كيف تحوّل وسائل التواصل الاجتماعي الحياة الأفريقية إلى 'محتوى'؟
نيسان ـ نشر في 2026/06/09 الساعة 00:00
عندما هجرتُ مسيرتي المهنية في مجال المحاماة وولجتُ عالم ما يُعرف اليوم بـ "صناعة المحتوى"، كان هدفي بسيطا وجليا: أن أشارك الناس فني.
في ذلك الحين، كان المصورون في نيروبي (عاصمة كينيا وأكبر مدنها) يُعرفون بأعمالهم، وأسلوبهم في التصوير، وموضوعاتهم، بل وأحياناً بنوع الكاميرات التي يقتنونها.
عندما انخرطتُ في هذا المجال، كان من البديهي أن منصات "إنستغرام" و"تويتر" (بمسمّاه آنذاك) و"فيسبوك" هي فضاءات لمشاركة العمل الإبداعي، لا لمشاركة الذات وتفاصيلها الشخصية.
لكن الإنترنت كائن شديد السيولة والتحول؛ فبعد مرور عقد من الزمان، استحلنا إلى شيء آخر تماما؛ غدونا "صناع محتوى" و"مؤثرين".
لقد تبدل النموذج تبدلا جذريا؛ فلم تعد شهرتك مرتهنة بما تتقنه وتصنعه، بل بما تمثله شخصيتك: كيف ترتدي ملابسك، وكيف تتحدث، بل وما تتناوله في وجبة إفطارك، سواء كان كوبا من الشاي أو القهوة، أو ما يستهلكه صباحا متبعو حمية "أوماد" (OMAD) وهي نظام غذائي يعتمد على تناول وجبة واحدة فقط في اليوم.
ويا للمفاجأة، تبين أن تفاصيل عيشي ونمط حياتي تهم الآخرين، بل وتؤثر في صياغة حيواتهم.
وقد فطنت الشركات التجارية لهذا الأمر، لدرجة أنها باتت تقدم عقودا لدمج منتجاتها في تفاصيل حياتي اليومية بأساليب تتقاطع بعمق مع وجدان جمهوري.
ومنذ عام 2018، أصبحت هذه الممارسة هي مصدري الرئيسي لكسب الرزق.
الهواتف المحمولة.. غرف أخبار يومية
غدت وسائل التواصل الاجتماعي في شتى بقاع العالم قوة قاهرة تشكل تفاصيل الحياة البشرية، لا سيما بين أوساط الأجيال الشابة من "جيل الألفية" وما تلاه.
ولم تكن أفريقيا بدعاً من هذا التطور؛ ففي المراكز الحضرية التي تشهد معدلات اختراق عالية للهواتف المحمولة وشبكات الإنترنت، يكون أول ما تمتد إليه الأيدي في الصباح هو الهاتف الذكي لمطالعة تدفقات الوسائط الاجتماعية عبر منصات مثل "إنستغرام"، و"إكس"، و"تيك توك"، و"فيسبوك".
يستيقظ المواطن الكيني ليتفقد تطبيق "واتساب"، وقبل أن يفرغ من تناول إفطاره، يكون قد تجرع فيضا من المعلومات المتدفقة من كل حدب وصوب: إعلان عن مفقود، أو آية دينية، أو ميم (Meme) وهي صورة أو فكرة فكاهية تنتشر بسرعة على الإنترنت، أو رابط لوظيفة شاغرة، أو ملصق لوعي احتجاجي، أو اقتباس زائف منسوب لشخص لم يقله قط، أو تحدي رقص متداول، أو نعي لفقيد، أو سباب سياسي، أو درس تعليمي على "يوتيوب"، أو لقطة شاشة من أروقة البرلمان، أو رسالة صوتية من عمة أو خالة، أو تفاصيل عطلة شخص ما في "دياني" (منطقة شاطئية سياحية شهيرة على المحيط الهندي في كينيا). كل هذا الزخم يتدفق بسلاسة عبر جهاز واحد لا غير.
