كأس العالم: أثر السياسي
نيسان ـ نشر في 2026/06/17 الساعة 00:00
مع بدء منافسات كأس العالم لعام 2026، نستدعي ما نقله الكثير من وكالات الأنباء عن مضايقات طالت بعض البعثات المشاركة في المونديال، وجماهيرها، من ناحية الحصول على الفيزا، أو التذاكر، أو إجراءات التفتيش، وغير ذلك من الممارسات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية، بحكم أنها دولة من ثلاث دول تستضيف كأس العالم.
وفي كثير من الأحيان تبدو الأخبار جزءاً من المعضلة، حيث لا يمكن التفريق بين الأخبار الحقيقية، أو تلك الادعاءات التي لم تثبت، بالتوازي مع محاولة تبرير ذلك، انطلاقاً من إجراءات تتصل بالنظام الأمني، غير أن جملة ما ثبت يؤكد أن ثمة شيئاً من الصحة بخصوص هذا الموضوع.
إن ما يكمن في هذه الوقائع من أثر يتعلق بالتقاطع بين السياسي والرياضي، ويبعث مرةً أخرى على التفكير في ازدواجية المعايير تجاه هذه السلوكيات، حيث نشعر بأنها مرتهنة لأمرين: الأول الضعف تجاه بعض الدول الكبرى، والثاني تبني الازدواج في المعايير تجاه الآخرين.
تشير تقارير إخبارية في السياق عينه إلى تأخير تأشيرات المنتخب الإيراني، ومنع بعض الأعضاء من الدخول إلى الولايات المتحدة، كما نقل المعسكر إلى المكسيك، فضلاً عن أزمة تذاكر الجماهير، في حين أن منتخب العراق تعرض بعض عناصره للتفتيش الصارم والاستجواب، كما منع الحكم الصومالي من الدخول، فضلاً عن عرقلة دخول لاعب سويسري على هامش قضية قانونية، في حين عانى منتخب جنوب افريقيا، وأوزبكستان من بعض الإجراءات، بالإضافة إلى رفض إعطاء تأشيرات لكثير من الجماهير، على الرغم من أنهم قاموا بشراء تذاكر من الفيفا.
لعل ذلك يشير إلى أننا إزاء أزمة ثقافية تتعلق بمقولة الجدل بين الرياضي والسياسي، فعلى الرغم من أن كأس العالم يُقام كل أربع سنوات، فإن المسابقة لم تشهد من قبل هذا القدر من التضييق، ما يشي بأننا إزاء مشكلة ثقافية، ولاسيما حين يتصل الأمر بتحول بنيوي في عقلية إحدى الدول المستضيفة، وقراءتها لدورها في العالم، بالإضافة إلى ما سبق، فإن هذا قد يشير إلى مشكلة تتعلق بنفي المعنى الرياضي عن الحدث، الذي قد يتحول إلى فعل جدلي بخصوص ارتهان القيم الرياضية للمزاج أكثر من الوقائع، ومن هنا، فلا جرم أن تطلق منظمة العفو الدولية تحذيرات من أخطار محتملة تشمل رفض الدخول تعسفياً للمشاركين، وهكذا تكمن حقيقة المعنى التعسفي، أو الاختلال الذي يعاني منه العالم، ولاسيما حين يصدر عن أكبر دولة في العالم تستضيف أهم حدث رياضي، ما يعني أن كأس العالم الحالي لم يعد ينطوي على المعنى الذي يقام من أجله، وبوجه خاص ضمن تكوين رؤية ترى أن الرياضة جزء من قيم التقارب بين الشعوب. في حين أن ذلك قد يطعن بتلك الأقاويل التي تسعى إلى رفض التداخل بين السياسي والرياضي، وفي مناسبات سابقة كانت الفيفا تعاقب كل من يتخذ موقفاً ضد دولة كيان الاحتلال من مبدأ هذا الباب، الذي يبدو أنه قد أصبح انتقائياً، ومتصلاً بصورة أكبر بعوار يتعلق بثقافة العالم، وقدرته على التعامل مع هذه القضية.
وكي تتأكد تلك المعيارية، نستعيد خبراً مفاده أنه في عام 2023، سحب الفيفا من إندونيسيا حق تنظيم كأس العالم تحت سن 20 عاماً، بعد تصاعد الاعتراضات على مشاركة المنتخب الإسرائيلي، ثم جمّد جزءاً من تمويل التطوير المخصص للاتحاد الإندونيسي، في حالة تعدّ من أشد الحالات وضوحاً لإيقاع عقوبة كروية بسبب موقف دولة مضيفة من حضور دولة الكيان الإسرائيلي.
