إعادة التموضع الاستراتيجي.. كيف خطط 60% من أثرياء أمريكا للهجرة

نيسان ـ نشر في 2026/06/18 الساعة 00:00
أطلق جورج كلوني تحذيراً لموسم الأعياد في ديسمبر 2025 للاقتصاد الأمريكي، مفاده أن المواطنين الأثرياء لم يعودوا منبهرين بـ "الحلم الأمريكي". ففي فرنسا، حيث حصل هو وعائلته مؤخراً على الجنسية، قال لمجلة "إسكواير": "هم لا يكترثون كثيراً بالشهرة"، مضيفاً أنه يريد إبعاد أطفاله عن "ثقافة هوليوود.. والتجول قلقين من المصورين" أو "المقارنة بأطفال المشاهير الآخرين".
ويبدو أن كلوني ليس وحده في هذا الشعور؛ إذ أشار استطلاع جديد للرأي إلى أن 6 من كل 10 أمريكيين من الأثرياء يفكرون في مغادرة الولايات المتحدة خلال السنوات الخمس المقبلة، وهي إشارة قوية على تآكل الثقة في قمة السلم الاقتصادي.
هذه هي النتيجة الأبرز لاستطلاع أجري في مايو 2026 وشمل 1,733 أمريكياً ممن تتجاوز دخول أسرهم السنوية 200 ألف دولار، وقد أجرته شركة "أبيكس كابيتال بارتنرز" (Apex Capital Partners)، وهي شركة متخصصة في إدارة الثروات وبرامج الجنسية الثانية والاستثمارات الخارجية. وتكشف النتائج عن طبقة ثرية تتطلع بشكل متزايد نحو الخروج، ليس بسبب الصعوبات المعيشية، بل نتيجة حسابات استراتيجية.
تأتي هذه النتائج في وقت سجلت فيه الولايات المتحدة صافي هجرة سلبية في عام 2025 (عدد المغادرين أكثر من القادمين) لأول مرة منذ حوالي 90 عاماً، وهو اتجاه يتماشى تماماً مع مغامرات كلوني الخارجية. ويشير استطلاع "أبيكس" إلى أن الأثرياء ليسوا مجرد مراقبين لهذا التحول، بل هم المحركون له.
الحروب الثقافية
لسنوات، كان السرد حول انتقال الأمريكيين للعيش في الخارج يتمحور حول خيبة الأمل السياسية. لكن البيانات الحالية تقدم قصة أكثر دقة؛ فعند سؤالهم عن سبب تفكيرهم في المغادرة، جاء "تكاليف المعيشة والضرائب" في المرتبة الأولى بنسبة 68% بين الراغبين في الهجرة، متفوقاً على "المناخ السياسي" الذي جاء بنسبة 54%. وجاءت "سهولة الوصول إلى الرعاية الصحية" (39%)، و"السلامة العامة" (29%)، و"التعليم" (21%) لتكمل قائمة الأسباب الخمسة الأولى.
يقول نوري كاتز، مؤسس شركة "أبيكس كابيتال بارتنرز": كان الأمر مفاجئاً لي بعض الشيء". ففي السابق، كان معظم عملائه الأمريكيين مدفوعين بالسياسة، أما الآن: "نرى عملاء من كلا طرفي الانقسام السياسي. الأشخاص من اليسار يخشون ترامب، والأشخاص من اليمين الذين يدعمون ترامب يخشون رد الفعل.. التحرك الحاد نحو اليسار، وصول اشتراكي إلى السلطة،الجميع يشعرون بتوتر شديد".
وأضاف: "يتعامل الأثرياء الأمريكيون بشكل متزايد مع الهجرة كخطوة مالية استراتيجية لحماية أصولهم وعائلاتهم ضد عدم الاستقرار السياسي وارتفاع النفقات".