وفي حديث مع الخبيرة في مجال التسويق الرقمي لدى وكالة "ديجيترايب" (Digitribe) البارزة غريس نديغي، يتضح جليا أنه بحلول عام 2026، لم نعد نعيش في الواقع العيني الفعلي فحسب، بل بات جل عيشنا داخل قوالب هواتفنا المعتمة.
"إننا نستنزف أوقاتا طائلة في قنص اللحظات وتوثيقها بدلا من عيشها حقيقة بدلا من عيشها حقيقة؛ وحصة الأسد من ميزانيات التسويق قد هجرت القنوات التقليدية لتمضي نحو الفضاء الرقمي، لأن هذا الفضاء هو الموطن الجديد للجماهير العريضة" – غريس نديغي
لذا، عندما تصبو شركة مشروبات – على سبيل المثال – إلى طرح منتج جديد، أو تغيير سلوك المستهلك، أو بناء ارتباط عاطفي وثيق بعلامتها التجارية، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تغدو بوابتها الرئيسية. وهنا يأتي دور أمثالي، حيث ندمج تلك المنتجات في تفاصيل حيواتنا الراتبة ونعرضها على جماهيرنا.
وتضيف نديغي: "الاهتمام هو العملة الحقيقية اليوم، ولهذا السبب فإن تحديث خوارزميات المنصات مستمر لاقتناص كل شذرة منه".
"الاهتمام هو العملة الحقيقية اليوم، ولهذا السبب فإن تحديث خوارزميات المنصات مستمر لاقتناص كل شذرة منه"
الإنترنت فضاء مدني وقاعة درس
يصف ديفيد مبوتيلا، الذي كان يمارس نشاطا محموما على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن ينكص عنها مؤخرا، هذا التحول الإستراتيجي للإنترنت بعبارات أوسع مدى وأعمق دلالة؛ حيث قال: "بدأ الإنترنت كمعجزة للتواصل البشري؛ آلات تخاطب آلات، ثم بشر يلقون القول لبشر، ثم أناس عاديون يخاطبون العالم قاطبة. ما بدأ كشبكة أسلاك استحال إلى طريق ممهد، وبمجرد أن وصل هذا الطريق إلينا، أخذت الحياة تسير بإيقاع مغاير تماما".
"بدأ الإنترنت كمعجزة للتواصل البشري؛ آلات تخاطب آلات، ثم بشر يلقون القول لبشر، ثم أناس عاديون يخاطبون العالم قاطبة. ما بدأ كشبكة أسلاك استحال إلى طريق ممهد، وبمجرد أن وصل هذا الطريق إلينا، أخذت الحياة تسير بإيقاع مغاير تماما"
ولقد تجلى هذا بوضوح في محطات تاريخية هامة:
مبادرة "كينيون من أجل كينيا" عام 2011: عندما استجابت البلاد للمجاعة التي ضربت الشمال ليس بالتعاطف والمأساة فحسب، بل بعمل جماعي منظم ومحكم. وغدت خدمة "إم-بيسا" (M-Pesa) المصرفية الشهيرة عبر الهاتف المحمول شريان حياة حقيقي، واستحالت الهواتف إلى أدوات فاعلة لجمع التبرعات والإغاثة.
حراك الطلاب في جنوب أفريقيا (أكتوبر/تشرين الأول 2015): أطلق الطلاب حراك "#يجب_أن_تسقط_الرسوم" وهو حراك احتجاجي واسع ضد زيادة الرسوم الجامعية، قاده الشباب لتحدي الوضع القائم وحشد الطاقات للمطالبة بالتعليم العالي المجاني؛ لتتحول الأزمات المحلية من غياهب النسيان إلى قضايا قارية مرئية وفورية.
الاحتجاجات المناهضة لـ "مشروع قانون المالية" في كينيا: حراك قاده الشباب تنديداً بالزيادات الضريبية المقترحة، حيث حول الفتية والفتيات الإنترنت إلى قاعة درس مدنية وتوعوية؛ فترجمت المصطلحات القانونية المعقدة إلى مقاطع تفسيرية مبسطة على منصة "تيك توك". وبدأ أشخاص لم يطالعوا نص قانون في حياتهم بمناقشة البنود، الضرائب، التمثيل السياسي، صلاحيات الشرطة، والديون السيادية، مما جعل السياسات العامة أكثر وضوحاً لعامة الناس.
