في مديح إعدام تجار الموت

نيسان ـ نشر في 2026/06/21 الساعة 00:00
إبراهيم قبيلات
ثمة جرائم لا تستهدف فردا بعينه، بل تستهدف مجتمعا بأكمله. جرائم لا تسرق مالا أو ممتلكات، بل تسرق الأعمار والعقول والمستقبل. وعندما يتعلق الأمر بتجارة المخدرات، فإننا لا نكون أمام مخالفة قانونية عادية، بل أمام حرب حقيقية تُشن على المجتمعات من الداخل.
لهذا تبدو النقاشات التي ترافق عقوبة الإعدام بحق كبار مهربي المخدرات وتجارها مختلفة عن أي نقاش آخر. فالمسألة هنا لا تتعلق بالانتقام أو التشفي، بل بالسؤال الأقدم الذي وُجد القانون للإجابة عنه: كيف نحمي المجتمع؟
القوانين لم تُسنّ لتقييد الحياة، بل لحمايتها. ومن هذه الزاوية أجد نفسي منحازا إلى جانب الحزم عندما يتعلق الأمر بتجار الموت، أولئك الذين يحولون معاناة الناس إلى تجارة، ويحولون الشباب إلى زبائن دائمين في سوق الخراب.
نحن لا نتحدث عن متعاط وقع ضحية الإدمان ويحتاج إلى العلاج والرعاية وإعادة التأهيل، بل نتحدث عن شبكات منظمة وعصابات عابرة للحدود، تملك المال والسلاح والقدرة على التكيف مع كل وسائل المكافحة، وتبني ثرواتها على حساب انهيار الأفراد والأسر والمجتمعات.
ومن يتابع التصريحات الرسمية وحجم الضبوطات التي تعلن عنها الأجهزة المختصة يدرك أن المخدرات لم تعد مجرد مشكلة اجتماعية، بل تحولت إلى تهديد أمني وثقافي وأخلاقي يستهدف بنية المجتمع نفسها.
التاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن المخدرات لم تكن دائما مجرد تجارة. ففي القرن التاسع عشر استخدمت تجارة الأفيون كأداة لإضعاف المجتمعات وإخضاعها اقتصاديا وسياسيا، وأصبحت المخدرات في أحيان كثيرة وسيلة أكثر فتكا من السلاح نفسه.
وعندما يصل الإجرام إلى مرحلة الاستهتار الكامل بحياة الناس ومستقبلهم، تصبح العقوبات التقليدية غير كافية لتحقيق الردع المطلوب. فبعض هذه الشبكات تتعامل مع السجن كما تتعامل مع أي خسارة محتملة في حسابات الربح والخسارة.
والردع هو أحد أهم أهداف القانون. وإذا كان الهدف من العقوبة حماية المجتمع ومنع تكرار الجريمة، فإن السؤال يصبح: ما العقوبة القادرة على ردع من يجعل من تدمير حياة الآخرين مشروعا استثماريا؟
إعدام تاجر مخدرات ثبتت إدانته بشكل قطعي، وبعد محاكمة عادلة استوفت جميع درجات التقاضي والضمانات القانونية، لا يُنظر إليه من هذه الزاوية باعتباره انتقاما، بل باعتباره رسالة ردع موجهة إلى كل من يفكر في تحويل المجتمع إلى سوق للموت البطيء.
سنسمع بالطبع أصواتا تعارض هذه العقوبة من منطلق رفضها المبدئي لعقوبة الإعدام. وهذا حقها الفكري والقانوني. لكن من حق المجتمع أيضا أن يطرح سؤالا مشروعا: أين يقف حق الضحايا وحق الأسر وحق الأجيال المقبلة في الأمان؟
ماذا عن الأمهات اللواتي يشاهدن أبناءهن يضيعون أمام أعينهن؟ وماذا عن العائلات التي تفقد أبناءها بسبب جرعة زائدة أو بسبب الجرائم التي ترتبط بالإدمان والعنف والانهيار النفسي؟
إن حق المجتمع في الأمن والحياة والاستقرار ليس قيمة هامشية يمكن تجاوزها. بل هو الحق الذي تقوم عليه بقية الحقوق كلها.
لهذا فإن الحزم في مواجهة تجار المخدرات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه قسوة، بل بوصفه دفاعا عن المجتمع. فالدولة التي تتساهل مع هذه الآفة تدفع الثمن من أمنها واستقرارها ومستقبل أبنائها.
وفي النهاية، تبقى الرحمة الحقيقية ليست مع من يبيع السموم للناس، بل مع المجتمع الذي يحاول أن يحمي أبناءه منها. فحين تصبح المخدرات مشروعا لتدمير الحياة، يصبح الدفاع عن الحياة واجبا لا تردد فيه.
    نيسان ـ نشر في 2026/06/21 الساعة 00:00