تشاؤم اقتصادي
القلق الاقتصادي يتجاوز مجرد اختيار الوجهة؛ حيث قيّم 42% من المشاركين الاقتصاد الأمريكي الحالي بأنه "ضعيف" أو "ضعيف جداً"، بينما وصفه 31% فقط بأنه "قوي" أو "قوي جداً".
وهذا التشاؤم يتركز بشكل ملحوظ في القمة: فقد وجد استطلاع أجرته مؤسسة "غالوب" في نوفمبر الماضي أن حوالي 20% من إجمالي الأمريكيين يرغبون في الانتقال الدائم للخارج. أما بين الأسر التي تكسب أكثر من 200 ألف دولار، فإن استطلاع "أبيكس" يرفع هذا الرقم إلى ثلاثة أضعاف، مما يشير إلى أن القلق الاقتصادي هو الأكثر حدة بين أولئك الذين لديهم أكبر قدر من الأصول لحمايتها، وأكبر قدر من الوسائل لاتخاذ إجراءات عملية.
وأوضح كاتز أن معظم رواد الأعمال والأثرياء يتركزون في أصول مقومة بالدولار (مثل حسابات التقاعد والعقارات ومحافظ الأسهم)، قائلاً: "بدأ الناس يدركون أن الدولار لن يظل العملة الاحتياطية للأبد، وقد تنتهي هذه الهيمنة عاجلاً وليس آجلاً".
كما يعكس الاستطلاع مزاج بلد في حالة حرب؛ إذ قال ثلاثة من كل أربعة مشاركين إن الحرب الجارية في إيران تثير قلقهم بشأن مستقبل أمريكا.
أين يتجهون؟
تعد أوروبا الوجهة المفضلة بلا منازع؛ حيث أشار 42% من الذين يفكرون في الانتقال إليها، تليها كندا (18%) ومنطقة الكاريبي (16%)، بينما جاءت أمريكا الجنوبية وآسيا في مراكز متأخرة بنسبة 10% لكل منهما.
ولا يعود الانجذاب لأوروبا والكاريبي إلى نمط الحياة فحسب، بل لأن كلا المنطقتين موطن لبرامج "التأشيرة الذهبية" و"الجنسية عن طريق الاستثمار"، وهي مسارات تسمح للأفراد ذوي الملاءة المالية العالية بالحصول على الإقامة أو الجنسية مقابل استثمارات مؤهلة.
ومع ذلك، وجه كاتز تحذيراً بشأن أوروبا، قائلاً: "أعتقد أن الناس سيدركون أن أوروبا ليست الحل"، واصفاً الاتحاد الأوروبي بأنه "منظمة مختلة وظيفياً"، ومشيراً إلى أن العديد من الاقتصادات الأوروبية في "حالة من التقلب" مع تراجع جودة الحياة، حيث تبدو أنظمة الرعاية الاجتماعية المصممة للقرن العشرين غير مستدامة في الاقتصاد الحديث.
لا يقتصر الأمر على انتقال الأفراد، بل انتقال رؤوس الأموال أيضاً؛ حيث قال حوالي 63% من المشاركين إنهم فكروا في تنويع أصولهم خارج الولايات المتحدة. وبالنسبة لفئة تكسب أكثر من 200 ألف دولار سنوياً، تعد هذه إشارة ذات دلالة قوية للمستشارين ومديري الصناديق وصناع السياسات الذين يراقبون اتجاهات تدفق الثروة المحلية.
يختتم كاتز، الذي يعمل في قطاع "هجرة المستثمرين" منذ 30 عاماً، حديثه قائلاً: "لقد شعرنا بهذا الارتفاع في الطلب من الولايات المتحدة، وقررنا دراسته.. وبصراحة، لقد كنت متفاجئاً -لا أريد أن أقول مصدوماً- من المشاعر السائدة بين الأثرياء.. هذه نعمة لشركتي، لكنها مشكلة للولايات المتحدة".
    نيسان ـ نشر في 2026/06/18 الساعة 00:00