وثمة تحول راتب ومستمراً تشهده هذه المنصات يوميا عبر ما يُعرف بـ "جامعة يوتيوب"؛ فترى فتى في كامبالا (عاصمة أوغندا) يتلقى أصول صناعة السينما من صانع محتوى يقيم في كندا، وطاهية نيجيرية تبني جمهورا عالميا وتكسر رقما قياسيا في موسوعة "غينيس"، وراقصا يحول مقطعا مدته عشر ثوان على "تيك توك" إلى مسيرة مهنية كاملة.
لقد سرعت وسائل التواصل وتيرة التبادل الثقافي وغيرت ملامح اللغة اليومية؛ فباتت الكلمات تسافر بلمح البصر لتكتسي معاني مستحدثة؛ ففي الثقافة الرقمية المعاصرة، يُوصف القبول والتوثيق بعبارات خاصة، ويُنظر إلى التميز والإبداع بنبرة مستعارة من عالم الطهي، وتُذيل العبارات القوية بنقاط حاسمة، ليصبح أسلوب التواصل البشري أسرع، أكثر حدة، وأشد عفوية وتحللا من الرسميات.
ثمن الاتصال الدائم وسيكولوجيا المقارنات المدمّرة
بيد أن هذا الاتصال المطلق والمستمر لا يخلو من عواقب وخيمة تنخر في جسد العلاقات الإنسانية.
حيث تصرح ماغي غيتو، المعالجة النفسية المتخصصة في الشؤون الأسرية والمقيمة في نيروبي، قائلة: "تسطح وسائل التواصل الاجتماعي الأشياء؛ إذ تجرد الروابط الإنسانية من سياقها الطبيعي العاطفي. فهل نعد أصدقاء حقا لمجرد أن كلاً منا يملك قدرة الوصول الرقمي إلى الآخر؟".
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست يسيرة بالمرة؛ فبصفتي صانع محتوى، أجدني أبني مجتمعات وعلاقات وثيقة مع الجماهير، وينتابني أحيانا شعور جارف بالقرابة والنسيج الواحد. لكن هذه الجماهير لا تدرك عني إلا ما أختار مشاركته معها؛ وما يُشارك هو منتج جرى انتقاؤه بعناية فائقة وتزيينه خلف الشاشات.
إن المنصات ذاتها التي تقرب بين البشر، تفتح في الآن ذاته أبواب المقارنات المدمّرة؛ فيتحول "إنستغرام" من مصدر للإلهام إلى مقياس للعجز والقصور.
فترى قرينا لك في العمر قد اشترى أرضا أو يقضي عطلته في "زنجبار" (أرخبيل الجزر السياحي الشهير في تنزانيا)، وآخر قد أعلن خطوبته، وثالثا يستعرض عضلاته، ومقدم بودكاست (Podcast) مفضل لديك قد اقتنى سيارة فارهة، أو رُزق بمولود، أو يملك مطبخا أرحب وشرفة تطل على مشهد غروب أكثر سحرا وجاذبية.
"لم تبتدع وسائل التواصل الاجتماعي الحسد، لكنها ضخمت صوته وجعلت أصداءه تتردد باطراد. إنها تقدم دليلا قاطعا على أن شخصا ما، في مكان ما، يعيش حياة أفضل من حياتك. وحتى عندما ندرك بيقيننا أن تلك الصور منتقاة ومصنوعة، يظل الأثر النفسي قابلا للنزف في الوجدان بعمق"
ثم تأتي مشاعر الخزي، والحرج، وتبادل اللوم، لنبدأ في إدراك أن الاتصال الرقمي لا يعني بالضرورة بناء مجتمع حقيقي، بل هو مجرد ممر إليه. ولم يفلح الاتصال الدائم في إنتاج علاقات إنسانية أكثر عمقا ونزاهة؛ فصانع المحتوى لا يعرض كل خباياه: لا يعرض زواجه المتهاوي، ولا الضغوط المستمرة للحفاظ على المظاهر البراقة، ولا الإنهاك العقلي والنفسي عندما تنضب الأفكار، أو عندما يفشل منشور ما في حصد التفاعل المأمول، بل إن فكرة الاكتفاء ووصول المرء إلى مبتغاه غدت هلامية يعسر تحديدها.
