حين يصدأ العقل

رمزي الغزوي
نيسان ـ نشر في 2026/06/14 الساعة 00:00
ثمة أنواع من الخراب لا تأتي على هيئة زلزال، ولا تطرق الأبواب بصخب يكفي لتنبيهنا إليها. إنها تتسلل مثل رطوبة خفية إلى جدران الوعي، وتستقر هناك طويلا قبل أن نلاحظ آثارها. في البداية نظن أننا نقتل بعض الوقت، ثم نكتشف متأخرين أن الوقت هو الذي يقتل شيئا فينا. دقائق صغيرة نقتطعها من تعبنا اليومي، ونهبها لأنفسنا بوصفها استراحة مستحقة، فإذا بها تتحول إلى ثقوب سوداء تبتلع الانتباه والنية والقدرة على التركيز. ومع كل تمريرة إصبع فوق شاشة مضيئة، كنا نفقد شيئا لا نراه، حتى إذا حاولنا استعادته وجدنا أن الخسارة لم تكن في الوقت وحده، وإنما في قدرتنا على أن نكون حاضرين بكامل وعينا.
تغيرت علاقتنا بكل ما يحتاج إلى نفس طويل دون إعلان صريح. الكتاب لم يعد ذلك الصديق الثقيل بالمعرفة، وإنما صار امتحانا مؤجلا. والمقال العميق تحول إلى رف مرتفع نؤجل بلوغه مرة بعد أخرى. وحتى الفكرة، تلك التي كانت تستدرجنا لنمشي معها حتى آخر الخيط، صارت تثير فينا قلقا خفيا، كأنها تطلب جهدا لم نعد راغبين في بذله. الذهن اليوم لا يستقر؛ يرفرف فوق السطح، يكتفي باللمس الخفيف، ويفر من كل محاولة للغوص. كقطعة فلين ترفض النزول إلى القاع، وكأن العمق صار مكانا معاديا، أو ذاكرة موجعة، أو عبئا لا طاقة لنا به.
وحين جرى تتويج مصطلح «تعفن الدماغ» اسما لهذه الحالة، بدا الأمر أقرب إلى اعتراف متأخر بما يحدث في الداخل. نحن أمام عقول تعيش على إيقاع متقطع، تقفز بين ومضات متجاورة لا يجمعها سياق، وتكدس كما هائلا من الشذرات دون أن تبني معرفة قابلة للبقاء. الصورة مكتملة من حيث الكثرة، مبتورة من حيث المعنى. ومع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التي تقدم الإجابات جاهزة ومعلبة، تقلصت المسافة بين السؤال ونهايته، حتى كادت رحلة التفكير نفسها تتوارى. تلك الرحلة التي كانت، في جوهرها، تمرينا على الصبر والشك واكتشاف الذات قبل اكتشاف الجواب.
الأمر لا يقف عند حدود العقل وحده. شيء ما انسحب بهدوء من مشاعرنا أيضا. المآسي التي كانت تقيم فينا طويلا، تمر الآن مرور العابرين، تزاحمها نكتة أو رقصة أو مشهد خاطف. التعاطف صار ومضة، والانفعال صار مؤقتا، وكل شيء بات قابلا للاستبدال خلال لحظة. والأجيال التي تنمو داخل هذا الإيقاع اللاهث تبدو كمن يتعلم الحياة من مقاطع مجتزأة، دون أن يمتلك القدرة على ربطها في سياق واحد، أو الصبر على تعقيدها، أو احتمال بطء نضوجها.
وفي زاوية بعيدة من هذا الضجيج ما يزال هناك مخرج صغير. ليس وصفة سحرية، ولا ثورة على التكنولوجيا، وإنما استعادة متدرجة لما يجعلنا بشرا. لحظة صمت حقيقية، قراءة متأنية، نزهة بلا شاشة، أو جلوس هادئ مع فكرة لا تبحث عن إعجاب أو مشاركة. هناك، حيث يضطر العقل إلى مواجهة نفسه دون وسائط، تبدأ رحلة العودة البطيئة.
فالمسألة ليست دعوة إلى الانسحاب من العالم، وإنما محاولة لاسترداد إيقاع إنساني كاد أن يندثر. والسؤال الذي يلوح في نهاية الطريق ليس: كم نعرف؟ وإنما: هل ما زلنا قادرين على التفكير والشعور بالعمق نفسه؟ أم أننا نواصل هذا الانجراف الهادئ حتى نصبح، من حيث لا نشعر، مجرد عابرين في عقولنا؟
    نيسان ـ نشر في 2026/06/14 الساعة 00:00