في حين أشارت تقارير إلى أن منتخبات مثل إيطاليا والنرويج واجهت ضغوطاً بسبب مقاطعة مباريات إسرائيل، غير أن الانسحاب كان يعني خسارة المباراة 3 ـ 0. ما دفع مدرب إيطاليا جينارو غاتوزو تبريره لعب المباراة. ومن المهم التذكير بأن الفيفا، في مارس/آذار 2026 قرر عدم اتخاذ إجراء ضد أندية إسرائيلية متهمة باللعب في مستوطنات في الضفة الغربية، معللاً ذلك بتعقيد الوضع القانوني، لكنه عاقب الاتحاد الإسرائيلي نفسه بغرامة قدرها 150 ألف فرنك سويسري، بسبب إخفاقات تتعلق بمكافحة العنصرية والتمييز، كما جاء على موقع رويترز، وبذلك فثمة ملاحظة واضحة تتصل في التعامل الانتقائي للقضايا التي تشهد تداخل السياسي مع الرياضي، ولكن ليس عبر معيارية واضحة، ما يعني أن منطق القوة يسيطر على الوعي الدولي، وارتهان الرياضة لمزاج المتنفذين مما يفرغ المعنى الحقيقي للرياضة، فإذا كانت السياسة يجب أن تبقى بمعزل عن الرياضة، فالأجدر ألا يسمح بهذه المضايقات من قبل الدولة المستضيفة.
إن تصريح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي عبر عنه لمواجهة المطالبات بتعليق عضوية إسرائيل، يكشف عن عوار واضح بخصوص هذه المعيارية التي تسكن العالم، حيث قال: «لا يستطيع الفيفا حلّ المشكلات الجيوسياسية، لكنه يستطيع، بل يجب عليه، أن يعزز كرة القدم في العالم من خلال قيمها التوحيدية والتربوية والثقافية والإنسانية». إن تحليل هذا التصريح يكشف عن عاملين؛ الأول أن الفيفا لا يملك قدرات لمواجهة مشكلات العالم، ولكنه يسعى إلى تعزيز قيم اللعبة، غير أن هذا الكلام يبدو جزءاً من محاولة تجنب تعليق عضوية الكيان، في حين أنه لا يقرر ذلك في مواجهة الإجراءات التعسفية تجاه الولايات المتحدة التي تعمل على تضييق الخناق تجاه بعثات اللاعبين الآخرين. وهذا يعني أن كأس العالم بات رهين ذلك المزاج الأمني، والجيوسياسي.
ومن هنا فقد تتحول المسابقات الرياضية إلى جزء من منطق الدولة الأمنية، وأقصد هنا المعني التعسفي، وليس الحقيقي الذي يستوجب التدقيق، ولكن هذا قد يؤدي إلى نفي مقولة كونية الرياضة، ولاسيما إذا اعتمد هذا المنطق، وأعني إطلاق يد الدول للقيام بإجراءات تعسفية، مما قد يشجع الدول الأخرى أن تحذو حذو الولايات المتحدة في المسابقات المقبلة، وبذلك يغدو الأمر جزءاً من محاولة استثمار الرياضة لصالح رؤية سياسية.
إن معاملة لاعبي، أو بعثات الكثير من الدول بتلك الطريقة تكشف أننا أمام دولة بدأت فيها مرحلة أفول الأخلاق والمبادئ القيمية، ولا أدل على ذلك من تلك النداءات التي وجهها مثقفون أمريكيون، وفنانون، وكتّاب، وصحافيون، تسعى إلى دق ناقوس خطر تفكك المؤسسة الأمريكية المعنية بالحقوق، كما الثقافة التي جعلت مجتمعة من أمريكا ذات شخصية دولية، قبل أن تبدأ بالتحول إلى دولة شعبوية بهذه الصورة الواضحة أو الفجة، فعلى الرغم من سجلها السياسي السيئ، فإن المؤسسات الحقوقية والقانونية كانت دائماً تسعى إلى كبح جماح تلك التدخلات السافرة، ولاسيما تلك التي تتعلق بمبادئ حقوق الإنسان، كما كانت تسعى أيضاً إلى خلق نوع من التوازن الذي يجعل الأمر إلى حد ما مقبولاً. بيد أن المعضلة تكمن حين يبدأ النظام القضائي والمؤسسات الحقوقية بالتفكك، بما يقود إلى واقع مفاده أن قيادة أمريكا للعالم، على الرغم من أنها كانت بالقوة والاقتصاد، غير أنه لا يمكن أن ننفي حضور الجانب الثقافي، كما الجوانب العلمية والفنية؛ والأهم الحقوقية، وفي حال تراجع هذا النموذج القيمي، فإن ذلك سوف يؤدي بالضرورة إلى آثار تطال الجوانب الأخرى، أو بمعنى أدق قيمة القيادة بوصفها معطى أخلاقياً.