"أنت بحاجة ماسة إلى حياة حقيقية بعيدة عن الشاشات، حياة تمارسها حقيقة على أرض الواقع، حتى لا تمنح فضاءات الآخرين الافتراضية قوة قاهرة ومزيفة تسحق واقعك"
وهنا تقدم ماغي غيتو وصفة علاجية بسيطة: "أنت بحاجة ماسة إلى حياة حقيقية بعيدة عن الشاشات، حياة تمارسها حقيقة على أرض الواقع، حتى لا تمنح فضاءات الآخرين الافتراضية قوة قاهرة ومزيفة تسحق واقعك".
وتقترح الحل في تسجيل الخروج من هذا العالم الافتراضي، ثم العودة إليه – كما فعل ديفيد مبوتيلا – فقط عندما يكون المرء راسخ القدمين، ممتلكاً للوعي الكافي الذي يُمكّنه من التمييز بين الحقيقة العينية والأداء الاستعراضي المصنوع. فالأخبار الزائفة والمعلومات المضللة كانت تحتاج قديما إلى مؤسسات ضخمة تدعمها لتنتشر؛ أما اليوم، فلا يتطلب الأمر سوى تعليق مبتكر ووقعة عابرة تصبح حديث الساعة بلمح البصر.
وربما لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قادرة بمفردها على إنقاذنا أو تدميرنا؛ بل كان مقدراً لها فحسب أن تجمع نبلنا، وقسوتنا، وجوعنا، وضجرنا، وعبقريتنا الفذة، وتضعها كلها في مركبة واحدة تسير بنا نحو مجاهل المستقبل.
في ذلك الحين، كان المصورون في نيروبي (عاصمة كينيا وأكبر مدنها) يُعرفون بأعمالهم، وأسلوبهم في التصوير، وموضوعاتهم، بل وأحياناً بنوع الكاميرات التي يقتنونها.
عندما انخرطتُ في هذا المجال، كان من البديهي أن منصات "إنستغرام" و"تويتر" (بمسمّاه آنذاك) و"فيسبوك" هي فضاءات لمشاركة العمل الإبداعي، لا لمشاركة الذات وتفاصيلها الشخصية.
لكن الإنترنت كائن شديد السيولة والتحول؛ فبعد مرور عقد من الزمان، استحلنا إلى شيء آخر تماما؛ غدونا "صناع محتوى" و"مؤثرين".
لقد تبدل النموذج تبدلا جذريا؛ فلم تعد شهرتك مرتهنة بما تتقنه وتصنعه، بل بما تمثله شخصيتك: كيف ترتدي ملابسك، وكيف تتحدث، بل وما تتناوله في وجبة إفطارك، سواء كان كوبا من الشاي أو القهوة، أو ما يستهلكه صباحا متبعو حمية "أوماد" (OMAD) وهي نظام غذائي يعتمد على تناول وجبة واحدة فقط في اليوم.
ويا للمفاجأة، تبين أن تفاصيل عيشي ونمط حياتي تهم الآخرين، بل وتؤثر في صياغة حيواتهم.
وقد فطنت الشركات التجارية لهذا الأمر، لدرجة أنها باتت تقدم عقودا لدمج منتجاتها في تفاصيل حياتي اليومية بأساليب تتقاطع بعمق مع وجدان جمهوري.
ومنذ عام 2018، أصبحت هذه الممارسة هي مصدري الرئيسي لكسب الرزق.
