كيف تقنع طفلك او الطالب أن الإنسان هو الأذكى .. وليس الذكاء الاصطناعي ؟

نيسان ـ نشر في 2026/06/10 الساعة 00:00
بقلم زياد الشوبكي
سألني ولدي خلال عطلة نهاية الأسبوع: أبي، من أين يأتي الذكاء الاصطناعي بالإجابة عن كل هذه الأسئلة
سؤال ذكي ومهم، يحمل في طياته براءة وعفوية طفل لم يسأله الكبار حتى لأنفسهم. فقلت له: من الإنسان.. رد علي وعلامات التعجب تملأ وجهه: الإنسان....!... كيف؟
أخذته وذهبنا الى مكتبة عبد الحميد شومان ، وقلت له: هذه المكتبة تعتبر صغيرة مقارنه بمكتبات كبرى حول العالم و كل هذه الكتب التي تراها تحتوي على معلومات، وآراء، وقصص، وفن، وروايات، وتاريخ، وتحليلات اقتصادية، وأبحاث الجامعات عمرها مئات السنين وتكنولوجيا.. الذكاء الاصطناعي يسرق من الإنسان ما تعلمه وأبدع فيه طوال حياته، وعندما تسأله أنت، يعطيك الإجابة.
لأجل هذا الموقف وتلك الحقيقة المعرفية، كتبت مقالاً قبل عامين شرحت فيه لماذا أصر على تسميته الذكاء البديل وليس الذكاء الاصطناعي . فهذه هي الحقيقة المجردة؛ فقبل أن يصبح ثورة تكنولوجية، كان إرثاً إنسانياً خالصاً. كل كتاب كتب، كل فكرة خطرت لعقل بشري على مدار الأجيال – هذا هو الأساس الحقيقي للآلة التي لا تصنع ذكاءً بل تقدم "بديلاً" مستخرجاً منا. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل جاءت هذه الآلات لتخدم البشرية، أم أنها بُنيت على سرقة إبداعها؟
اعترف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه.آي ، بأن نماذج الذكاء الاصطناعي دُربت على تجربتنا الجماعية، ومعرفتنا، وتعلّمات البشرية . لكن المشكلة تكمن في أن هذه التعلمات لم تقدّم من أصحابها كهدية أو تبرع. لقد أُخذت دون إذن، دون اعتراف، ودون تعويض مادي أو معنوي. وهنا تبدأ القصة الحقيقية لهذا "الذكاء البديل": ليس كاختراع عبقري غيّر وجه البشرية، بل كآلة استيلاء كبرى.
لن نبالغ إذا قلنا إن هذه التكنولوجيا استباحت كل ما أنتجه الإنسان لان الملكية الفكرية في ملايين المقالات، الكتب، الأغاني، والصور التي جمعت من الإنترنت دون ترخيص أو احترام لحقوق مبدعيها.
كل محادثة، كل مراجعة، كل تصحيح بيانات قام به البشر مجاناً لتحسين هذه النماذج، ناهيك عن جيوش العمالة رخيصة الثمن في الدول النامية الذين قضوا ساعات طويلة في تصفية المحتوى العنيف والمؤذي لتهذيب الآلة مقابل دولارات زهيدة.
المحادثات الخاصة، الصور الشخصية، وحتى بيانات الأبحاث الطبية والأكاديمية التي دخلت في قواعد التدريب دون وعي من أصحابها.
بدلاً من أن يُكافأ المبدعون مقابل استخدام أعمالهم كوقود للتطور، أصبحت أعمالهم سبباً في إثراء شركات التكنولوجيا بمليارات الدولارات، بينما يواجه المبدعون خطر البطالة من قِبل هذا "الذكاء البديل".
ما يحدث اليوم ليس مجرد سباق تكنولوجي، بل هو إعادة إحياء للنظام الإقطاعي في أسوأ صوره، ولكن برداء رقمي حديث. في العصور الوسطى، كان الإقطاعيون يسيطرون على مساحات الأرض الشاسعة، ويتركون عامة الشعب يفلحونها بعرق جبينهم لسنوات، ثم يستولون على المحصول كاملاً معتقدين أن الأرض وما عليها ملكهم وحدهم.
اليوم، تم استبدال الأرض بالإنترنت والمنصات الرقمية. أباطرة التكنولوجيا الذين يتخذون من الولايات المتحدة مقراً لهم هم الإقطاعيون الجدد. هم لم يزرعوا المعرفة، ولم يكتبوا الرموز البرمجية والمقالات التي استغرقت من البشرية عقوداً وقروناً لبنائها وتطويرها. هم فقط وضعوا سياجاً حول هذا المشاع الرقمي والإرث الإنساني عبر خوارزمياتهم ومراكز بياناتهم وقدرتهم المادية الهائلة على احتكار الطاقة الحوسبية.
البشرية عملت لسنوات، كتبت، أبدعت، علمت، وشاركت معرفتها على الإنترنت بحسن نية وتراكم معرفي. ثم جاء هؤلاء الأباطرة، وحصدوا هذا "المحصول الفكري" العالمي بالكامل مجاناً، وعالجوه داخل آلاتهم، والآن يعيدون بيعه للعالم في شكل اشتراكات شهرية.
نحن الفلاحون الذين زرعنا الأرض، ونحن مجبرون الآن على شراء ثمارنا منهم. صناديق رأس المال المغامر في وول ستريت تنظر إلى "الذكاء البديل" باعتباره آلة استخراج الثروة العظيمة القادمة ، مستغلين جهود مئات الملايين من البشر خارج حدودهم وداخلها.
    نيسان ـ نشر في 2026/06/10 الساعة 00:00