كاتب أردني
وفي كثير من الأحيان تبدو الأخبار جزءاً من المعضلة، حيث لا يمكن التفريق بين الأخبار الحقيقية، أو تلك الادعاءات التي لم تثبت، بالتوازي مع محاولة تبرير ذلك، انطلاقاً من إجراءات تتصل بالنظام الأمني، غير أن جملة ما ثبت يؤكد أن ثمة شيئاً من الصحة بخصوص هذا الموضوع.
إن ما يكمن في هذه الوقائع من أثر يتعلق بالتقاطع بين السياسي والرياضي، ويبعث مرةً أخرى على التفكير في ازدواجية المعايير تجاه هذه السلوكيات، حيث نشعر بأنها مرتهنة لأمرين: الأول الضعف تجاه بعض الدول الكبرى، والثاني تبني الازدواج في المعايير تجاه الآخرين.
تشير تقارير إخبارية في السياق عينه إلى تأخير تأشيرات المنتخب الإيراني، ومنع بعض الأعضاء من الدخول إلى الولايات المتحدة، كما نقل المعسكر إلى المكسيك، فضلاً عن أزمة تذاكر الجماهير، في حين أن منتخب العراق تعرض بعض عناصره للتفتيش الصارم والاستجواب، كما منع الحكم الصومالي من الدخول، فضلاً عن عرقلة دخول لاعب سويسري على هامش قضية قانونية، في حين عانى منتخب جنوب افريقيا، وأوزبكستان من بعض الإجراءات، بالإضافة إلى رفض إعطاء تأشيرات لكثير من الجماهير، على الرغم من أنهم قاموا بشراء تذاكر من الفيفا.
لعل ذلك يشير إلى أننا إزاء أزمة ثقافية تتعلق بمقولة الجدل بين الرياضي والسياسي، فعلى الرغم من أن كأس العالم يُقام كل أربع سنوات، فإن المسابقة لم تشهد من قبل هذا القدر من التضييق، ما يشي بأننا إزاء مشكلة ثقافية، ولاسيما حين يتصل الأمر بتحول بنيوي في عقلية إحدى الدول المستضيفة، وقراءتها لدورها في العالم، بالإضافة إلى ما سبق، فإن هذا قد يشير إلى مشكلة تتعلق بنفي المعنى الرياضي عن الحدث، الذي قد يتحول إلى فعل جدلي بخصوص ارتهان القيم الرياضية للمزاج أكثر من الوقائع، ومن هنا، فلا جرم أن تطلق منظمة العفو الدولية تحذيرات من أخطار محتملة تشمل رفض الدخول تعسفياً للمشاركين، وهكذا تكمن حقيقة المعنى التعسفي، أو الاختلال الذي يعاني منه العالم، ولاسيما حين يصدر عن أكبر دولة في العالم تستضيف أهم حدث رياضي، ما يعني أن كأس العالم الحالي لم يعد ينطوي على المعنى الذي يقام من أجله، وبوجه خاص ضمن تكوين رؤية ترى أن الرياضة جزء من قيم التقارب بين الشعوب. في حين أن ذلك قد يطعن بتلك الأقاويل التي تسعى إلى رفض التداخل بين السياسي والرياضي، وفي مناسبات سابقة كانت الفيفا تعاقب كل من يتخذ موقفاً ضد دولة كيان الاحتلال من مبدأ هذا الباب، الذي يبدو أنه قد أصبح انتقائياً، ومتصلاً بصورة أكبر بعوار يتعلق بثقافة العالم، وقدرته على التعامل مع هذه القضية.
وكي تتأكد تلك المعيارية، نستعيد خبراً مفاده أنه في عام 2023، سحب الفيفا من إندونيسيا حق تنظيم كأس العالم تحت سن 20 عاماً، بعد تصاعد الاعتراضات على مشاركة المنتخب الإسرائيلي، ثم جمّد جزءاً من تمويل التطوير المخصص للاتحاد الإندونيسي، في حالة تعدّ من أشد الحالات وضوحاً لإيقاع عقوبة كروية بسبب موقف دولة مضيفة من حضور دولة الكيان الإسرائيلي.
