثقة أعلى صوتا من الحقيقة.
    نيسان ـ نشر في 2026/06/09 الساعة 00:00