قصيدة العشب المستطيل

رمزي الغزوي
نيسان ـ نشر في 2026/06/19 الساعة 00:00
في طفولتنا كنا نظن أن اللعبة بسيطة: كرة تركض خلفها أقدام متعبة وحافية أحيانا، ومرمى يتشكل افتراضيا بين حجرين يحرسه ولد كسول ومشاجرات تنتهي في العادة أن يسحب الولد المدلل كرته من بيننا ويتركنا نتمرغ في ضجرنا وغضبنا. ثم نكبر ونكتشف أن الحكاية أوسع من ذلك بكثير. فما الذي يجعل مباراة ما تسكن الذاكرة لسنوات طوال، فيما تتبخر مئات المباريات الأخرى بعد ساعات من انتهائها؟ ولماذا نتذكر تمريرة أو مراوغة أو اختراقه كما نتذكر مشهدا من فيلم جميل أو بيتا من قصيدة شفيفة؟
السر، فيما أرى، أن الملعب ليس ساحة تنافس فقط. إنه مساحة تولد فوقها أشكال متحركة لا تكف عن التشكل والتبدل. الخطوط البيضاء ترسم حدود المشهد، واللاعبون يعيدون ترتيب الصورة كل لحظة. فجأة تتسع المسافات، ثم تضيق، وتتقدم الكتل البشرية وتتراجع، ويتحول العشب إلى صفحة ضخمة ترسم فوقها الأقدام خطوطها المرتجلة. ومن يتأمل مباراة جيدة بعين مختلفة، سيرى أنها أقرب إلى عمل فني حي منه إلى سباق للفوز والخسارة.
لهذا لا نتذكر اللاعبين الكبار بسبب أهدافهم وحدها. نتذكرهم لأن لكل واحد منهم طريقته الخاصة في السير داخل ذلك المشهد. بعضهم يتحرك بخفة تجعل الكرة تبدو امتدادا لجسده، وبعضهم يترك خلفه أثرا يشبه الفوضى الموحية بالإبداع، وبعضهم يختصر الملعب كله في لمسة واحدة. ومع مرور الوقت تصبح تلك الحركات لغة قائمة بذاتها، حتى إنك تستطيع التعرف إلى صاحبها من لقطة قصيرة لا تتجاوز ثوان معدودة.
ومن هنا خروج اللاعب من حدود الملعب. صار وجهه جزءا من الذاكرة الشعبية، وحضوره مادة تتكرر على الجدران والشاشات والملصقات والدعايات والحكايات. لم يعد بطلا رياضيا فقط، وإنما صورة تحمل معها حكايات الناس وأحلامهم وانتماءاتهم وغضبهم وتنفيساتهم واحتقاناتهم أيضا. ولهذا تحولت بعض الوجوه إلى أيقونات ثقافية يعرفها حتى من لا يتابع الرياضة أصلا.
في هذه السردية الطرية تغدو المدرجات مسرحا موازيا. آلاف البشر يتحولون إلى لوحة واحدة، ينسقون الألوان والأصوات واللافتات كما لو أنهم فرقة فنية هائلة أو أوركسترا. وفي لحظات كثيرة يصبح المشهد فوق المقاعد موازيا في جماله لما يجري على العشب.
ورغم الأموال الطائلة والعقود والرعاة والبث المتواصل، لا تزال اللعبة تحتفظ بسر صغير يرفض التدجين أو الإحاطة. تمريرة تولد من الخيال، أو مراوغة لا تعترف بالحسابات، أو لحظة دهشة جماعية تعبر المدرجات كلها دفعة واحدة. هناك، في تلك الومضة العابرة يتذكر الواحد منا أن الفن لا يعيش في المتاحف وحدها، وأن بعض القصائد يكتبها عشب مستطيل يحتضن كرة مطاردة يحسبها البعض صيدا لا يقدر بثمن.
    نيسان ـ نشر في 2026/06/19 الساعة 00:00