الهواتف المحمولة.. غرف أخبار يومية
غدت وسائل التواصل الاجتماعي في شتى بقاع العالم قوة قاهرة تشكل تفاصيل الحياة البشرية، لا سيما بين أوساط الأجيال الشابة من "جيل الألفية" وما تلاه.
ولم تكن أفريقيا بدعاً من هذا التطور؛ ففي المراكز الحضرية التي تشهد معدلات اختراق عالية للهواتف المحمولة وشبكات الإنترنت، يكون أول ما تمتد إليه الأيدي في الصباح هو الهاتف الذكي لمطالعة تدفقات الوسائط الاجتماعية عبر منصات مثل "إنستغرام"، و"إكس"، و"تيك توك"، و"فيسبوك".
يستيقظ المواطن الكيني ليتفقد تطبيق "واتساب"، وقبل أن يفرغ من تناول إفطاره، يكون قد تجرع فيضا من المعلومات المتدفقة من كل حدب وصوب: إعلان عن مفقود، أو آية دينية، أو ميم (Meme) وهي صورة أو فكرة فكاهية تنتشر بسرعة على الإنترنت، أو رابط لوظيفة شاغرة، أو ملصق لوعي احتجاجي، أو اقتباس زائف منسوب لشخص لم يقله قط، أو تحدي رقص متداول، أو نعي لفقيد، أو سباب سياسي، أو درس تعليمي على "يوتيوب"، أو لقطة شاشة من أروقة البرلمان، أو رسالة صوتية من عمة أو خالة، أو تفاصيل عطلة شخص ما في "دياني" (منطقة شاطئية سياحية شهيرة على المحيط الهندي في كينيا). كل هذا الزخم يتدفق بسلاسة عبر جهاز واحد لا غير.
وفي حديث مع الخبيرة في مجال التسويق الرقمي لدى وكالة "ديجيترايب" (Digitribe) البارزة غريس نديغي، يتضح جليا أنه بحلول عام 2026، لم نعد نعيش في الواقع العيني الفعلي فحسب، بل بات جل عيشنا داخل قوالب هواتفنا المعتمة.
"إننا نستنزف أوقاتا طائلة في قنص اللحظات وتوثيقها بدلا من عيشها حقيقة بدلا من عيشها حقيقة؛ وحصة الأسد من ميزانيات التسويق قد هجرت القنوات التقليدية لتمضي نحو الفضاء الرقمي، لأن هذا الفضاء هو الموطن الجديد للجماهير العريضة" – غريس نديغي
لذا، عندما تصبو شركة مشروبات – على سبيل المثال – إلى طرح منتج جديد، أو تغيير سلوك المستهلك، أو بناء ارتباط عاطفي وثيق بعلامتها التجارية، فإن وسائل التواصل الاجتماعي تغدو بوابتها الرئيسية. وهنا يأتي دور أمثالي، حيث ندمج تلك المنتجات في تفاصيل حيواتنا الراتبة ونعرضها على جماهيرنا.
وتضيف نديغي: "الاهتمام هو العملة الحقيقية اليوم، ولهذا السبب فإن تحديث خوارزميات المنصات مستمر لاقتناص كل شذرة منه".
"الاهتمام هو العملة الحقيقية اليوم، ولهذا السبب فإن تحديث خوارزميات المنصات مستمر لاقتناص كل شذرة منه"
الإنترنت فضاء مدني وقاعة درس
يصف ديفيد مبوتيلا، الذي كان يمارس نشاطا محموما على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن ينكص عنها مؤخرا، هذا التحول الإستراتيجي للإنترنت بعبارات أوسع مدى وأعمق دلالة؛ حيث قال: "بدأ الإنترنت كمعجزة للتواصل البشري؛ آلات تخاطب آلات، ثم بشر يلقون القول لبشر، ثم أناس عاديون يخاطبون العالم قاطبة. ما بدأ كشبكة أسلاك استحال إلى طريق ممهد، وبمجرد أن وصل هذا الطريق إلينا، أخذت الحياة تسير بإيقاع مغاير تماما".