في حين أشارت تقارير إلى أن منتخبات مثل إيطاليا والنرويج واجهت ضغوطاً بسبب مقاطعة مباريات إسرائيل، غير أن الانسحاب كان يعني خسارة المباراة 3 ـ 0. ما دفع مدرب إيطاليا جينارو غاتوزو تبريره لعب المباراة. ومن المهم التذكير بأن الفيفا، في مارس/آذار 2026 قرر عدم اتخاذ إجراء ضد أندية إسرائيلية متهمة باللعب في مستوطنات في الضفة الغربية، معللاً ذلك بتعقيد الوضع القانوني، لكنه عاقب الاتحاد الإسرائيلي نفسه بغرامة قدرها 150 ألف فرنك سويسري، بسبب إخفاقات تتعلق بمكافحة العنصرية والتمييز، كما جاء على موقع رويترز، وبذلك فثمة ملاحظة واضحة تتصل في التعامل الانتقائي للقضايا التي تشهد تداخل السياسي مع الرياضي، ولكن ليس عبر معيارية واضحة، ما يعني أن منطق القوة يسيطر على الوعي الدولي، وارتهان الرياضة لمزاج المتنفذين مما يفرغ المعنى الحقيقي للرياضة، فإذا كانت السياسة يجب أن تبقى بمعزل عن الرياضة، فالأجدر ألا يسمح بهذه المضايقات من قبل الدولة المستضيفة.
إن تصريح رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي عبر عنه لمواجهة المطالبات بتعليق عضوية إسرائيل، يكشف عن عوار واضح بخصوص هذه المعيارية التي تسكن العالم، حيث قال: «لا يستطيع الفيفا حلّ المشكلات الجيوسياسية، لكنه يستطيع، بل يجب عليه، أن يعزز كرة القدم في العالم من خلال قيمها التوحيدية والتربوية والثقافية والإنسانية». إن تحليل هذا التصريح يكشف عن عاملين؛ الأول أن الفيفا لا يملك قدرات لمواجهة مشكلات العالم، ولكنه يسعى إلى تعزيز قيم اللعبة، غير أن هذا الكلام يبدو جزءاً من محاولة تجنب تعليق عضوية الكيان، في حين أنه لا يقرر ذلك في مواجهة الإجراءات التعسفية تجاه الولايات المتحدة التي تعمل على تضييق الخناق تجاه بعثات اللاعبين الآخرين. وهذا يعني أن كأس العالم بات رهين ذلك المزاج الأمني، والجيوسياسي.
ومن هنا فقد تتحول المسابقات الرياضية إلى جزء من منطق الدولة الأمنية، وأقصد هنا المعني التعسفي، وليس الحقيقي الذي يستوجب التدقيق، ولكن هذا قد يؤدي إلى نفي مقولة كونية الرياضة، ولاسيما إذا اعتمد هذا المنطق، وأعني إطلاق يد الدول للقيام بإجراءات تعسفية، مما قد يشجع الدول الأخرى أن تحذو حذو الولايات المتحدة في المسابقات المقبلة، وبذلك يغدو الأمر جزءاً من محاولة استثمار الرياضة لصالح رؤية سياسية.
إن معاملة لاعبي، أو بعثات الكثير من الدول بتلك الطريقة تكشف أننا أمام دولة بدأت فيها مرحلة أفول الأخلاق والمبادئ القيمية، ولا أدل على ذلك من تلك النداءات التي وجهها مثقفون أمريكيون، وفنانون، وكتّاب، وصحافيون، تسعى إلى دق ناقوس خطر تفكك المؤسسة الأمريكية المعنية بالحقوق، كما الثقافة التي جعلت مجتمعة من أمريكا ذات شخصية دولية، قبل أن تبدأ بالتحول إلى دولة شعبوية بهذه الصورة الواضحة أو الفجة، فعلى الرغم من سجلها السياسي السيئ، فإن المؤسسات الحقوقية والقانونية كانت دائماً تسعى إلى كبح جماح تلك التدخلات السافرة، ولاسيما تلك التي تتعلق بمبادئ حقوق الإنسان، كما كانت تسعى أيضاً إلى خلق نوع من التوازن الذي يجعل الأمر إلى حد ما مقبولاً. بيد أن المعضلة تكمن حين يبدأ النظام القضائي والمؤسسات الحقوقية بالتفكك، بما يقود إلى واقع مفاده أن قيادة أمريكا للعالم، على الرغم من أنها كانت بالقوة والاقتصاد، غير أنه لا يمكن أن ننفي حضور الجانب الثقافي، كما الجوانب العلمية والفنية؛ والأهم الحقوقية، وفي حال تراجع هذا النموذج القيمي، فإن ذلك سوف يؤدي بالضرورة إلى آثار تطال الجوانب الأخرى، أو بمعنى أدق قيمة القيادة بوصفها معطى أخلاقياً.
كاتب أردني
نيسان ـ نشر في 2026/06/17 الساعة 00:00