"بدأ الإنترنت كمعجزة للتواصل البشري؛ آلات تخاطب آلات، ثم بشر يلقون القول لبشر، ثم أناس عاديون يخاطبون العالم قاطبة. ما بدأ كشبكة أسلاك استحال إلى طريق ممهد، وبمجرد أن وصل هذا الطريق إلينا، أخذت الحياة تسير بإيقاع مغاير تماما"
ولقد تجلى هذا بوضوح في محطات تاريخية هامة:
مبادرة "كينيون من أجل كينيا" عام 2011: عندما استجابت البلاد للمجاعة التي ضربت الشمال ليس بالتعاطف والمأساة فحسب، بل بعمل جماعي منظم ومحكم. وغدت خدمة "إم-بيسا" (M-Pesa) المصرفية الشهيرة عبر الهاتف المحمول شريان حياة حقيقي، واستحالت الهواتف إلى أدوات فاعلة لجمع التبرعات والإغاثة.
حراك الطلاب في جنوب أفريقيا (أكتوبر/تشرين الأول 2015): أطلق الطلاب حراك "#يجب_أن_تسقط_الرسوم" وهو حراك احتجاجي واسع ضد زيادة الرسوم الجامعية، قاده الشباب لتحدي الوضع القائم وحشد الطاقات للمطالبة بالتعليم العالي المجاني؛ لتتحول الأزمات المحلية من غياهب النسيان إلى قضايا قارية مرئية وفورية.
الاحتجاجات المناهضة لـ "مشروع قانون المالية" في كينيا: حراك قاده الشباب تنديداً بالزيادات الضريبية المقترحة، حيث حول الفتية والفتيات الإنترنت إلى قاعة درس مدنية وتوعوية؛ فترجمت المصطلحات القانونية المعقدة إلى مقاطع تفسيرية مبسطة على منصة "تيك توك". وبدأ أشخاص لم يطالعوا نص قانون في حياتهم بمناقشة البنود، الضرائب، التمثيل السياسي، صلاحيات الشرطة، والديون السيادية، مما جعل السياسات العامة أكثر وضوحاً لعامة الناس.
وثمة تحول راتب ومستمراً تشهده هذه المنصات يوميا عبر ما يُعرف بـ "جامعة يوتيوب"؛ فترى فتى في كامبالا (عاصمة أوغندا) يتلقى أصول صناعة السينما من صانع محتوى يقيم في كندا، وطاهية نيجيرية تبني جمهورا عالميا وتكسر رقما قياسيا في موسوعة "غينيس"، وراقصا يحول مقطعا مدته عشر ثوان على "تيك توك" إلى مسيرة مهنية كاملة.
لقد سرعت وسائل التواصل وتيرة التبادل الثقافي وغيرت ملامح اللغة اليومية؛ فباتت الكلمات تسافر بلمح البصر لتكتسي معاني مستحدثة؛ ففي الثقافة الرقمية المعاصرة، يُوصف القبول والتوثيق بعبارات خاصة، ويُنظر إلى التميز والإبداع بنبرة مستعارة من عالم الطهي، وتُذيل العبارات القوية بنقاط حاسمة، ليصبح أسلوب التواصل البشري أسرع، أكثر حدة، وأشد عفوية وتحللا من الرسميات.
ثمن الاتصال الدائم وسيكولوجيا المقارنات المدمّرة
بيد أن هذا الاتصال المطلق والمستمر لا يخلو من عواقب وخيمة تنخر في جسد العلاقات الإنسانية.
حيث تصرح ماغي غيتو، المعالجة النفسية المتخصصة في الشؤون الأسرية والمقيمة في نيروبي، قائلة: "تسطح وسائل التواصل الاجتماعي الأشياء؛ إذ تجرد الروابط الإنسانية من سياقها الطبيعي العاطفي. فهل نعد أصدقاء حقا لمجرد أن كلاً منا يملك قدرة الوصول الرقمي إلى الآخر؟".
إن الإجابة عن هذا السؤال ليست يسيرة بالمرة؛ فبصفتي صانع محتوى، أجدني أبني مجتمعات وعلاقات وثيقة مع الجماهير، وينتابني أحيانا شعور جارف بالقرابة والنسيج الواحد. لكن هذه الجماهير لا تدرك عني إلا ما أختار مشاركته معها؛ وما يُشارك هو منتج جرى انتقاؤه بعناية فائقة وتزيينه خلف الشاشات.
إن المنصات ذاتها التي تقرب بين البشر، تفتح في الآن ذاته أبواب المقارنات المدمّرة؛ فيتحول "إنستغرام" من مصدر للإلهام إلى مقياس للعجز والقصور.
فترى قرينا لك في العمر قد اشترى أرضا أو يقضي عطلته في "زنجبار" (أرخبيل الجزر السياحي الشهير في تنزانيا)، وآخر قد أعلن خطوبته، وثالثا يستعرض عضلاته، ومقدم بودكاست (Podcast) مفضل لديك قد اقتنى سيارة فارهة، أو رُزق بمولود، أو يملك مطبخا أرحب وشرفة تطل على مشهد غروب أكثر سحرا وجاذبية.
"لم تبتدع وسائل التواصل الاجتماعي الحسد، لكنها ضخمت صوته وجعلت أصداءه تتردد باطراد. إنها تقدم دليلا قاطعا على أن شخصا ما، في مكان ما، يعيش حياة أفضل من حياتك. وحتى عندما ندرك بيقيننا أن تلك الصور منتقاة ومصنوعة، يظل الأثر النفسي قابلا للنزف في الوجدان بعمق"
ثم تأتي مشاعر الخزي، والحرج، وتبادل اللوم، لنبدأ في إدراك أن الاتصال الرقمي لا يعني بالضرورة بناء مجتمع حقيقي، بل هو مجرد ممر إليه. ولم يفلح الاتصال الدائم في إنتاج علاقات إنسانية أكثر عمقا ونزاهة؛ فصانع المحتوى لا يعرض كل خباياه: لا يعرض زواجه المتهاوي، ولا الضغوط المستمرة للحفاظ على المظاهر البراقة، ولا الإنهاك العقلي والنفسي عندما تنضب الأفكار، أو عندما يفشل منشور ما في حصد التفاعل المأمول، بل إن فكرة الاكتفاء ووصول المرء إلى مبتغاه غدت هلامية يعسر تحديدها.
"أنت بحاجة ماسة إلى حياة حقيقية بعيدة عن الشاشات، حياة تمارسها حقيقة على أرض الواقع، حتى لا تمنح فضاءات الآخرين الافتراضية قوة قاهرة ومزيفة تسحق واقعك"
وهنا تقدم ماغي غيتو وصفة علاجية بسيطة: "أنت بحاجة ماسة إلى حياة حقيقية بعيدة عن الشاشات، حياة تمارسها حقيقة على أرض الواقع، حتى لا تمنح فضاءات الآخرين الافتراضية قوة قاهرة ومزيفة تسحق واقعك".
وتقترح الحل في تسجيل الخروج من هذا العالم الافتراضي، ثم العودة إليه – كما فعل ديفيد مبوتيلا – فقط عندما يكون المرء راسخ القدمين، ممتلكاً للوعي الكافي الذي يُمكّنه من التمييز بين الحقيقة العينية والأداء الاستعراضي المصنوع. فالأخبار الزائفة والمعلومات المضللة كانت تحتاج قديما إلى مؤسسات ضخمة تدعمها لتنتشر؛ أما اليوم، فلا يتطلب الأمر سوى تعليق مبتكر ووقعة عابرة تصبح حديث الساعة بلمح البصر.
وربما لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قادرة بمفردها على إنقاذنا أو تدميرنا؛ بل كان مقدراً لها فحسب أن تجمع نبلنا، وقسوتنا، وجوعنا، وضجرنا، وعبقريتنا الفذة، وتضعها كلها في مركبة واحدة تسير بنا نحو مجاهل المستقبل.
نيسان ـ نشر في 2026/06/09 الساعة 00:00